بوابة الجزائر الإخبارية: 1,031 تيراواط/ساعة من الغاز استوردتها ألمانيا خلال 2025، مقابل إنتاج محلي لم يتجاوز 34 تيراواط/ساعة؛ وهي فجوة ضخمة تفتح أمام الجزائر فرصة للانتقال من مورد يتركز حضوره في جنوب أوروبا إلى شريك طاقوي مباشر لأكبر قاعدة صناعية في القارة.

ويبدأ هذا التحول عمليًا في 1 جانفي 2027، موعد دخول العقد الجديد بين سوناطراك ومجموعة الطاقة الألمانية «VNG» حيز التنفيذ، بما يسمح برفع كميات الغاز الجزائري الموجهة إلى السوق الألمانية وتنويع مصادر إمداد برلين بالتزامن مع تقليص اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي.
ولم يعد وصول الغاز الجزائري إلى ألمانيا مرتبطًا بمسار واحد؛ إذ باتت سوناطراك تمتلك خيار التسويق عبر شبكات الأنابيب الأوروبية، إلى جانب التصدير المباشر للغاز الطبيعي المسال نحو المحطات الألمانية، بعدما سجلت أول عملية من نوعها مطلع جويلية 2026.
ألمانيا تبحث عن الغاز المستقر للصناعة
تكشف بيانات الوكالة الفيدرالية الألمانية للشبكات أن استهلاك ألمانيا من الغاز بلغ 864 تيراواط/ساعة خلال 2025، بزيادة سنوية قدرها 2.2%. واستحوذت الصناعة وحدها على 60% من الاستهلاك، بينما توزعت النسبة المتبقية على المنازل والأنشطة التجارية.
وتجعل هذه التركيبة الغاز عنصرًا مباشرًا في كلفة إنتاج الصناعات الألمانية، خصوصًا الكيمياء والمعادن والزجاج والأسمدة والورق والصناعات التحويلية. لذلك، لا يتعلق البحث عن موردين جدد بتغطية الاستهلاك المنزلي فقط، وإنما بحماية القدرة التنافسية للمصانع من اضطرابات الأسعار والإمدادات.
واستقبلت محطات الغاز الطبيعي المسال الألمانية 106 تيراواط/ساعة خلال 2025، ما يعادل 10.3% من إجمالي الواردات. ويؤكد ذلك توسع برلين في بناء منظومة استيراد أكثر مرونة تجمع بين الأنابيب والمحطات البحرية والعقود متوسطة وطويلة الأجل.
ضمن هذه المعادلة، يأتي العقد الجزائري ليضيف مصدرًا قريبًا من أوروبا، مدعومًا بمنشآت إنتاج وتسييل وشبكات تصدير قائمة، في وقت تحتاج فيه ألمانيا إلى تقليص تعرضها للموردين البعيدين وتقلبات السوق الفورية.
عقد برلين ينقل العلاقة من التجربة إلى التوسع
وقّع العقد في برلين يوم 16 جويلية 2026 الرئيس المدير العام لسوناطراك، نور الدين داودي، ورئيس مجلس إدارة «VNG»، أولف هايتمايلر، خلال الزيارة الرسمية للرئيس عبد المجيد تبون إلى ألمانيا.
وجرت مراسم التوقيع بإشراف وزير الدولة وزير المحروقات، محمد عرقاب، وكاتب الدولة بوزارة الاقتصاد والطاقة الألمانية، فرانك فيتزل، وبحضور كاتب الدولة بوزارة البيئة والمناخ وحماية الطبيعة والسلامة النووية، يوخن فلاسبارت.
ويأتي الاتفاق بعد نحو عامين ونصف من العقد الأول الموقع في الجزائر يوم 8 فيفري 2024، والذي جعل «VNG» أول شركة ألمانية تقتني الغاز الجزائري المنقول عبر الأنابيب.
