بوابة الجزائر الإخبارية: 950 كيلومترًا من السكك الحديدية تربط اليوم أحد أكبر احتياطات الحديد في العالم بالشبكة الصناعية الجزائرية، فيما تستعد البلاد لاستثمار نحو 7 مليارات دولار في سلسلة فوسفات متكاملة، ويتقدم مشروع لإنتاج الزنك والرصاص في بجاية نحو استكمال ترتيبات تمويله. هذه الصورة دفعت منظمة التجارة الخارجية اليابانية «JETRO» إلى وضع الجزائر تحت المجهر، باعتبارها سوقًا تنتقل فيها الثروة المنجمية من باطن الأرض إلى مشاريع صناعية ولوجستية قابلة لإعادة تشكيل جزء من هيكل الصادرات خلال السنوات المقبلة.
وفي تقرير اقتصادي نشرته في 7 أوت 2026، لم تركز المؤسسة اليابانية على حجم الاحتياطات الجزائرية وحده، بل على ما يحدث حولها من سكك حديدية، ومحطات معالجة، ومركبات كيميائية، وأرصفة مينائية، وشراكات صناعية، واتفاقات تسويق دولية يجري إعدادها قبل وصول بعض المشاريع إلى طاقتها الكاملة.
ويضع التقرير ثلاثة أقطاب في قلب التحول الجاري: غارا جبيلات في الجنوب الغربي باحتياطات تقدر بنحو 3.5 مليارات طن من خام الحديد، وتالة حمزة–واد أميزور في بجاية بموارد تقارب 53 مليون طن من خامات الزنك والرصاص، ثم المشروع المندمج للفوسفات في شرق البلاد، القائم على قاعدة موارد تتجاوز 3 مليارات طن واستثمار يقدر بنحو 7 مليارات دولار.
والقاسم المشترك بين المشاريع الثلاثة هو أن الجزائر لم تعد تبني خطتها المنجمية على استخراج الخام وبيعه كما هو. الرهان الجديد يقوم على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد الوطني عبر المعالجة والتحويل والنقل والتصنيع، ثم تصدير منتجات أعلى قيمة.

اليابان تقرأ ما بعد المحروقات
يكتسب اهتمام JETRO بالقطاع المنجمي الجزائري دلالة اقتصادية خاصة، لأن المحروقات ما تزال تمثل قرابة 90% من صادرات البلاد، بينما لا تتجاوز حصة المنتجات الكيميائية وما يرتبط بها، ومنها الأسمدة، نحو 4.4%.
ومن هذه الفجوة تنطلق قراءة المؤسسة اليابانية للتحول المنجمي.
فالحديد والفوسفات والزنك والرصاص لا يمثل كل منها مشروعًا مستقلاً فقط، بل أدوات لتوسيع القاعدة التي تحصل منها الجزائر على الإيرادات الخارجية، وتقليص التركيز الشديد للصادرات في النفط والغاز.
ويمتد المسار إلى خامات ومواد أخرى تشمل الرخام وكربونات الكالسيوم والباريت والمنغنيز والفلسبار والكاولين والبنتونيت، إلا أن حجم المشاريع الثلاثة الكبرى يجعلها الأكثر قدرة على إحداث أثر في الإنتاج والاستثمار والنقل والتجارة الخارجية.
وتضم الجزائر حاليًا 18 منجمًا مستغلًا، بينما ينتج مركب جبل العنق للفوسفات في بئر العاتر بولاية تبسة نحو مليوني طن سنويًا.
لكن الطاقات المستهدفة في المشاريع الجديدة تنقل القطاع إلى مستوى مختلف تمامًا، سواء من حيث أحجام الخام أو قدرات التحويل أو البنية التحتية اللازمة لنقله.
غارا جبيلات.. السكة غيّرت اقتصاد المشروع
لم تكن احتياطات غارا جبيلات مجهولة، لكن المشكلة التاريخية كانت في كيفية نقل خام يوجد على بعد مئات الكيلومترات من الموانئ والمصانع.
