بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد الجزائر تدخل المفاوضات الاقتصادية الدولية من موقع السوق التي تبحث عن التمويل وحده، بل من موقع دولة تملك في 2026 موازنة تقارب 135 مليار دولار، ومشاريع عمومية قيد الإنجاز بنحو 50 مليار دولار، واحتياطات صرف تناهز 72 مليار دولار، بالتوازي مع توسع مشاريع السكك الحديدية والطاقة وتحلية المياه والمناجم والصناعة.

هذه الكتلة المالية والاستثمارية أعادت صياغة جاذبية الاقتصاد الجزائري ورفعت في الوقت نفسه قيمة ما تستطيع البلاد طلبه مقابل فتح قطاعاتها أمام الشركاء: تمويل أقل كلفة، نقل للتكنولوجيا، نسب إدماج أكبر، توطين للصناعة، تكوين للكفاءات ووصول أفضل للمنتجات الجزائرية إلى الأسواق الخارجية.
ويظهر التحول بوضوح عند العودة خمس سنوات فقط إلى الوراء. فالدراسة التي نشرتها مبادرة الإصلاح العربي في جانفي 2026 تضع الموازنة عند نحو 65 مليار دولار في 2021، مقابل 135 مليارًا اليوم، أي زيادة اسمية بنحو 70 مليار دولار أو قرابة 108 بالمائة. لكن الرقم الأهم اقتصاديًا لا يتعلق بحجم الإنفاق وحده، وإنما بطبيعة الأصول التي تُبنى به. فالجزائر تموّل في الوقت نفسه شبكات سكك حديدية جديدة، ومشاريع مائية كبرى، وبنية طاقوية وصناعية ومنجمية، وهي استثمارات تتجه في جانب معتبر منها إلى رفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد وليس فقط تغطية النفقات الجارية.
ومن هنا تتغير زاوية قراءة الموازنة الجزائرية. فالسؤال لم يعد كم تنفق الدولة، بل كم من هذا الإنفاق سيتحول إلى أطنان إضافية من الحديد والفوسفات، وكيلومترات من السكك، ومياه محلاة، وقدرات صناعية، وصادرات ووظائف. هذه هي الحلقة التي ستحدد القيمة النهائية للطفرة الاستثمارية الحالية، خصوصًا بعد أن سجل القطاع الصناعي العمومي نموًا يقارب 4 بالمائة خلال 2024، في مؤشر أولي على استعادة الصناعة موقعًا أكبر داخل النشاط الاقتصادي.

من حماية العملة الصعبة إلى بناء قدرة إنتاجية
التحول الحالي لم يبدأ مع موازنة 2026، بل تشكل تدريجيًا منذ الصدمة النفطية في 2014، عندما وجدت الجزائر نفسها أمام ضرورة إعادة النظر في نموذج كان يسمح بتغطية جزء كبير من الطلب الداخلي بواسطة الاستيراد. ومنذ 2015 اتجهت السياسة التجارية نحو تقليص عدد من الواردات الاستهلاكية والصناعية، ثم توسعت لاحقًا قاعدة إحلال المنتج الوطني محل السلعة الأجنبية كلما توفرت قدرة محلية على الإنتاج.
والنتيجة تظهر اليوم في جزء من المؤشرات الخارجية. فقد تراجعت فاتورة الاستيراد، وفق الأرقام التي اعتمدتها الدراسة، إلى نحو 40 مليار دولار، بينما استعادت احتياطات الصرف مستوى يقارب 72 مليار دولار بحلول 2024. وبذلك ربحت الجزائر هامشًا ماليًا يسمح لها بتمويل مشاريع أكبر والحفاظ في الوقت نفسه على حاجز حماية أمام الصدمات الخارجية.
غير أن السياسة نفسها كشفت عن جوانب تحتاج إلى المعالجة، بينها نقص بعض المنتجات في مراحل معينة، ونمو قنوات استيراد غير رسمية، واتساع جزء من التجارة الموازية. والأهم من ذلك أن الاقتصاد غير الرسمي ما يزال يمثل، وفق تقديرات الدراسة، نحو ربع الناتج الداخلي الإجمالي بمعاملات تقترب من 60 مليار دولار.