وبذلك تنتقل العلاقة التجارية من مرحلة اختبار دخول الغاز الجزائري إلى محفظة المجموعة الألمانية، إلى مرحلة رفع الإمدادات وتثبيت التعاون ابتداءً من 2027.
وأكدت «VNG» أن الاتفاق يمدد علاقة التوريد القائمة ويساهم في تنويع مصادر الغاز الموجهة إلى ألمانيا وأوروبا. وقال هايتمايلر إن بناء محفظة شراء مرنة ومتنوعة أصبح ضروريًا لمواجهة التحولات الجيوسياسية والتنظيمية وضمان احتياجات العملاء على المدى الطويل.
ولم تعلن الشركتان حجم الكميات الإضافية أو مدة الالتزام والأسعار وصيغة التسليم، ما يمنع في المرحلة الحالية من احتساب قيمة العقد أو العائدات الإضافية المتوقعة لسوناطراك.
بوابتان أمام سوناطراك إلى السوق الألمانية
تكتسب الصفقة أهمية أكبر بعد نجاح سوناطراك في فتح مسار بحري مباشر نحو ألمانيا. ففي 2 جويلية 2026، سلمت الشركة أول شحنة جزائرية من الغاز الطبيعي المسال إلى المحطة العائمة لإعادة التغويز «فيلهلمسهافن 1».
وانطلقت الشحنة من مركب «GL2Z» لتسييل الغاز في بطيوة على متن الناقلة «تسالة» التابعة لسوناطراك، في عملية استهدفت اختبار وتوسيع حضور الشركة داخل الأسواق الأوروبية ذات الطلب المرتفع.
ويعني ذلك أن تنفيذ العقد الجديد يمكن أن يستند إلى خيارين: إيصال الغاز عبر الأنابيب الجزائرية المرتبطة بالشبكات الأوروبية، أو نقل الغاز الطبيعي المسال مباشرة إلى المحطات الألمانية.
ولم تحدد سوناطراك و«VNG» بعد المسار المعتمد للعقد. غير أن توافر الخيارين يمنح الجانب الجزائري مرونة في التوريد، ويسمح بتوجيه الكميات وفق الأسعار والطلب وقدرات الاستقبال وظروف السوق.
«VNG» تمنح الغاز الجزائري وصولًا إلى العملاء الصناعيين
لا تقتصر أهمية الشريك الألماني على شراء الكميات، إذ تنشط «VNG» في استيراد الغاز وتجارته ونقله وتخزينه، وتضم أكثر من 20 شركة تخدم المؤسسات الصناعية وشركات الخدمات البلدية والموزعين في ألمانيا ودول أوروبية مجاورة.
وسجلت المجموعة رقم أعمال يقارب 18 مليار يورو خلال 2025، مقارنة بنحو 16 مليار يورو في 2024. وبلغ ربحها التشغيلي المعدل قبل الفوائد والضرائب والإهلاك 422 مليون يورو، بينما وصلت استثماراتها إلى 244 مليون يورو، وتركزت خصوصًا في البنية التحتية والغاز الحيوي والهيدروجين.
وتتيح هذه الشبكة لسوناطراك الوصول إلى قاعدة متنوعة من المستهلكين، بدل حصر العلاقة في بيع شحنات منفردة. كما تمنح الجزائر موطئ قدم تجاريًا داخل وسط أوروبا، بعد عقود من تمركز صادراتها الأساسية في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا ودول المتوسط.
وأكد محمد عرقاب أن العقد يثبت مكانة الجزائر باعتبارها موردًا آمنًا وموثوقًا للطاقة، داعيًا إلى استغلاله لبناء برنامج تعاون يشمل الإنتاج والتسويق والاستثمارات وخلق القيمة المضافة.
موعد جزائري يتقاطع مع خروج الغاز الروسي
يبدأ رفع الإمدادات الجزائرية في توقيت حساس بالنسبة إلى السوق الأوروبية. فقد اتفق مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي على وقف عقود الغاز الطبيعي المسال الروسي طويلة الأجل ابتداءً من 1 جانفي 2027.