ولهذا فإن أهم تحول اقتصادي في المشروع لم يحدث داخل المنجم فقط، وإنما على امتداد الخط الحديدي الذي أخرج الخام من عزلته الجغرافية.
وبدأت الجزائر استغلال غارا جبيلات في جويلية 2022، ثم أطلقت في ديسمبر 2023 أشغال منشأة للمعالجة الأولية.
أما الخطوة التي غيرت معادلة المشروع، فتمثلت في إنجاز خط السكة الحديدية الرابط بين المنطقة المنجمية قرب تندوف وبشار، على مسافة تقارب 950 كيلومترًا، وربطه بالشبكة الوطنية في اتجاه المنشآت الصناعية بشمال غرب البلاد.
وأنجز المشروع خلال نحو 24 شهرًا بتمويل من ميزانية الدولة، وبمشاركة مؤسسات جزائرية وشركة China Railway Construction Corporation الصينية، قبل افتتاح الخط رسميًا في 1 فيفري 2026.
وبهذا الاستثمار، انتقل غارا جبيلات من احتياطي ضخم يصعب نقله اقتصاديًا إلى منجم مرتبط مباشرة بسلسلة صناعية.

من 4 ملايين إلى 50 مليون طن
يبدأ برنامج غارا جبيلات بطاقة إنتاج مستهدفة تبلغ 4 ملايين طن سنويًا في المرحلة الأولى.
غير أن هذه الكمية ليست سوى نقطة البداية.
فوفق البرنامج الذي نقلته JETRO عن شركة «فيرال»، يرتفع الإنتاج إلى 12 مليون طن سنويًا بحلول 2030، ثم يصل في مرحلة لاحقة إلى 50 مليون طن.
وتعني هذه القفزة أن المشروع لا يمكن أن يعمل بمنطق المنجم وحده، لأن إنتاج عشرات الملايين من الأطنان يحتاج إلى نمو موازٍ في قدرات القطارات والمعالجة والتخزين والتحويل.
وهنا يظهر البعد الصناعي للمشروع.
فمجموعة «توسيالي» تخطط، بالتعاون مع مجمع «سونارام»، لإنجاز منشأة للمعالجة الأولية داخل مركبها الصناعي في وهران بطاقة أربعة ملايين طن سنويًا.
ومن المقرر إطلاق الإنجاز خلال 2026 واستكمال المنشأة في ديسمبر 2028، بعدما أنشأ الطرفان شركة مشتركة لتنفيذ المشروع.
وتشمل المنشأة وحدات لإثراء الخام، إلى جانب تجهيزات لإنتاج الجير وحمض الكبريتيك، بما يربط الحديد المستخرج بمنظومة تحويل أوسع.
وبذلك، لا ينتهي المسار الاقتصادي لخام غارا جبيلات عند محطة الشحن، بل يمتد إلى مصانع الحديد والصلب، حيث يتحول المورد المنجمي إلى مدخل لصناعة قائمة داخل الجزائر.

الحديد الجزائري يدخل سلسلة إنتاج وطنية
تغيير وجهة الخام من التصدير المباشر إلى التحويل المحلي يحمل أثرًا أكبر من مجرد رفع حجم الإنتاج.
فالخام الذي يدخل مصنعًا جزائريًا يخلق طلبًا على النقل والصيانة والطاقة والخدمات الهندسية والتجهيزات، قبل أن يتحول إلى منتجات حديدية يمكن استهلاكها محليًا أو توجيهها إلى الخارج.
وتوفر قاعدة صناعة الصلب القائمة في غرب الجزائر منفذًا صناعيًا مباشرًا للخام المستخرج من الجنوب الغربي، ما يجعل السكة الحديدية جزءًا من سلسلة القيمة وليست مجرد مشروع نقل.
وهذه الحلقة هي التي تجعل غارا جبيلات مشروعًا صناعيًا بقدر ما هو منجمي.
كما تفسر ضخامة الاستثمارات اللوجستية التي سبقت الوصول إلى الطاقة الإنتاجية القصوى، لأن رفع الإنتاج إلى 12 مليون ثم 50 مليون طن يتطلب أن تتوسع جميع حلقات السلسلة بالتوازي.
