أربع مقاتلات «سو-30» في النيجر.. الجزائر ترسم عقيدة «الدفاع النشط» وتحسم موقعها الأمني في الساحل
بوابة الجزائر الإخبارية: أربع مقاتلات جزائرية من طراز «سوخوي سو-30»، مدعومة بطائرة نقل عسكري «إيل-76» وطائرة للتزود بالوقود جوًا «إيل-78»، هبطت في نيامي يوم 30 أوت 2026، في عملية عسكرية حملت رسائل تتجاوز بكثير عدد الطائرات المشاركة فيها. فالتحرك، الذي جاء استجابة لطلب رسمي من السلطات النيجرية، كشف امتلاك الجزائر القدرة السياسية والعسكرية واللوجستية على التحرك السريع عندما يصبح استقرار جوارها الجنوبي جزءًا مباشرًا من أمنها القومي.

ولم يكن وصول المقاتلات إلى مطار ديوري حماني استعراضًا عابرًا للقوة، بل ترجمة ميدانية لمرحلة جديدة في التعاون الأمني بين الجزائر والنيجر، خصوصًا أنه جاء بعد يوم واحد من اضطرابات عسكرية استهدفت مواقع حساسة في نيامي، بينها القاعدة الجوية 101، وقبل أسابيع قليلة فقط من تسليم الجزائر أربعة مروحيات عسكرية إلى الجيش النيجري.
وبذلك انتقلت العلاقات بين البلدين، خلال شهر واحد، من التنسيق والتكوين وتبادل الخبرة إلى توفير وسائل قتالية وإسناد جوي ولوجستي ثقيل. كما أظهرت العملية أن الجزائر لم تعد تنظر إلى أمن الساحل باعتباره ملفًا خارجيًا منفصلًا عن أمنها الداخلي، وإنما بوصفه امتدادًا طبيعيًا لجبهتها الجنوبية ومجالًا لا يمكن ترك ترتيباته لقوى بعيدة عن المنطقة.

وأفادت تقارير متخصصة بأن التشكيل الجوي الجزائري ضم دوريتين من مقاتلات «سو-30»، أي أربع طائرات، إلى جانب طائرة التزود بالوقود «إيل-78» التي منحت القوة القدرة على تنفيذ رحلة بعيدة والحفاظ على مرونتها العملياتية، فضلًا عن طائرة النقل العسكري «إيل-76» المكلفة بإسناد العملية لوجستيًا. واستُقبلت الطائرات في نيامي بحضور مسؤولين نيجريين كبار، بينهم الوزير الأول ووزير الدفاع ورئيس أركان القوات المسلحة.

وتكمن الدلالة الأولى للعملية في طبيعة الوسائل المستخدمة. فالجزائر لم ترسل طائرات نقل أو معدات دفاعية محدودة فقط، وإنما دفعت بمقاتلات ثقيلة متعددة المهام، تملك مدىً عملياتيًا واسعًا وقدرات متقدمة على تنفيذ مهام التفوق الجوي والاعتراض والهجوم الدقيق. كما أن إرفاقها بطائرة للتزود بالوقود جوًا يؤكد أن الرسالة لم تكن رمزية، بل استندت إلى منظومة متكاملة تسمح بإسقاط القوة الجوية بعيدًا عن القواعد الأصلية.
غير أن أهمية الخطوة لا تعني بالضرورة انتقال الجزائر إلى سياسة تدخل عسكري دائم خارج حدودها. فلا توجد، حتى الآن، معلومات رسمية تشير إلى إنشاء قاعدة جزائرية في النيجر أو تحديد مدة طويلة لبقاء المقاتلات أو تكليفها بعمليات قتالية مستمرة. ولذلك ينبغي قراءة العملية ضمن سياقها المعلن: استجابة سريعة لطلب دولة مجاورة واجهت محاولة لزعزعة استقرار مؤسساتها.