ومن المقرر كذلك وقف عقود غاز الأنابيب الروسية طويلة الأجل بحلول نهاية سبتمبر 2027، مع إمكانية امتداد المهلة إلى مطلع نوفمبر في بعض الحالات.
ويضع هذا الجدول الجزائر ضمن الموردين القادرين على المنافسة على جزء من الكميات التي ستبحث أوروبا عن تعويضها. وتعتمد قدرة سوناطراك على الاستفادة من هذه الفرصة على توافر إنتاج إضافي، وشروط الأسعار، وقدرات النقل والتسييل، والعقود التي يمكن إبرامها مع شركات أوروبية أخرى.
ووصف فرانك فيتزل الجزائر بأنها ثاني أكبر مورد للاتحاد الأوروبي من الغاز المنقول عبر الأنابيب وشريك موثوق لألمانيا، معتبرًا أن الاتفاق مع سوناطراك يرفع مرونة منظومة الإمداد ويوسع قائمة الدول الموردة.
الغاز يمول انتقالًا نحو الهيدروجين
تتجاوز استراتيجية التعاون بين سوناطراك و«VNG» مبيعات الغاز التقليدي. فالشركتان تعملان على دراسة سلسلة متكاملة لإنتاج الهيدروجين الأخضر في الجزائر ونقله إلى أوروبا، خصوصًا السوق الألمانية.
وبدأ هذا المسار بمذكرة تفاهم سنة 2022، قبل تجديدها وتوسيع نطاقها في 19 جوان 2026 لتشمل حلول الإنتاج والنقل، والجوانب التقنية والاقتصادية والتنظيمية، وإمكان تحويل أجزاء من البنية التحتية الغازية الجزائرية مستقبلًا لاستقبال الهيدروجين.
كما تشارك المؤسستان في «تحالف الهيدروجين من الجزائر إلى أوروبا» ومشروع «ممر الهيدروجين الجنوبي»، الذي يستهدف ربط الجزائر بألمانيا عبر تونس وإيطاليا والنمسا.
وتكمن المصلحة الجزائرية في استخدام عائدات الغاز والبنية التحتية القائمة لبناء نشاط تصديري جديد، بدل مواجهة تراجع الطلب الأوروبي على الوقود الأحفوري من دون بديل اقتصادي.
قواعد الميثان تدخل حسابات العقود
يشمل التعاون أيضًا قياس انبعاثات الميثان وخفضها على امتداد سلسلة إنتاج الغاز ونقله. وأصبح هذا الملف عاملًا تجاريًا مؤثرًا بعد اعتماد الاتحاد الأوروبي متطلبات أكثر صرامة بشأن انبعاثات الطاقة المستوردة.
ويمكن للشراكة مع «VNG» أن تساعد سوناطراك على تحسين أنظمة الرصد والتوثيق، وتطوير تقنيات كشف التسربات، والاستعداد للقواعد الأوروبية التي ستؤثر مستقبلًا في اختيار الموردين وشروط دخول الغاز إلى السوق.
وقال يوخن فلاسبارت إن العقد يجمع بين أمن الإمدادات والأهداف المناخية، ويؤكد الحاجة إلى شراكات دولية طويلة الأجل لتحقيق تحول طاقوي مستدام.
وبذلك، يمثل عقد 2027 أكثر من زيادة غير معلنة الحجم في صادرات الغاز. فهو يمنح سوناطراك منفذًا إلى قلب الصناعة الألمانية، ويدعم تنويع الزبائن، ويختبر التصدير المباشر للغاز المسال، ويفتح مسارًا للاستثمار في الهيدروجين وخفض الميثان. أما الأثر المالي النهائي، فسيظل مرتبطًا بالكميات والأسعار ومدة التوريد، وهي عناصر لم تكشفها الشركتان حتى الآن