بجاية تستعد لدخول سوق الزنك والرصاص
على الساحل الشرقي، تتحرك معادلة مختلفة.
فمشروع تالة حمزة–واد أميزور يقوم على مورد أصغر حجمًا من غارا جبيلات، لكنه يمتلك ميزة جغرافية قوية تتمثل في قربه من البحر والبنية التحتية القائمة.
وتقدر موارد المشروع بنحو 53 مليون طن من الخام المحتوي على الزنك والرصاص، ويقع على بعد نحو 15 كيلومترًا من ساحل المتوسط، بالقرب من مدينة بجاية ومينائها.
وتتيح له هذه الوضعية الوصول إلى الكهرباء والمياه وشبكات النقل والمنشآت المينائية دون الحاجة إلى بناء ممر لوجستي بطول يقارب ألف كيلومتر كما حدث في غارا جبيلات.
وتتولى تطوير المشروع شركة Béjaïa Zinc & Lead المشتركة، التي تمتلك فيها Terramin Australia نسبة 49% وتتولى التشغيل، فيما تعود 48.5% للمؤسسة الوطنية للمعادن غير الحديدية والمواد النافعة «ENOF» التابعة لسونارام، و2.5% للديوان الوطني للبحث الجيولوجي والمنجمي.

مليونا طن معالجة سنويًا
تستهدف الخطة معالجة مليوني طن من الخام كل سنة.
وكانت دراسة الجدوى التفصيلية قد أنجزت في 2018، قبل تحديثها خلال 2025، حيث أعادت تأكيد الجدوى الاقتصادية ورفعت الطاقة السنوية المخطط لها من 1.32 مليون إلى مليوني طن.
كما سمح تعديل درجة القطع المستخدمة في تحديد الخام القابل للاستغلال اقتصاديًا بتوسيع حجم الموارد التي يمكن إدراجها ضمن العملية المنجمية.
وحصل المشروع على الرخصة المنجمية في 2023، ثم انتقل إلى استكمال متطلبات الأرض والبنية التحتية والتمويل.
وخلال 2024، اكتملت عملية الحصول على 234 هكتارًا من الأراضي اللازمة، إلى جانب عمليات نقل السكان المعنيين.
وفي مارس 2026، بدأت أشغال تهيئة طرق الوصول، بالتزامن مع إعداد التصاميم النهائية للمنجم تحت الأرض.
أما عقد الهندسة والتوريد والبناء، فقد أسند إلى شركة Sinosteel MECC الصينية، التي تتولى التحضير لوحدة المعالجة والتجهيزات المرتبطة بالمنجم الباطني.
البنوك الجزائرية أمام آخر حلقات التمويل
يتقدم المشروع كذلك في الجانب المالي.
ووفق JETRO، وصلت المفاوضات مع البنوك العمومية الجزائرية لتمويل تالة حمزة إلى مراحلها النهائية، ما يجعل إغلاق التمويل من أبرز الخطوات التي تسبق إطلاق الأشغال الصناعية على نطاق واسع.
ويستفيد المشروع من تحفيزات مرتبطة بتسجيله لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، تشمل إمكانية الإعفاء من الضريبة على أرباح الشركات لمدة تصل إلى سبع سنوات، إلى جانب إعفاءات من الرسم على القيمة المضافة والحقوق الجمركية خلال مرحلة الإنجاز.
كما تشارك الدولة في تمويل البنية التحتية المحيطة، بما في ذلك تطوير رصيف مينائي، وربط الموقع بالكهرباء، وتحسين شبكة الطرق.
وتكشف هذه البنية التمويلية نموذجًا يقوم على الجمع بين رأس المال الأجنبي والمساهمة الوطنية والبنوك العمومية والاستثمار الحكومي في البنية الأساسية.
الفوسفات.. المشروع الذي يجمع المنجم والمصنع والميناء
إذا كان غارا جبيلات يمثل تحدي الحجم والنقل، وتالة حمزة يمثل مشروعًا معدنيًا قريبًا من الموانئ، فإن المشروع المندمج للفوسفات يقدم النموذج الأكثر تكاملًا.
