بوابة الجزائر الإخبارية: انتقلت الجزائر في الحسابات الألمانية من خانة مورّد المحروقات إلى موقع شريك صناعي وطاقوي قادر على الجمع بين الغاز المتاح حاليًا، والهيدروجين الموجه إلى اقتصاد منخفض الكربون، والمعادن التي تحتاجها الصناعة الأوروبية، وقاعدة إنتاج قريبة من أكبر أسواق القارة. ويؤكد وصول أول شحنة جزائرية مباشرة من الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا، بالتوازي مع توسع التصنيع المحلي لمكونات المحطات الشمسية واستهداف تغطية ما يصل إلى 10% من الطلب الأوروبي على الهيدروجين بحلول 2040، أن برلين بدأت تتعامل مع الجزائر بوصفها جزءًا من هندسة أمنها الاقتصادي، لا مجرد مصدر بديل للطاقة.

وتحمل زيارة وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المرتقبة إلى الجزائر اليوم الاثنين مضمونًا اقتصاديًا يتجاوز برنامج المحادثات الدبلوماسية المعتاد، إذ اصطحب معه وفدًا من الشركات الألمانية، وأدرج في جدول أعماله لقاءً مع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، ومحادثات مع وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، ووزير الدولة وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب، فضلًا عن مائدة مستديرة تجمع مؤسسات جزائرية وأعضاء الوفد الاقتصادي.
وتكشف تركيبة الزيارة اتجاهًا ألمانيًا إلى التعامل مع الجزائر من خلال حزمة مترابطة تشمل الغاز والهيدروجين والطاقة المتجددة والتعدين والتكنولوجيا والتصنيع، بدل فصل كل قطاع عن الآخر أو حصر العلاقات في عقود بيع وشراء قصيرة الأجل.
وقال فاديفول، قبيل انتقاله إلى الجزائر، إن البلاد تمثل شريكًا استراتيجيًا لألمانيا في سياستي الطاقة والأمن، مشيرًا إلى أنها من أهم موردي الغاز إلى الاتحاد الأوروبي، وتملك إمكانات كبيرة لإنتاج الهيدروجين الأخضر. كما ربط تعزيز العلاقات مع الجزائر بالحاجة إلى تأمين إمدادات أوروبا، وتثبيت الاستقرار في الساحل، وحماية طرق الملاحة المتأثرة بأزمات الشرق الأوسط.

ولا ينطلق التقييم الألماني من الموارد الطبيعية وحدها، بل من قدرة الجزائر على تحويل تلك الموارد إلى قاعدة إنتاج تقع على مسافة بحرية قصيرة من أوروبا، وتملك شبكة غاز واسعة، وموانئ ومنشآت تسييل، ومساحات كبيرة لإنتاج الطاقة الشمسية والريحية، ويدًا عاملة شابة، إلى جانب احتياطيات من الحديد والفوسفات والزنك والرصاص ومواد منجمية أخرى.
وقد اختارت قناة «ZDF» الألمانية العامة تقديم هذا التحول من داخل مصنع جزائري، بدل الاكتفاء بصور حقول الغاز أو الصحراء. ففي تقرير بثته بالتزامن مع زيارة فاديفول، عرضت القناة آلات شركة «SPS» في إحدى ضواحي الجزائر العاصمة وهي تعمل على مدار الساعة لإنتاج مكونات معدنية موجهة إلى المحطات الشمسية داخل البلاد.
وقال مسؤول الوردية سالم كور إبراهيم إن المؤسسة كانت تصنع سابقًا هياكل للمنشآت الصناعية، لكن الطلبيات لم تكن منتظمة، قبل أن يمنح توسع الاستثمار في الطاقة الشمسية نشاطها دفعة جديدة. كما ربط المدير العام مهدي بن ديمراد تطور الطلب بتغير البيئة الجيوسياسية وارتفاع مكانة الجزائر بوصفها شريكًا موثوقًا للطاقة.
وتكمن قيمة هذا المثال في أنه ينقل النقاش من عدد الميغاواط المنتجة إلى القيمة الصناعية المتولدة داخل الجزائر. فالمحطة الشمسية لا تتكون من الألواح فقط، وإنما تحتاج إلى هياكل معدنية وأنظمة تثبيت وكابلات ومحولات ومعدات ربط وتحكم ومراقبة وتخزين، إلى جانب خدمات الهندسة والتركيب والصيانة.