وهذا الرقم لا يمثل مشكلة فقط، بل احتياطيًا اقتصاديًا ضخمًا إذا نجحت الدولة في إدخاله تدريجيًا إلى القنوات المصرفية والرسمية. فالجزء الذي ينتقل من السيولة خارج البنوك إلى الحسابات والتمويل المنظم يمكن أن يتحول إلى ودائع وقروض واستثمارات وإيرادات جبائية، بما يسمح بتمويل جزء أكبر من التحول الاقتصادي من الداخل بدل الاعتماد المتزايد على الخزينة وحدها.
وتزداد أهمية ذلك في ظل ارتفاع العجز المالي. فالدراسة تضع عجز موازنة 2025 عند نحو 61 مليار دولار، أي قرابة 21 بالمائة من ناتج داخلي إجمالي قدر بنحو 278 مليار دولار، مع توقع ارتفاع حجم الاقتصاد إلى قرابة 308 مليارات دولار في 2027. وإذا تحقق هذا المسار، سيكون الاقتصاد قد أضاف نحو 30 مليار دولار إلى حجمه الاسمي في عامين، لكن الحفاظ على هذا التوسع يتطلب أن تتحول المشاريع الكبيرة سريعًا إلى أصول منتجة وعائدات إضافية.
ولهذا يصبح إشراك القطاع الخاص والشراكة بين القطاعين العام والخاص أحد المسارات التي يمكن أن تخفف الضغط على التمويل العمومي. فليس من الضروري أن تمول الدولة كل طريق أو مصنع أو منشأة لوجستية من الخزينة مباشرة إذا أمكن توزيع التمويل والمخاطر والعائد على مستثمرين قادرين على تنفيذ المشروع وتشغيله ضمن قواعد تحفظ المصلحة الوطنية.

الجزائر تكبر.. والشركاء يعيدون حساباتهم
كلما توسعت المشاريع الجزائرية، ازدادت أهمية السؤال المتعلق بمن سينفذها وبأي شروط. وهنا بدأ التغيير الأوضح في العلاقات الاقتصادية الخارجية.
فالجزائر لم تعد تبني علاقتها الدولية حول شريك وحيد. تركيا وسعت استثماراتها ومصالحها إلى نحو 6 مليارات دولار في النسيج والمناجم والزراعة والكيمياء والصيدلة، فيما تمثل المنتجات التركية نحو 7 بالمائة من الواردات الجزائرية.
وقطر دخلت بدورها إلى مشروع الحليب المتكامل بقيمة 3.5 مليارات دولار، وهو استثمار يستهدف إقامة سلسلة زراعية وصناعية في الجنوب بدل استمرار الاعتماد الكبير على استيراد مسحوق الحليب.
هذه المشاريع توضح التحول الذي تريد الجزائر تعميمه في علاقاتها الخارجية: رأس المال الأجنبي يكون أكثر قيمة عندما يبني إنتاجًا داخل البلاد، ويخفض الواردات، ويشغل اليد العاملة وينقل المعرفة، بدل أن تتحول السوق الجزائرية إلى منفذ للمنتج النهائي فقط.
وهذا المنطق نفسه أصبح حاضرًا بقوة في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
فبعد أكثر من عقدين على توقيع اتفاق الشراكة، دخل الملف مرحلة مراجعة، بعدما بدأت المناقشات غير الرسمية في 2022 ثم وافقت بروكسل في مطلع 2025 على فتح مسار المراجعة. الموقف الجزائري يقوم على إعادة التوازن إلى علاقة ظل فيها الاتحاد الأوروبي يستفيد من سوق جزائرية كبيرة بينما بقيت مكاسب الجزائر في الاستثمار الصناعي ونقل التكنولوجيا والصادرات خارج المحروقات دون المستوى المأمول.

وكان وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف قد اعتبر أن صيغة الاتفاق السابقة عرقلت تطور الاقتصاد الجزائري ورجحت المصالح الأوروبية، وهو ما يجعل إعادة التفاوض جزءًا من تحول أوسع في السياسة الاقتصادية الخارجية: السوق الجزائرية لها ثمن اقتصادي، والوصول إليها ينبغي أن يقابله استثمار وإنتاج وتكنولوجيا وقيمة مضافة داخل الجزائر.
وقد عززت أزمة الطاقة الأوروبية بعد 2022 هذا الموقع التفاوضي. فمع بحث أوروبا عن بدائل للإمدادات الروسية، ارتفعت أهمية الجزائر باعتبارها مصدرًا قريبًا للغاز يمتلك أنابيب قائمة وبنية تصدير مرتبطة مباشرة بالضفة الشمالية للمتوسط. وسمح ذلك بإعادة تقديم الجزائر داخل الحسابات الأوروبية كدولة تتجاوز صفتها كمورد تقليدي للطاقة إلى شريك يمكن أن يجمع الغاز والاستثمار في الإنتاج والتحول الطاقوي وتقليص انبعاثات الميثان.