فالمشروع لا يقوم على منجم فقط، بل على منظومة تبدأ من بلاد الحدبة في تبسة، ثم تمر بالمعالجة والصناعة الكيميائية والسكك الحديدية، وتنتهي في ميناء عنابة.
وتقدر موارد الفوسفات في شرق الجزائر بأكثر من 3 مليارات طن، بينما يحتوي حقل بلاد الحدبة وحده على نحو 1.2 مليار طن قابلة للاستغلال.
ووفق التقديرات التي أوردها التقرير الياباني، تسمح هذه الموارد باستمرار النشاط لأكثر من 80 عامًا.
وتشرف «سونارام» و«سوناطراك» على المشروع، الذي يتضمن منجمًا سطحيًا ومنشآت معالجة أولية ومركبًا كيميائيًا وشبكات للنقل والربط بالميناء.

7 مليارات دولار لتحويل الفوسفات إلى أسمدة
تقدر تكلفة الاستثمار الإجمالية بنحو 7 مليارات دولار.
لكن القيمة الاقتصادية للمشروع لا تكمن في إنتاج الفوسفات الخام وحده.
فالخطة تستهدف الوصول إلى إنتاج نحو 10 ملايين طن من خام الفوسفات سنويًا، بالتوازي مع تصنيع قرابة 6 ملايين طن من الأسمدة.
وهنا تتحول المادة المنجمية إلى منتج كيميائي أعلى قيمة قبل مغادرة الجزائر.
وفي جوان 2025، أسندت سوناطراك إلى شركة «سايبم» الإيطالية أعمال دراسة الجدوى والتصميم الهندسي الأساسي FEED.
كما أشار تقرير JETRO إلى إعداد شركة ألمانية تصورًا هندسيًا آخر، على أن تتم المقارنة بين الخيارين قبل اعتماد التصميم النهائي.
وتشمل الدراسات المنجم والمصانع الكيميائية والسكك الحديدية وتطوير منشآت ميناء عنابة، بما يؤكد أن المشروع يُصمم باعتباره سلسلة واحدة، وليس مجموعة منشآت منفصلة.

مارس 2027 موعد مهم في الصناعة الكيميائية
في وادي الكبريت، تتقدم التحضيرات الخاصة بالمركب الكيميائي الذي سيعالج جزءًا من الفوسفات المستخرج.
ومن المنتظر أن يشمل إنتاج حمض الفوسفوريك وحمض الكبريتيك والأمونيا والأسمدة.
ووفق الجدول الذي أوردته JETRO، يستهدف بدء تشغيل المركب في مارس 2027.
ويمنح هذا الجزء المشروع وزنًا اقتصاديًا خاصًا، لأن تحويل الفوسفات إلى مواد كيميائية وأسمدة يرفع القيمة الناتجة عن كل طن من المورد مقارنة بتصديره خامًا.
كما يسمح للجزائر بتوسيع موقعها في سوق الأسمدة العالمية، مستفيدة من توافر الغاز الطبيعي والفوسفات والبنية الصناعية داخل البلد نفسه.
422 كيلومترًا من السكك لخدمة الفوسفات
يحتاج إنتاج 10 ملايين طن من الخام وملايين الأطنان من الأسمدة إلى شبكة نقل تتناسب مع هذه الأحجام.
ولهذا يجري تحديث ومضاعفة خط السكك الحديدية الممتد نحو 422 كيلومترًا بين ولاية تبسة وميناء عنابة.
ويخدم الخط المشروع الجديد إلى جانب المناجم والمنشآت القائمة في شرق البلاد، ومنها جبل العنق.
كما يجري في ميناء عنابة تطوير رصيف متخصص بطاقة مناولة تقارب 10 ملايين طن سنويًا للفوسفات ومشتقاته.
