بوابة الجزائر الإفريقية: 31 اتفاقية ومذكرة تفاهم و35 مليار متر مكعب من الغاز تلخصان التحول الذي تشهده علاقات الجزائر بأوروبا. فالنتائج الاقتصادية لزيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى ألمانيا، يومي 16 و17 جويلية 2026، أظهرت انتقال التعاون من شراء الطاقة إلى بناء شراكات تشمل الصناعة والنقل والهيدروجين والمعادن والبطاريات والصيدلة.

واعتمدت الجزائر وألمانيا إعلانًا مشتركًا يؤسس لأجندة استراتيجية ثنائية، بالتزامن مع توقيع اتفاقيات بين شركات البلدين في صناعة السيارات والسكك الحديدية والطاقات المتجددة والمعدات الطبية والتكنولوجيا الحيوية. ويعكس هذا المسار حاجة الاقتصاد الأوروبي إلى مورد قريب للطاقة، وشريك صناعي قادر على توفير قاعدة إنتاج مرتبطة بالأسواق الإفريقية والمتوسطية.
الغاز الجزائري يسد فجوة الإمدادات الأوروبية
صدّرت الجزائر نحو 35 مليار متر مكعب من الغاز إلى الاتحاد الأوروبي خلال 2025، عبر الأنابيب وشحنات الغاز الطبيعي المسال، واستحوذت على 17.4% من قيمة وارداته من الغاز الطبيعي في حالته الغازية، لتحتل المرتبة الثانية بين مورديه بعد النرويج.
وتزداد أهمية هذه الكميات مع تراجع حصة روسيا من واردات الغاز الأوروبية من 45% سنة 2021 إلى 12% خلال 2025. كما يستعد الاتحاد الأوروبي لإنهاء وارداته من الغاز الطبيعي المسال الروسي بنهاية 2026، ثم وقف الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب بحلول 30 نوفمبر 2027 على أقصى تقدير.
ويضع هذا الجدول الزمني أوروبا أمام حاجة مباشرة إلى تعويض الإمدادات الروسية بعقود طويلة الأجل مع موردين قادرين على توفير الكميات المطلوبة بانتظام. وتستفيد الجزائر في هذا المجال من شبكة أنابيب تربطها بإيطاليا وإسبانيا، إلى جانب منشآت تمييع الغاز في أرزيو وسكيكدة التي تسمح بتوجيه الشحنات نحو موانئ أوروبية مختلفة.
وتكتسب القدرة الجزائرية على الجمع بين الغاز المنقول عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال قيمة إضافية، بعدما ارتفع حجم واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز المسال بنسبة 24.4% خلال 2025. ورغم تراجع فاتورة الطاقة الأوروبية إلى 336.7 مليار يورو، بقي تأمين الإمدادات بأسعار مستقرة عاملًا حاسمًا في قدرة المصانع الأوروبية على المنافسة.
الهيدروجين يربط الجزائر بالمصانع الألمانية
تشكل الطاقة النظيفة الورقة الثانية في الشراكة الجديدة، إذ وضع الإعلان الجزائري–الألماني ممر الهيدروجين الجنوبي ضمن أولويات التعاون، باعتباره طريقًا للطاقة يمتد من الجزائر إلى ألمانيا عبر تونس وإيطاليا والنمسا.
وتراهن برلين على المشروع لتوفير جزء من احتياجات صناعاتها من الهيدروجين منخفض الانبعاثات، خاصة مصانع الحديد والصلب والكيماويات والأسمدة والنقل الثقيل. وتملك الجزائر عناصر مهمة لدعم المشروع، تشمل المساحات الواسعة والإشعاع الشمسي والبنية التحتية الغازية والقرب الجغرافي من أوروبا.
وأكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن ألمانيا ستعمل مع الجزائر وإيطاليا على دفع ممر الهيدروجين خلال الأشهر المقبلة. كما أدرج المشروع ضمن مبادرة «البوابة العالمية»، ما يفتح المجال أمام تمويلات أوروبية ودراسات تقنية لتطوير قدرات الإنتاج والنقل.
ولا تنحصر الفائدة الجزائرية في تصدير الهيدروجين. فقد تضمنت اتفاقيات برلين مشروعًا بين سوناطراك و«بوش» لتصنيع المحللات الكهربائية المستخدمة في إنتاج الهيدروجين الأخضر محليًا. ويتيح ذلك بناء سلسلة صناعية تشمل تجهيزات الطاقة الشمسية والمحللات والأمونيا ومشتقات الهيدروجين، بدل الاكتفاء بتصدير الطاقة في صورتها الأولية.
المعادن والتصنيع يعيدان تشكيل سلاسل التوريد
تبحث أوروبا كذلك عن مصادر قريبة للمعادن الحيوية والمواد المستخدمة في البطاريات والسيارات الكهربائية وتخزين الطاقة والمعدات الإلكترونية. وقد أشار ميرتس إلى ما تملكه الجزائر من موارد في الغاز والنفط والمعادن، مؤكدًا دورها في دعم أمن الطاقة الأوروبي.