وفي الجهة الأخرى من الأطلسي، يتزايد الاهتمام الأمريكي بدوره. فعلاقة الجزائر بالولايات المتحدة تتوسع في الطاقة والزراعة والدفاع، مع عودة أسماء بحجم إكسون موبيل وشيفرون إلى دراسة فرص الاستثمار في المحروقات الجزائرية. كما سبق للسفير الجزائري في واشنطن صبري بوقدوم أن تحدث عن رغبة الجزائر في توسيع العلاقات التجارية والدفاعية والتعامل مع القطاع الخاص الأمريكي، في إطار سياسة تنويع الشركاء من دون التخلي عن استقلالية القرار.
هذه النقطة تحديدًا تمنح الجزائر هامشًا تفاوضيًا نادرًا. فهي تستطيع التفاوض مع الولايات المتحدة في الطاقة والتكنولوجيا، ومع أوروبا في الغاز والصناعة، ومع الصين في البنية التحتية والتصنيع، ومع تركيا وقطر وشركاء آخرين في مشاريع إنتاجية، من دون أن تضطر إلى بناء تحولها الاقتصادي حول محور واحد.
الصين تتقدم.. لكن الجزائر لا تمنح السوق بلا مقابل
ويصبح هذا التوازن أكثر أهمية عند النظر إلى تقرير «إفريقيا في العالم 2043» الصادر عن معهد الدراسات الأمنية الإفريقي، الذي وضع الجزائر ضمن 11 اقتصادًا إفريقيًا رئيسيًا يرتفع فيها النفوذ الصيني بصورة متواصلة. وتضم المجموعة إلى جانب الجزائر نيجيريا ومصر وجنوب إفريقيا والمغرب وإثيوبيا وكينيا وغانا وكوت ديفوار وتنزانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
لكن «النفوذ» في منهجية التقرير لا يعني الاستثمار المباشر وحده. فهو يجمع التجارة والعقود والتمويل والبنية التحتية والعلاقات الدبلوماسية والقدرة على التأثير، ولذلك يمكن أن ترتفع حصة الصين في الاقتصاد الجزائري من خلال تنفيذ مشاريع ضخمة ممولة جزائريًا حتى عندما تبقى قيمة استثماراتها المباشرة أقل من الطموحات المعلنة.
وهذا التمييز مهم جدًا بالنسبة إلى الجزائر.
فأن تمول الصين مشروعًا من رأسمالها وتتحمل مخاطره وتوطن إنتاجًا داخل البلاد يختلف عن حصول شركة صينية على عقد لإنجاز مشروع تدفع الجزائر تكلفته. كلاهما يخلق نشاطًا، لكن الأثر طويل الأجل على الاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا والمخاطر المالية ليس واحدًا.

ولهذا تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة أقل بعدد العقود وأكثر بنوعية شروطها. فالجزائر التي تملك برنامجًا استثماريًا بهذا الحجم تستطيع استخدام المنافسة بين الشركات والدول لرفع نسب الإدماج المحلي، وإلزام المشاريع بالتكوين، وتوطين بعض الصناعات، وزيادة حصة المؤسسات الجزائرية في المناولة.
ويشير تقرير المعهد إلى أن إعادة توزيع النفوذ لا تقتصر على الصين. فقد تراجع النفوذ البريطاني بدرجة لافتة في الاقتصادات الإفريقية التي درسها، بينما ارتفع الحضور الإماراتي بفعل التجارة والانخراط الدبلوماسي ونقل الأسلحة. أما روسيا، فعلى الرغم من توسع حضورها الأمني في عدد من دول القارة، ما تزال قدرتها الاقتصادية أكثر محدودية من الصين والغرب.
ويذهب التقرير أبعد من ذلك عندما يتوقع أن تتجاوز القدرات الصينية نظيرتها الأمريكية في 26 سيناريو من أصل 29 قبل 2060، مع تمركز عدد كبير من سيناريوهات انتقال القوة في بداية الأربعينيات. وبينما تمثل الصين والولايات المتحدة مجتمعتين نحو 43 بالمائة من الاقتصاد العالمي، تصبح الاقتصادات الإفريقية الكبرى ساحات طبيعية للتنافس على الطاقة والمعادن والبنية التحتية والأسواق.
