في كل مرة يزور فيها مسؤول جزائري إحدى العواصم الأوروبية، ينصبّ التركيز الإعلامي على ملفات الطاقة والغاز الطبيعي. لكن زيارة الدولة التي يجريها الرئيس عبد المجيد تبون إلى برلين، الممتدة على يومين بدعوة من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، مصنّفة رسميًا ضمن بروتوكولات “زيارات الدولة من الدرجة الأولى” أرفع أشكال الزيارات بين الدول، ولا تُمنح إلا لعدد محدود جدًا من القادة سنويًا. الرئيس تبون سيُستقبل بمراسم عسكرية كاملة، تليها محادثات موسعة مع شتاينماير، إضافة إلى لقاء مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس مؤشر بروتوكولي يكشف حجم الرهان الألماني على هذه العلاقة.
الأرقام تسند هذا التحول. فقد ارتفعت الصادرات الجزائرية نحو ألمانيا بنسبة 11% لتصل إلى 1.4 مليار يورو سنة 2025، وواصلت نموها بنسبة 20% خلال الربع الأول من عام 2026. وفي المقابل، تُقدَّر الاستثمارات المقررة في قطاع الطاقة الجزائري بـ60 مليار دولار بحلول 2030، بالتوازي مع مخطط وطني لبلوغ 15 جيجاواط من الطاقات المتجددة بحلول 2035. وعلى صعيد الغاز، حلت الجزائر في المرتبة الثانية كأكبر مورّد للغاز عبر الأنابيب للاتحاد الأوروبي سنة 2025، ما دفع شركات أوروبية مثل إيني الإيطالية إلى تعزيز استثماراتها بما يقارب 8 مليارات يورو دليل على أن برلين ليست وحدها في هذا السباق.
أما ملف الهيدروجين الأخضر، فيتجاوز الشعارات إلى مشاريع ملموسة: الجزائر تستهدف استثمار ما بين 20 و25 مليار دولار لتنفيذ مشاريع الهيدروجين الأخضر، وبلوغ إنتاج نحو 15 ألف ميغاواط من الطاقة الشمسية بحلول 2035، فيما دشّنت برلين والجزائر مشروعًا تجريبيًا مشتركًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر بسعة 50 ميغاواط، تسهم فيه ألمانيا بـ20 مليون يورو، ضمن خطة عمل تشمل تسويق الهيدروجين الجزائري نحو أوروبا عبر مشروع الممر الجنوبي. وتندرج هذه الجهود ضمن مبادرة أوروبية أوسع تحمل اسم “T-MED”، المدعومة بضمانات أوروبية بقيمة 5 مليارات يورو، والتي يُتوقع أن تحرّك استثمارات إضافية قد تبلغ 25 مليار يورو في الطاقات المتجددة بمنطقة المتوسط وإن كانت تقديرات داخلية تشير إلى أن الاحتياجات الفعلية تفوق ذلك بأضعاف.
البعد الصناعي وتحديدًا التسلح يكشف عمق هذه الشراكة وامتدادها التاريخي. ألمانيا ليست طرفًا جديدًا في تحديث القدرات الجزائرية: شركات مثل راينميتال ومان وتيسّن سبق أن انخرطت في مشاريع لبناء ناقلات عسكرية وسفن حربية وتكوين عناصر البحرية الجزائرية، ضمن صفقات تصنيع محلي تجاوزت قيمتها مليارات الدولارات. اليوم، ومع توجه الجزائر نحو تحديث ورقمنة قواتها المسلحة خلال 2026، ومع إنفاق عسكري جزائري يُقدَّر بنحو25 مليار دولار سنويًا وسط تصاعد سباق التسلح الإقليمي، تصبح الصناعات الدفاعية الألمانية – التي تشهد هي الأخرى توسعًا غير مسبوق بفعل إعادة التسلح الأوروبي داخل الناتو – حقلًا محتملًا لتعميق الشراكة الصناعية، لا مجرد ملحق هامشي للتعاون الطاقوي.
هذه الزيارة تمثل بداية انتقال العلاقات الجزائرية الألمانية من “دبلوماسية الأزمات” إلى “دبلوماسية المشاريع”: طاقة، هيدروجين، صناعة دفاعية، ورقمنة، في شراكة تتجاوز منطق المورّد والمستهلك.
قيمة زيارة الرئيس تبون إلى برلين لا تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بترسيخها رؤية جديدة لعلاقة استراتيجية متعددة الأبعاد، يكون فيها الغاز نقطة انطلاق لا هدفًا نهائيًا.





