وفي هذا السياق، اعتبر السفير الجزائري السابق عمار بلاني أن إرسال طائرات «سو-30» حمل ثلاث رسائل استراتيجية كبرى، أولها حدوث تغير في مستوى الالتزام الجزائري داخل الساحل. فالبلاد انتقلت، بحسب قراءته، من أدوات التعاون التقليدية إلى إظهار قدرة قتالية جوية ثقيلة، مسنودة بالوسائل اللوجستية الضرورية لاستخدامها خارج المجال الوطني.

وأوضح بلاني أن العملية جاءت بعد تسليم المروحيات العسكرية للنيجر، وهو ما يجعلها حلقة ضمن مسار متصاعد، لا حدثًا معزولًا. وبذلك أصبحت المساعدة الجزائرية أكثر مباشرة وملموسية، بعدما جمعت بين دعم قدرات الحركة البرية والجوية للجيش النيجري وبين إظهار الاستعداد للتدخل السريع، وفق الأطر السيادية المتفق عليها بين البلدين.
أما الرسالة الثانية، وفق السفير السابق، فتتصل بإعادة تركيب المنظومة الأمنية المحيطة بالنيجر. ففي منطقة تعددت داخلها التدخلات الأجنبية وتغيرت التحالفات بصورة متسارعة، تدخل الجزائر بثلاثة امتيازات يصعب تعويضها: الجوار الجغرافي، والقدرة على إسقاط القوة الجوية، والخبرة المتراكمة في قراءة البيئة الساحلية وتهديداتها.
فالجزائر ليست قوة وافدة تبحث عن موطئ قدم مؤقت، وإنما دولة تشترك مع النيجر في حدود تمتد لنحو ألف كيلومتر، وتتأثر مباشرة بأي انهيار أمني أو مؤسساتي على الجانب الآخر منها. كما راكمت أجهزتها الأمنية والعسكرية معرفة طويلة بشبكات الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة ومسارات الهجرة غير النظامية، ما يمنح تعاونها مع نيامي قيمة عملياتية لا توفرها المقاربات الأجنبية المبنية على الانتشار البعيد أو الحسابات الظرفية.
وتتمثل الرسالة الثالثة في تثبيت النيجر باعتبارها عمقًا استراتيجيًا مباشرًا للجنوب الجزائري. وبحسب بلاني، فإن سرعة التحرك الجزائري تؤكد تمسك الجزائر بدورها قوةً أمنية مستقلة في الساحل، ورفضها ترك هندسة أمن محيطها الجنوبي لقوى خارجية لا تتحمل النتائج المباشرة لأي اضطراب يصيب المنطقة.
وهذا البعد لا يعني فرض وصاية على النيجر أو التدخل في قرارها الداخلي؛ إذ جاءت العملية، وفق المعطيات المعلنة، استجابة لطلب سيادي من سلطات نيامي. بل إن هذه الصيغة تشكل جوهر المقاربة الجزائرية الجديدة: دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية عندما تطلب المساعدة، بدل إنشاء جماعات موازية أو تمويل وكلاء محليين أو تحويل هشاشة الدول إلى باب لاختراق سيادتها.
ومن هنا يظهر الفارق بين التدخل القائم على فرض الأمر الواقع، والتعاون العسكري الذي يتم بناءً على طلب رسمي بين دولتين. فالجزائر لم تتحرك لإعادة تشكيل النظام السياسي النيجري، وإنما لمساندة قدرة الدولة على حماية مؤسساتها ومنع انزلاق البلاد إلى فراغ أمني قد تمتد تداعياته بسرعة إلى كامل الساحل.
وجاء الانتشار عقب اضطرابات شهدتها نيامي يوم 29 أوت، عندما هاجم عسكريون متمردون مواقع حساسة، بينها القاعدة الجوية 101 الواقعة داخل مجمع المطار الدولي. وأعلنت السلطات النيجرية لاحقًا استعادة السيطرة على القاعدة، فيما أكدت تقارير دولية وصول دعم من الجزائر بعد احتواء التمرد.