وكلما ارتفعت نسبة إنتاج هذه المكونات محليًا، تضاعف أثر الاستثمار في الطاقة المتجددة على الاقتصاد، لأن المشروع يتحول من منشأة لإنتاج الكهرباء إلى سلسلة طلب تشمل الصناعات المعدنية والكهربائية والإلكترونية والخدمات التقنية والبناء والنقل.
كما يسمح التصنيع المحلي بتقليص فاتورة استيراد التجهيزات، وتوسيع سوق المناولة الصناعية، وتكوين موردين جزائريين قادرين لاحقًا على تلبية طلبات داخلية وخارجية، وخلق وظائف تقنية أكثر استقرارًا من العمالة المرتبطة بمرحلة تشييد المحطات وحدها.
ولا توفر المعطيات المنشورة رقم أعمال شركة «SPS» أو عدد الوظائف التي استحدثتها أو قيمة طلبياتها أو نسبة المكون المحلي في المنتجات التي تصنعها، ولذلك لا يمكن اعتمادها لقياس الحجم الإجمالي لصناعة تجهيزات الطاقة الشمسية في الجزائر. غير أن عرضها في تقرير للقناة الألمانية العامة يمنحها دلالة مختلفة، لأنها ظهرت بوصفها نموذجًا لما تستطيع الشركات الألمانية العثور عليه داخل السوق الجزائرية: مؤسسات قائمة يمكن تطويرها عبر عقود المناولة أو المشروعات المشتركة أو نقل التكنولوجيا، بدل بناء سلسلة التوريد من الصفر.
ويؤيد المدير العام للغرفة الجزائرية الألمانية للصناعة والتجارة، أوليفر بلانك، هذه القراءة، إذ حدد عناصر جاذبية الجزائر في وفرة الطاقة والمواد الأولية، والموارد البشرية الشابة والمتعلمة، والبنية التحتية، والقرب من أوروبا. وتمثل هذه العناصر أساسًا لتكامل محتمل بين الموارد والقاعدة الصناعية الجزائرية من جهة، والتكنولوجيا والهندسة والتمويل والأسواق الألمانية من جهة أخرى.
ويأتي التحول في النظرة الألمانية بعد أقل من شهرين على دخول الغاز الجزائري المسال إلى ألمانيا عبر مسار مباشر للمرة الأولى. فقد سلمت سوناطراك يوم 2 جويلية 2026 أول شحنة لها إلى محطة إعادة التغويز العائمة «فيلهلمسهافن 1» على بحر الشمال، بعد تحميلها من مركب التسييل «GL2Z» في بطيوة ونقلها على متن ناقلة الغاز «تسالة» التابعة للمجمع.
ولا تكمن أهمية العملية في حجم شحنة واحدة لم تعلن قيمتها أو كميتها التجارية، بل في فتح مسار مباشر بين منشآت التسييل الجزائرية والبنية التحتية الألمانية التي توسعت منذ 2022 لتقليص الاعتماد على الغاز الروسي.
فقبل هذه العملية، كان الغاز الجزائري يصل إلى السوق الألمانية بصورة غير مباشرة ضمن شبكة الغاز الأوروبية المترابطة، خصوصًا عبر التدفقات التي تنقلها الأنابيب إلى إيطاليا وإسبانيا. أما وصول الناقلة الجزائرية إلى فيلهلمسهافن، فقد أثبت إمكانية خدمة ألمانيا بحرًا بصورة مباشرة، ومنح سوناطراك نقطة دخول تجارية جديدة إلى أكبر اقتصاد في أوروبا.
ولا تعني الشحنة الأولى قيام برنامج توريد منتظم تلقائيًا، إذ يحتاج ذلك إلى عقود تحدد الكميات والأسعار ومواعيد التسليم وفترات الالتزام. لكنها أزالت العائق اللوجستي والتجاري الأول، وأظهرت أن الجزائر تستطيع الجمع بين ثلاثة مستويات للوصول إلى أوروبا: خط «ترانسميد» عبر تونس وإيطاليا، وخط «ميدغاز» نحو إسبانيا، وشحنات الغاز المسال القابلة للتوجيه إلى موانئ شمال القارة وغربها.
ويمنح هذا التنوع الجزائر مرونة لا تتوافر لكثير من الموردين، لأن الأنابيب توفر تدفقات مستقرة إلى جنوب أوروبا، بينما تسمح الناقلات بإعادة توجيه الشحنات وفق الأسعار والطلب والفرص التجارية. كما تقع الموانئ الجزائرية خارج مسار مضيق هرمز، ما يقلل تعرض الإمدادات إلى الاختناق الذي قد يصيب الشحنات القادمة من الخليج.