بالنسبة إلى الجزائر، هذه المنافسة ليست تهديدًا بالضرورة. يمكن أن تتحول إلى أصل اقتصادي إذا أدارتها الدولة بصرامة، لأن تعدد العروض يمنحها القدرة على المفاضلة بين التمويل والتكنولوجيا والكلفة ونسبة الإدماج وشروط التصدير.
والجزائر تملك هنا أوراقًا يصعب تجاهلها: مساحة قارية، احتياطيات طاقوية، موارد حديد وفوسفات ومعادن، سوق داخلية كبيرة، بنية تحتية تتوسع، موقع ملاصق لأوروبا وعمق مباشر نحو الساحل وإفريقيا.
كل ذلك يجعل الشريك الأجنبي بحاجة إلى الجزائر بقدر أكبر مما كان عليه قبل سنوات، ويمنح السلطات إمكانية رفع سقف شروطها.
مليار دولار للشركات الناشئة.. والرهان على ما بعد المشاريع العملاقة
لكن بناء اقتصاد أكبر لا يمكن أن يعتمد على الشركات العمومية والمشاريع السيادية وحدها.
فالمعطيات التي أوردتها مبادرة الإصلاح العربي تشير إلى انتقال عدد المؤسسات الناشئة من نحو 200 مؤسسة في 2019 إلى قرابة 700 في 2024، أي نمو بنحو 250 بالمائة، مع تمويلات تقترب من مليار دولار عبر مراحل مختلفة.
والرقم مهم، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التمويل. فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى شركات تحمل صفة «ناشئة»، وإنما إلى مؤسسات تستطيع بيع منتجاتها، والفوز بعقود، والتصدير، والنمو إلى شركات متوسطة ثم كبيرة.
ولهذا تظل البيروقراطية وسرعة دراسة الملفات وإتاحة التمويل والطلب العمومي من أكثر الملفات حساسية. وقد سبق لرئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري كمال مولى أن أشار إلى استمرار تأثير الإجراءات البيروقراطية على الاستثمار رغم الإصلاحات.

كما يبقى ملف الكفاءات عنصرًا آخر في معادلة التحول. وتنقل الدراسة تقديرًا يصل إلى نحو 500 ألف طبيب ومهندس وباحث وعالم غادروا الجزائر، وتطرح تقديرًا بحثيًا لكلفة تراكمية لهجرة الأدمغة بنحو 465 مليار دولار. وهذا الرقم الأخير لا يمثل خسارة نقدية مثبتة في الحسابات الوطنية، لكنه يعطي فكرة عن حجم القيمة التي يمكن أن تخسرها أي دولة عندما تمول التعليم والتكوين ثم تنتقل الكفاءات إلى اقتصادات أخرى.
ولهذا فإن أكبر استثمار يمكن أن تحققه الجزائر لا يقتصر على السكك أو المصانع أو الموانئ، بل يشمل خلق اقتصاد يجعل المهندس والطبيب والباحث والمقاول يجد داخل البلاد سوقًا وفرصة ودخلًا ومسارًا مهنيًا قادرًا على المنافسة.
واشنطن تفتح ملف الشفافية.. والجزائر أمام تحدي جودة الإنفاق
وسط هذه الصورة الإيجابية، يبقى أحد الملفات التي يمكن أن ترفع قوة الموقع الجزائري أكثر مرتبطًا بالشفافية المالية وجودة البيانات.
ففي تقرير الشفافية المالية لسنة 2026 الصادر في 11 أوت، راجعت وزارة الخارجية الأمريكية أداء 140 حكومة وجهة خلال 2025، واعتبرت أن 73 منها استوفت الحد الأدنى لمتطلباتها، مقابل 67 لم تستوفه. وصُنفت الجزائر ضمن المجموعة الثانية، ومن دون تسجيل «تقدم ملحوظ» وفق المنهجية الأمريكية خلال فترة التقييم.
لكن من الخطأ تحويل هذه النتيجة إلى «تصنيف فساد».
فالتقرير يقيس نشر الميزانيات والديون والرقابة على الأموال العمومية واستقلال أجهزة التدقيق والمشتريات وعقود استخراج الموارد، ولا يقول إن عدم استيفاء المعايير يثبت وجود فساد. كما أن الصفحة التفصيلية الخاصة بالجزائر كانت تواجه عطلًا تقنيًا عند مراجعتها، ما يمنع تحديد النقائص الجزائرية بندًا بندًا استنادًا إلى التقرير العام وحده.