وعليه، لا تتوافر معطيات تؤكد مشاركة المقاتلات الجزائرية في قصف أو اشتباكات داخل النيجر، كما لم تعلن الجزائر تنفيذ طلعات قتالية ضد المتمردين. غير أن وصولها السريع أدى وظيفة ردعية وسياسية واضحة، إذ أظهر أن الدولة النيجرية لا تواجه محاولات زعزعة استقرارها في عزلة، وأن الجزائر قادرة على الانتقال من إعلان التضامن إلى توفير دعم ميداني عالي المستوى.
كما تحمل العملية رسالة إلى مختلف القوى المتنافسة في الساحل مفادها أن الجزائر تملك أدواتها الخاصة ولا تحتاج إلى تفويض من قوى بعيدة لحماية مصالحها الحيوية. فهي تتعاون مع جيرانها وفق احتياجات المنطقة، وتحتفظ باستقلال قرارها العسكري، ولا تنخرط تلقائيًا في المحاور الدولية المتصارعة على النفوذ والموارد والمواقع الاستراتيجية.
وقد ساعد التوجيه السياسي للرئيس عبد المجيد تبون، بصفته رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، على منح التحرك سرعة القرار ووضوح الهدف. كما جسّد تنفيذ العملية قدرة الجيش الوطني الشعبي، بقيادة رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أول السعيد شنقريحة، على تعبئة قوة جوية من الصف الأول وتأمين انتقالها إلى عمق الساحل خلال فترة قصيرة.
وتعكس هذه السرعة مستوى الجاهزية الذي بلغته القوات الجوية الجزائرية، لأن نقل أربع مقاتلات ثقيلة إلى مسرح بعيد لا يتوقف على إصدار الأمر السياسي، بل يتطلب التخطيط للمسار، وتأمين الوقود، وتعبئة الطواقم الفنية، ونقل المعدات وقطع الغيار، وضمان الاتصالات والقيادة والدعم الأرضي والتنسيق مع الدولة المستقبلة.
وبذلك لم تُظهر الجزائر امتلاكها مقاتلات متقدمة فقط، وإنما أثبتت امتلاك المنظومة التي تسمح بتحويل هذه المقاتلات إلى قوة قابلة للانتشار. وهذه نقطة مركزية في قياس القدرات العسكرية الحديثة؛ إذ لا تُقاس القوة بعدد الطائرات المسجلة في الترسانة، بل بمدى جاهزيتها وقدرة الدولة على تشغيلها وإسنادها خارج قواعدها عند الضرورة.
كما أن الجمع بين «سو-30» و«إيل-78» و«إيل-76» يقدم صورة متكاملة عن القدرة الجزائرية على إدارة عمليات جوية بعيدة نسبيًا. فالمقاتلات توفر الردع، وطائرة التزود بالوقود توسع المدى والاستقلالية، بينما تؤمن طائرة النقل انتقال الأطقم والوسائل الفنية. ومن ثم، فإن التشكيل الذي ظهر في نيامي كان رسالة عسكرية مكتملة العناصر، لا مجرد زيارة بروتوكولية لطائرات حربية.
ويعيد هذا التطور طرح مفهوم «الدفاع النشط» بوصفه إطارًا لفهم التحول الجاري في العقيدة الجزائرية. فالدفاع عن الحدود لم يعد مقتصرًا على انتظار وصول التهديد إلى الأراضي الوطنية، لأن الإرهاب والجريمة المنظمة والانقلابات والفراغات الأمنية لا تتوقف عند العلامات الحدودية. ولذلك يصبح دعم استقرار الدولة المجاورة، بطلب منها، أحد أساليب الوقاية من انتقال الخطر إلى الجزائر.
ومع ذلك، حافظت العملية على الفاصل بين الدفاع النشط والتدخل المفتوح. فالجزائر لم تعلن تبني عقيدة حروب استباقية، ولم تتخل عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وإنما وسعت أدوات حماية أمنها ضمن تعاون ثنائي قائم على السيادة والطلب الرسمي والتقاء المصالح.