وقد أصبحت سلامة الطريق جزءًا من تسعير الطاقة، إلى جانب سعر الغاز وكلفة النقل. فالاضطرابات حول الممرات البحرية ترفع أقساط التأمين وأجور الناقلات ومخاطر التأخير، بينما تمنح الجزائر للقارة الأوروبية مزيجًا من القرب الجغرافي وتعدد وسائل النقل والقدرة على التوريد من غرب المتوسط.
غير أن توسيع الصادرات إلى ألمانيا سيظل مرتبطًا بقدرة الجزائر على رفع الإنتاج والمحافظة على جاهزية منشآت التسييل وتوفير كميات إضافية بعد تغطية الطلب الداخلي. وهنا تتقاطع سياسة الغاز مع برنامج الطاقة المتجددة، لأن إدخال قدرات شمسية وريحية جديدة إلى مزيج الكهرباء المحلي يمكن أن يخفض جزءًا من الغاز المحروق في محطات التوليد، ويوجهه إلى التصدير أو الصناعات التحويلية ذات القيمة الأعلى.
وبذلك لا تمثل الشمس منافسًا للغاز الجزائري، بل أداة لرفع قيمته الاقتصادية. فكل كمية من الكهرباء المتجددة تعوض الغاز في الاستهلاك الداخلي تستطيع، ضمن شروط الإنتاج والشبكة والطلب، تحرير كميات للتصدير وزيادة العائد من البنية القائمة.

أما الرهان الألماني الأطول أجلًا، فيتركز على الهيدروجين، إذ تشير وزارة الخارجية الألمانية إلى أن الجزائر تستهدف تغطية ما يصل إلى 10% من احتياجات الاتحاد الأوروبي بحلول 2040. وهذا الرقم يعكس طموحًا استراتيجيًا، لكنه لا يمثل حتى الآن عقد شراء أو قدرة إنتاجية ممولة أو كمية مضمونة للتصدير.
ولتحويل الهدف إلى تدفقات تجارية، يتعين إقامة قدرات ضخمة من الكهرباء المتجددة، وتركيب أجهزة التحليل الكهربائي، وتوفير المياه ومعالجتها، وإنشاء مرافق الضغط والتخزين، وتطوير أنظمة القياس والشهادات التي تثبت مصدر الهيدروجين وكثافة الانبعاثات المصاحبة لإنتاجه.
كما يحتاج الاستثمار إلى اتفاقات شراء طويلة الأجل مع مستهلكين أوروبيين في صناعات الصلب والكيماويات والأسمدة والنقل والطاقة. فالبنوك والمستثمرون لا يمولون المشروعات على أساس توافر الشمس وحدها، وإنما بناءً على السعر المتوقع، وكلفة النقل، واستقرار القواعد الأوروبية، وقدرة المنتج على ضمان التسليم، ووجود مشترين ملتزمين بالكميات.
وقد بدأ البلدان وضع الهيكل المؤسسي لهذا المسار قبل الزيارة الحالية. فالشراكة الطاقوية الجزائرية الألمانية تعود إلى سنة 2015، بينما أنشأ الطرفان في فيفري 2024 فريق عمل ثنائيًا للهيدروجين لتطوير شروط الإنتاج والتخزين والنقل، مع دعم مشروع تجريبي وتعزيز البنية التحتية المرتبطة به.
وتشير تقديرات منشورة عند توقيع مذكرة التفاهم إلى استهداف الجزائر إنتاج نحو 40 تيراواط/ساعة سنويًا من الهيدروجين المتجدد بحلول 2040، على أن يوجه عبر الأنابيب أو في صورة هيدروجين ومشتقات قابلة للنقل بحرًا. كما يتوقع أن يمتلك «الممر الجنوبي للهيدروجين» قدرة على نقل أربعة ملايين طن سنويًا على الأقل، وفق التصور الفني المتداول للمشروع.
وفي 21 جانفي 2025، ارتقى المسار إلى شراكة متعددة الأطراف من خلال إعلان النيات السياسي الموقع بين الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا بشأن «الممر الجنوبي للهيدروجين»، الذي يستهدف نقل الإنتاج من شمال إفريقيا عبر تونس وإيطاليا والنمسا وصولًا إلى جنوب ألمانيا.