وتوفر الجزائر فرصة لإقامة سلاسل قيمة أقصر، تبدأ باستخراج الموارد وتحويلها، ثم تصنيع المكونات والمنتجات النهائية محليًا. وتقلل هذه المقاربة الاعتماد الأوروبي على سلاسل التوريد البعيدة، التي أثبتت اضطرابات التجارة الدولية هشاشتها وارتفاع تكاليفها.
وتترجم اتفاقيات المنتدى الجزائري–الألماني هذا الاتجاه من خلال مشروع توطين إنتاج محركات «أوبل»، وتوسيع تصنيع البطاريات تحت ترخيص ألماني، وإنشاء خط لتجميع بطاريات تخزين الطاقة، وإنتاج المصاعد والمعدات الطبية والمكونات الإلكترونية.
كما شملت التفاهمات التعاون في التكنولوجيا الحيوية والسكك الحديدية والصناعة الميكانيكية وتحلية المياه. وتوفر هذه المشاريع للمؤسسات الألمانية قاعدة إنتاج قريبة من أوروبا ومرتبطة بالسوق الإفريقية، بينما تستفيد الجزائر من نقل التكنولوجيا والتكوين وخلق الوظائف وتطوير شبكة المناولة المحلية.
وتعتمد القيمة الحقيقية لهذه الاتفاقيات على نسب الإدماج الصناعي وحجم المكونات المنتجة في الجزائر وقدرة المصانع الجديدة على التصدير. فكلما ارتفعت نسبة التصنيع المحلي، تحولت الشراكة إلى مصدر للقيمة المضافة والعملات الأجنبية بدل بقائها مرتبطة باستيراد الآلات وتجميع المنتجات.
الجزائر بوابة تجمع أوروبا بإفريقيا
ترتبط الورقة الرابعة بالموقع الجغرافي وحجم السوق والاستقرار. فالجزائر قريبة من المراكز الصناعية الأوروبية، وتمتلك واجهة واسعة على البحر المتوسط وحدودًا مباشرة مع دول الساحل، ما يؤهلها لربط الموانئ الأوروبية بالأسواق الإفريقية.
ويدعم هذا الموقع مشاريع الطرق والسكك الحديدية والموانئ والممرات الطاقوية، كما يمنح الشركات الأوروبية إمكانية الوصول إلى أسواق جديدة في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. وتكتسب هذه الميزة أهمية أكبر مع توجه الشركات الدولية نحو تقريب قواعد الإنتاج وتقليص المخاطر اللوجستية.
وبلغت تجارة السلع بين الجزائر والاتحاد الأوروبي 43.4 مليار يورو خلال 2025، منها 26.5 مليار يورو واردات أوروبية من الجزائر و16.9 مليار يورو صادرات أوروبية إلى السوق الجزائرية. واستحوذ الاتحاد الأوروبي على 49.6% من تجارة الجزائر الخارجية، فيما بلغت الاستثمارات الأوروبية المباشرة القائمة في البلاد 14.5 مليار يورو بنهاية 2024.
وتكشف الأرقام ترابط مصالح الجانبين، لكنها تظهر أيضًا اتساع الخيارات المتاحة أمام الجزائر. فقد طورت البلاد شراكات اقتصادية مع الصين وتركيا وإيطاليا وألمانيا ودول آسيوية، ما يمنحها قدرة أكبر على التفاوض بشأن التمويل ونقل التكنولوجيا والإدماج المحلي والنفاذ إلى الأسواق.
شراكة جديدة بشروط صناعية
تحتاج أوروبا إلى الجزائر لتأمين الغاز، وبناء إمدادات الهيدروجين، وتنويع مصادر المعادن، والوصول إلى قاعدة إنتاج قريبة من إفريقيا. وفي المقابل، تحتاج الجزائر إلى التكنولوجيا والاستثمارات والتكوين والأسواق اللازمة لتسريع تنويع اقتصادها.
ويمنح تغير موازين الطاقة والصناعة الجزائر موقعًا تفاوضيًا أقوى من السابق. ويظهر هذا التحول في توجيه الاتفاقيات الجديدة نحو التصنيع المحلي ونقل الخبرة والتصدير، بدل حصر التعاون في بيع المحروقات واستيراد السلع المصنعة.
وتبقى النتيجة مرتبطة بسرعة تحويل الاتفاقيات الـ31 إلى مصانع وخطوط إنتاج واستثمارات قابلة للقياس. غير أن زيارة تبون إلى ألمانيا أكدت أن وزن الجزائر في الحسابات الأوروبية أصبح مرتبطًا بأربع أوراق متكاملة: الغاز، والهيدروجين، والمعادن والتصنيع، والموقع الاستراتيجي الرابط بين أوروبا وإفريقيا.