وتعني هذه الاستثمارات أن كلفة المشروع لا تتوقف عند الحفرة المنجمية أو المصنع، بل تشمل بناء ممر تصديري قادر على نقل ملايين الأطنان بانتظام من منطقة الإنتاج إلى البحر.

الجزائر تبحث عن المشترين قبل اكتمال المصانع
من أكثر عناصر الاستراتيجية اللافتة في تقرير JETRO أن الجزائر لم تنتظر وصول المشروع إلى طاقته الإنتاجية الكاملة حتى تبدأ البحث عن الأسواق.
فمنذ أوت 2025، وقعت شركة Pupuk Indonesia الإندونيسية وFatima Fertilizers الباكستانية مذكرات تفاهم مع سوناطراك وسونارام مرتبطة بشراء الأسمدة التي سينتجها المشروع.
وتضع JETRO الشركتين ضمن المرشحين للتحول إلى مشترين كبار للإنتاج المستقبلي.
ويقلل وجود مشترين محتملين مسبقًا من مخاطر إقامة قدرة صناعية كبيرة قبل تأمين الطلب، كما يساعد على تخطيط الإنتاج والتمويل والخدمات اللوجستية وفق أسواق محددة.
ويكشف ذلك انتقال السياسة المنجمية الجزائرية إلى مستوى جديد، حيث يسير تطوير السوق بالتوازي مع تطوير المنجم والمصنع.
آسيا تدخل معادلة صادرات الفوسفات
يرصد التقرير الياباني كذلك أهمية الأسواق الآسيوية في استراتيجية تسويق الأسمدة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع دخول آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية «CBAM» مرحلة التطبيق الفعلي خلال 2026، بما يضيف اعتبارات مرتبطة بكثافة الكربون إلى دخول بعض المنتجات، ومنها الأسمدة، إلى السوق الأوروبية.
ولا تخضع المنتجات الموجهة مباشرة إلى الأسواق الآسيوية للآلية الأوروبية نفسها، ما يمنح الجزائر خيارات أكبر في توزيع الإنتاج المستقبلي على عدة أسواق.
وبذلك لا يرتبط المشروع بسوق واحدة، بل يجري بناؤه ليكون قادرًا على توجيه الصادرات بحسب الأسعار والطلب والاشتراطات التجارية.
وهو عامل مهم في صناعة الأسمدة التي تتأثر أسعارها عالميًا بتكاليف الغاز والغذاء والأمن الزراعي وحركة التجارة الدولية.
الصين وتركيا وأستراليا وإيطاليا تدخل الخريطة
تظهر المشاريع الثلاثة كذلك قدرة الجزائر على جذب شركات مختلفة وفق طبيعة كل حلقة من حلقات الاستثمار.
في غارا جبيلات، تشارك مؤسسات صينية في البنية الحديدية، فيما ترتبط «توسيالي» التركية بمشروع معالجة الخام وتحويله.
وفي تالة حمزة، يجمع المشروع شركة Terramin الأسترالية بشركاء جزائريين، بينما تتولى Sinosteel الصينية جانبًا من الهندسة والتوريد والبناء.
وفي مشروع الفوسفات، توجد «سايبم» الإيطالية في مرحلة الدراسات الهندسية، إلى جانب اتصالات تجارية مع شركات آسيوية.
وبذلك لم تعد الشراكات الأجنبية مرتبطة باستخراج الخام فقط، بل امتدت إلى تصميم المصانع، وإنجاز السكك، وتوفير المعدات، والمعالجة، ثم شراء المنتجات النهائية.
وهذا التوزيع يسمح للجزائر باستقطاب التكنولوجيا والتمويل والخبرة دون التخلي عن وجود المؤسسات الوطنية في قلب المشاريع.
السوق اليابانية تبدأ في قراءة الفرص
لا يتوقف اهتمام JETRO عند توصيف المشاريع القائمة.
فالمؤسسة اليابانية أعلنت أن الجزء المقبل من سلسلتها حول التعدين في الجزائر سيتناول تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية وفرص الأعمال أمام الشركات الدولية، بما في ذلك المؤسسات اليابانية.