ويمنح الممر الجزائر منفذًا بريًا إلى المراكز الصناعية الأوروبية، مستفيدًا من إمكانية تكييف أجزاء من البنية التحتية الغازية، بدل الاعتماد الكامل على تحويل الهيدروجين إلى أمونيا أو مشتقات أخرى ونقله بحرًا ثم إعادة معالجته في بلد الاستقبال.
غير أن المسار يحتاج إلى تنسيق بين خمسة بلدان، وربط شبكات تخضع لأطر تنظيمية مختلفة، واتفاق على التعريفات والضمانات والشهادات ومواصفات الغاز المنقول، فضلًا عن حسم الكلفة النهائية مقارنة بالهيدروجين المنتج داخل أوروبا أو المستورد بحرًا من مناطق أخرى.
وقد حصل المشروع على دفع سياسي جديد يوم 16 جويلية 2026، حين أقر الرئيس عبد المجيد تبون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين أجندة استراتيجية للشراكة الثنائية. وأكدت الوثيقة استمرار التعاون في الغاز والهيدروجين والطاقة والبنية التحتية والنقل والصناعة والتكنولوجيا والصحة والفلاحة والمعادن، إلى جانب الترحيب بالاتفاقات الموقعة بين المؤسسات الجزائرية والألمانية خلال الزيارة الرئاسية.

كما اتفق الجانبان على دراسة إعادة تنشيط اللجنة الاقتصادية المشتركة وإنشاء مجلس أعمال جزائري ألماني، بما يوفر آلية لمتابعة المشروعات ومعالجة العقبات التي تواجه المؤسسات، بدل إبقاء التعاون موزعًا بين اتصالات قطاعية منفصلة.
ومن ثم، لا تبدأ زيارة فاديفول من نقطة الصفر، بل تأتي بعد شهر ونصف من إقرار الإطار السياسي للشراكة، وبعد وصول أول شحنة غاز مسال، وفي ظل وجود فريق ثنائي للهيدروجين وممر أوروبي متعدد الأطراف. ويكمن دورها في نقل هذه الهياكل إلى مستوى المشاريع القابلة للتنفيذ، عبر تحديد الشركات والمواقع والدراسات والتمويلات وعقود الشراء والجداول الزمنية.
وتعطي المبادلات التجارية الحالية قاعدة لهذا الانتقال، وإن ظلت دون مستوى الإمكانات المتاحة. فقد بلغت صادرات ألمانيا إلى الجزائر نحو 2.1 مليار يورو خلال 2025، بزيادة 1.5%، بينما ارتفعت وارداتها من الجزائر 11.3% إلى قرابة 1.4 مليار يورو، ليتجاوز إجمالي تجارة السلع 3.5 مليارات يورو، مع فائض ألماني يناهز 800 مليون يورو، وفق بيانات ألمانية مستندة إلى المكتب الاتحادي للإحصاء.
وتتكون المبيعات الألمانية أساسًا من الآلات والمركبات والتجهيزات الكهربائية والمنتجات الكيميائية والصيدلانية، في حين تهيمن المحروقات والمنتجات البتروكيماوية على الواردات القادمة من الجزائر.
ويكشف هذا الهيكل أن الشراكة لا تزال قائمة إلى حد بعيد على معادلة تصدير الطاقة الجزائرية مقابل استيراد التجهيزات الألمانية. ولذلك يتحدد التحول الحقيقي بقدرة الجزائر على استقطاب مصانع ألمانية وشراكات تسمح بإنتاج جزء من المعدات والمكونات محليًا، وتطوير المناولة، ورفع الإدماج، ونقل الخبرة التقنية إلى المؤسسات الجزائرية.
ويمنح التعدين هذا الانتقال مساحة إضافية. فالجزائر دخلت مرحلة تطوير مشروعات الحديد في غارا جبيلات، والفوسفات، والزنك والرصاص، إلى جانب موارد منجمية أخرى، وربطها بالسكك الحديدية ومنشآت المعالجة والتحويل.
ولا تحتاج هذه المشروعات إلى الحفر والاستخراج فقط، بل إلى معدات ثقيلة وأنظمة فرز ومعالجة وأتمتة ومراقبة وكفاءة طاقوية وهندسة ميكانيكية وكهربائية، وهي مجالات تتمتع فيها الشركات الألمانية بخبرة صناعية واسعة.