ومع ذلك، فإن تحسين الإفصاح يمثل مصلحة جزائرية قبل أن يكون مطلبًا أمريكيًا.
فكلما ارتفع حجم الموازنة والاستثمار العمومي، ازدادت أهمية نشر بيانات تسمح بقياس كلفة المشروع ونسبة الإنجاز والعائد والوظائف والقيمة المضافة. وإذا كانت الجزائر تنفق عشرات المليارات على التحول الاقتصادي، فإن قوة إنجازاتها تصبح أكبر عندما تستطيع الدولة إثبات أثر كل دينار منها بأرقام واضحة.
وهذا لا يخدم الخارج فقط، بل يحسن القرار الداخلي نفسه ويزيد ثقة المستثمر الجزائري والأجنبي ويصعب إهدار الموارد أو تأخر المشاريع.

الجزائر في موقع الاختيار
عند جمع هذه المؤشرات، تظهر صورة مختلفة تمامًا عن الاقتصاد الجزائري الذي كان قبل عقد منشغلًا أساسًا بالدفاع عن احتياطاته بعد انهيار أسعار النفط.
اليوم هناك 135 مليار دولار موازنة.
هناك نحو 50 مليار دولار من المشاريع العمومية الكبرى.
هناك 72 مليار دولار من احتياطات الصرف وفق الأرقام التي اعتمدتها الدراسة.
وهناك اقتصاد قد يرتفع حجمه من 278 مليار دولار إلى نحو 308 مليارات دولار بحلول 2027.
وفي الخارج، تتنافس الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وقطر وغيرهم على قطاعات مختلفة داخل السوق نفسها.
هذا المزيج يمنح الجزائر فرصة نادرة لإعادة تعريف علاقتها برأس المال الأجنبي.

فالهدف لم يعد الحصول على الاستثمار في حد ذاته، وإنما الحصول على الاستثمار الذي يخدم الخطة الجزائرية: مشروع ينتج بدل أن يستورد، يصدر بدل أن يستهلك العملة الصعبة، يوطن التكنولوجيا بدل الاكتفاء بشرائها، ويكوّن اليد العاملة الجزائرية بدل إبقاء المعرفة خارج الحدود.
وهذه هي النقلة الحقيقية التي ستحدد قيمة المرحلة الحالية.
فإذا تحولت السكك الجديدة إلى ممرات للمعادن والصادرات، ومشاريع المناجم إلى صناعات تحويلية، واستثمارات الطاقة إلى عقود تصدير وقيمة محلية، والمشاريع الزراعية إلى إحلال للواردات، والمؤسسات الناشئة إلى شركات قابلة للنمو، فإن الإنفاق الكبير الذي تسجله الجزائر اليوم سيكون قد أعاد تشكيل القاعدة الاقتصادية لسنوات مقبلة.
أما إذا بقي جزء كبير منه مجرد تكلفة مالية، فسيصبح اتساع الموازنة عبئًا بدل أن يكون رافعة.
ولهذا تبدو المنافسة الدولية على الجزائر فرصة أكثر مما هي مجرد سباق نفوذ. فوجود عدة قوى تبحث عن موقع داخل اقتصاد واحد يمنح الجزائر القدرة على المقارنة والاختيار والتفاوض، شرط أن تستخدم السوق والموارد والموقع الجغرافي للحصول على أكبر قدر ممكن من القيمة داخل البلاد.
وهنا تكمن ميزة اللحظة الحالية: الجزائر لم تعد مضطرة إلى الاختيار بين الصين وأمريكا وأوروبا، بل تستطيع أن تجعل كل طرف يقدم ما يخدم أولوياتها، فيما يبقى القرار الاقتصادي جزائريًا والمصلحة الوطنية هي معيار الشراكة.
وبذلك لا تدخل الجزائر التحول العالمي كمتفرج على انتقال القوة بين الشرق والغرب، وإنما كاقتصاد إفريقي كبير تتقاطع عنده الطاقة والمعادن والبنية التحتية والأسواق، وتملك الدولة داخله قدرة مالية واستثمارية متزايدة. والرهان الآن هو تحويل هذه الأوراق من قوة تفاوضية إلى مصانع وصادرات وتكنولوجيا ووظائف، بحيث يصبح اتساع الاهتمام الدولي بالجزائر قيمة تُصنع داخل الاقتصاد الوطني، لا نفوذًا يُمارس عليه من الخارج.