ويكتسب ذلك دلالة على أن تقدم المشاريع بدأ يحول الجزائر من بلد يمتلك موارد كبيرة إلى سوق محتملة لمعدات التعدين، والهندسة، والنقل، والمعالجة والتكنولوجيا الصناعية.
فالانتقال إلى 50 مليون طن من الحديد، و10 ملايين طن من الفوسفات، ومليوني طن من معالجة خام الزنك والرصاص يحتاج إلى استثمارات مستمرة في المعدات والآلات والصيانة والأتمتة والطاقة والخدمات.
ومن هنا تبدأ أهمية التحول المنجمي في تجاوز قيمة الخام نفسه إلى سوق أوسع تنشأ حوله.
قيادة الرئيس تبون تعيد ترتيب الخريطة المنجمية

يندرج هذا المسار ضمن التوجه الاقتصادي الذي يقوده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لإعادة وضع المناجم في قلب سياسة التنويع، بعد عقود بقيت خلالها موارد كبرى خارج الاستغلال الصناعي واسع النطاق أو محدودة الأثر في الصادرات.
وتقوم الرؤية الجديدة على معالجة العائق الذي يمنع كل مورد من التحول إلى قيمة.
في غارا جبيلات كان العائق الرئيسي هو النقل، فجاء الخط الحديدي.
وفي الفوسفات يتم بناء المنجم والمركب الكيميائي والسكة والميناء في وقت متقارب.
وفي تالة حمزة، تركز المرحلة الحالية على استكمال التمويل والبنية المحيطة للوصول إلى الإنتاج الصناعي.
ويجعل هذا المنهج الاستثمار في المنجم جزءًا من سياسة صناعية متكاملة، بدل التعامل معه كموقع لاستخراج الخام فقط.
من باطن الأرض إلى فاتورة الصادرات
تصل المشاريع الثلاثة إلى نقطة واحدة تتمثل في إعادة تشكيل جزء من صادرات الجزائر.
فغارا جبيلات يتجه إلى تغذية صناعة الحديد الوطنية عبر إنتاج يبدأ بأربعة ملايين طن ويرتفع إلى 12 مليونًا في 2030 ثم 50 مليونًا في مرحلة لاحقة.
وتالة حمزة يقترب من إطلاق مرحلة صناعية لمعالجة مليوني طن من الخام سنويًا في قطاع الزنك والرصاص.
أما مشروع الفوسفات، فيستهدف إنتاج 10 ملايين طن من الخام وتحويل جزء منه إلى ستة ملايين طن من الأسمدة سنويًا باستثمار يقارب 7 مليارات دولار.
وتتحرك البنية التحتية بالتوازي مع هذه الأرقام، من 950 كيلومترًا من السكك في الجنوب الغربي إلى 422 كيلومترًا في الشرق، وصولًا إلى تطوير رصيف متخصص في ميناء عنابة بطاقة تقارب 10 ملايين طن سنويًا.
وهذا الترابط هو العنصر الذي التقطته القراءة اليابانية للتحول الجزائري.
فالجزائر لم تعد تراهن فقط على حجم ما يوجد تحت الأرض، وإنما على مقدار القيمة التي تستطيع الاحتفاظ بها فوق الأرض قبل أن يغادر المنتج حدودها.
وإذا نجحت المشاريع في بلوغ الطاقات المعلنة، فإن أثرها لن يظهر فقط في أرقام التعدين، بل في الصناعة والنقل والموانئ والاستثمار الأجنبي والتشغيل والصادرات خارج المحروقات.
ولهذا يكتسب تقرير JETRO أهميته؛ فهو لا يقدم جردًا لثروات الجزائر، بل يرصد بناء اقتصاد منجمي جديد يجمع المنجم بالمصنع والسكة والميناء والسوق، ويضع الحديد والفوسفات والزنك والرصاص ضمن الأدوات التي تراهن عليها الجزائر، بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، لتوسيع قاعدة الإنتاج والإيرادات خارج النفط والغاز.






