وهذا ما شدد عليه عمار بلاني حين اعتبر أن التحول لا يتعارض بالضرورة مع الأسس الدبلوماسية الجزائرية أو أحكام الدستور، لأن التحرك جرى بطلب من السلطات النيجرية وفي سياق تضامن إقليمي يتصل مباشرة بالأمن الوطني الجزائري. ومع ذلك، تبقى الطبيعة القانونية الدقيقة لأي انتشار طويل أو مهمة قتالية ممتدة مرتبطة بمدتها ومضمونها والإطار الرسمي الذي يحكمها.
ولا تنفصل الأهمية الأمنية للنيجر عن وزنها الاقتصادي والاستراتيجي. فالبلد يمثل حلقة مركزية في الطريق العابر للصحراء، وفي مشروع الألياف البصرية القاري، وفي أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يفترض أن يربط نيجيريا بالجزائر مرورًا بالأراضي النيجرية. كما توسع «سوناطراك» وفروعها تعاونها مع شركة «سونيديب» في النفط والحفر والمسح الجيوفيزيائي وتسويق الخام وتوريد المنتجات المكررة.
ومن ثم، فإن استقرار النيجر لا يحمي الحدود الجزائرية فقط، بل يحمي أيضًا شبكة مشروعات قارية تراهن عليها الجزائر لإعادة وصل الساحل بالمتوسط وتحويل جنوب البلاد إلى منصة للطاقة والنقل والتجارة والاستثمار. وهذا ما يجعل الأمن والتنمية جزأين من استراتيجية واحدة، بدل التعامل معهما كملفين منفصلين.
وتظهر في هذا المستوى النظرة الاستباقية للدولة الجزائرية؛ إذ لم تنتظر اكتمال الفوضى أو انهيار المؤسسات حتى تتحرك، وإنما دعمت قدرة النيجر على حماية استقرارها، بالتوازي مع بناء مصالح اقتصادية وتنموية مشتركة تمنح العلاقة عمقًا يتجاوز التحالفات الظرفية.
وبذلك حملت مقاتلات «سو-30» ثلاث رسائل متزامنة: إلى نيامي بأن الجزائر شريك يمكن الاعتماد عليه عند الأزمات؛ وإلى القوى المتنافسة بأن الأمن الساحلي لن يُرسم من دون الجزائر؛ وإلى الداخل الجزائري بأن حماية الحدود الجنوبية تبدأ من منع تشكل مصادر التهديد وراءها.
فالجزائر لم تعلن تخليها عن دبلوماسية الحوار وعدم التدخل، لكنها أوضحت أن هذه المبادئ لا تعني السلبية أو ترك الدول المجاورة تواجه محاولات زعزعة الاستقرار وحدها. وما حدث في نيامي يشير إلى ولادة معادلة أكثر حزمًا: احترام سيادة الجار، والاستجابة لطلبه، ودعم مؤسساته، مع الاحتفاظ بالقدرة على التحرك السريع عندما تلتقي سلامته مع الأمن القومي الجزائري.
وعليه، لا تكمن القيمة الكبرى للعملية في بقاء الطائرات أو مغادرتها، ولا في تنفيذ طلعات قتالية من عدمه، وإنما في السابقة التي أرستها. فقد أظهرت الجزائر أنها تملك الإرادة والجاهزية والأدوات اللازمة لإسقاط قوة جوية معتبرة داخل عمقها الساحلي، وأنها لن تترك الفراغات الأمنية تُملأ تلقائيًا من قوى خارج المنطقة.
لقد وصلت أربع مقاتلات إلى نيامي، لكن الرسالة تجاوزت المجال الجوي النيجري كله: الجزائر تعود إلى الساحل بأدوات الدولة، وبقرار مستقل، وبقوة عسكرية قادرة على حماية استقرار جوارها عندما يطلب منها ذلك؛ لا بحثًا عن نفوذ عابر، وإنما دفاعًا عن عمق استراتيجي أصبح جزءًا لا يتجزأ من أمنها الوطني.




