ويمكن أن تنتقل العلاقة من بيع المعدات إلى إقامة وحدات للصيانة وتصنيع قطع الغيار وتجميع التجهيزات وتكوين المهندسين والتقنيين، بما يقلص فترات توقف المنشآت ويرفع نسبة القيمة المضافة المحلية.
وفي المقابل، تتوقف قدرة الجزائر على تحويل الاهتمام الألماني إلى استثمارات ثابتة على سرعة معالجة الملفات، ووضوح البيانات الفنية والاقتصادية، واستقرار الإجراءات، وتوفير العقار والطاقة والربط اللوجستي، وتحديد نسب الإدماج المطلوبة بصورة قابلة للتنفيذ.
وتكتسب هذه العناصر أهمية لأن المنافسة لا تدور فقط حول من يملك الغاز والشمس والمعادن، بل حول البلد القادر على تحويل الموارد إلى مشروع جاهز للتمويل والتشغيل في آجال واضحة. كما تحتاج المؤسسات الألمانية إلى موردين محليين قادرين على احترام المواصفات والكميات والمواعيد، بينما تحتاج المؤسسات الجزائرية إلى عقود تضمن لها التكنولوجيا والسوق والتكوين، لا مجرد دور محدود في التنفيذ.
ويظهر تقرير «ZDF»، رغم إدراجه ملاحظات سياسية ضمن زاويته التحريرية، أن صورة الجزائر داخل النقاش الألماني بدأت تتغير على مستوى الوقائع الاقتصادية. فالتقرير لم يقدمها كحقل غاز فقط، بل عرض مصنعًا محليًا يعمل لتلبية طلب الطاقة الشمسية، وشحنة دخلت ميناء ألمانيًا مباشرة، وخطة هيدروجين مرتبطة بممر قاري، وقاعدة بشرية وصناعية تقع على الضفة المقابلة لأوروبا.
ويمنح هذا التحول الجزائر فرصة لتحسين شروط موقعها داخل سلاسل القيمة الأوروبية. فالمرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقتصر على زيادة كميات الغاز المباعة، بل يمكن أن تشمل عقودًا طويلة الأجل تدعم تمويل الاستكشاف والإنتاج، ومشروعات مشتركة لتصنيع معدات الطاقة، واستثمارات في تحويل المعادن، وتكوين الكفاءات، وتطوير خدمات هندسية تصدر من الجزائر إلى إفريقيا والمتوسط.
كما تستطيع الجزائر توظيف تعدد مواردها في بناء حزمة تفاوضية واحدة: الغاز يضمن أمن الإمدادات في المدى القريب، والطاقة الشمسية تقلص الاستهلاك الداخلي وتدعم الصناعات الجديدة، والهيدروجين يوفر مدخلًا لاقتصاد الطاقة الأوروبي بعد 2030، بينما تفتح المناجم سوقًا للتكنولوجيا والمعدات والتحويل الصناعي.
وعند هذا المستوى، لا تعود الجزائر مجرد مورد تستبدله أوروبا بآخر عند تغير الأسعار، بل تتحول إلى قاعدة متكاملة يصعب فصل الطاقة فيها عن الصناعة، أو الغاز عن الهيدروجين، أو المعادن عن البنية التحتية.
غير أن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد انتهاء الزيارة. فنجاحها لا يقاس بعدد الاجتماعات أو قوة التصريحات، بل بانتقال الملفات إلى دراسات جدوى ومواقع محددة، ثم إلى قرارات استثمار وتمويل وعقود شراء وبرامج نقل تكنولوجيا ومواعيد تشغيل.
فشحنة فيلهلمسهافن أثبتت أن الطريق البحري المباشر قابل للاستخدام، والممر الجنوبي رسم الطريق البري المستقبلي للهيدروجين، وأجندة جويلية وضعت الإطار السياسي، بينما فتحت المائدة المستديرة الباب أمام الشركات.
أما الخطوة الحاسمة، فتتمثل في جمع هذه المسارات داخل مشروعات تنتج أصولًا مشتركة على الأرض الجزائرية. وعندها فقط تنتقل العلاقة من مبادلة الغاز بالمعدات إلى شراكة صناعية وطاقوية طويلة الأمد، وتثبت ألمانيا أنها لم تعد تكتشف موارد الجزائر وحدها، بل تعيد اكتشاف موقعها باعتبارها أقرب قاعدة إفريقية قادرة على خدمة أمن الطاقة والصناعة الأوروبيين.
















