بوابة الجزائر الاخبارية: تعيش منطقة الساحل مرحلة مفصلية تتداخل فيها الأزمات السياسية والانقلابات والتحديات الأمنية، بالتزامن مع تحولات متسارعة في التحالفات وموازين النفوذ. وفي خضم هذا المشهد، اختارت الجزائر التحرك الهادئ ، مستندة إلى دبلوماسية يقودها الرئيس عبد المجيد تبون، تقوم على قنوات الحوار المفتوحة وتعزيز علاقات الجوار وتوسيع الشراكات الاستراتيجية.

من النيجر إلى مالي وتشاد، تكثف الجزائر حضورها السياسي والاقتصادي، وتعمل على تحويل علاقاتها مع دول المنطقة إلى شراكات استراتيجية طويلة المدى، بما يعزز الاستقرار ويفتح مسارات جديدة للتعاون والتنمية.
وبعيدا عن الضجيج والاستعراض، تتقدم الجزائر في مسار جديد لإعادة تثبيت حضورها في عمقها الإفريقي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وثقلها الدبلوماسي وعلاقاتها التاريخية مع دول الساحل .
من «إدارة الأزمة» إلى بناء الشراكة
إن أبرز أحد المؤشرات على هذا التحول يظهر في العلاقة الجزائرية-النيجرية ، فخلال فبراير 2026، أكدت الجزائر والنيجر حرصهما المشترك على تعميق علاقات الأخوة والتعاون وحسن الجوار، في إطار ديناميكية جديدة تخدم المصالح المشتركة وتكرس التكامل الإقليمي والقاري. كما أكدت المعطيات الرسمية أن هذه الديناميكية تحظى بدفع من الرئيس عبد المجيد تبون ونظيره النيجري عبد الرحمن تياني.
ولم تتوقف المسألة عند مستوى الخطاب السياسي، إذ انتقلت العلاقات إلى مسار أكثر عملية، ففي مارس الماضي ، اختتمت الدورة الثانية للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-النيجرية ببيان أكد الطابع الاستراتيجي للعلاقات الثنائية، مع التشديد على تسريع تنفيذ المشاريع الهيكلية باعتبارها دعائم للتكامل الاقتصادي.
وفي السياق نفسه، برز توجه واضح لتحويل «الديناميكية السياسية» التي أطلقها قائدا البلدين إلى نتائج اقتصادية ملموسة، حيث وصفت الجزائر والنيجر المرحلة الجديدة بأنها شراكة استراتيجية قائمة على الثقة المتبادلة والتوافق في الرؤى.
ثم جاءت زيارة وفد نيجري رفيع المستوى إلى الجزائر في ماي لتؤكد، وفق المعطيات الرسمية، رغبة الرئيس تبون في ترقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وجعل محور الجزائر-نيامي رافعة رئيسية للاستقرار والتعاون الإقليمي.
وبتكليف من الرئيس تبون، توجه الوزير الأول سيفي غريب إلى النيجر في يونيو في زيارة رسمية لتعزيز علاقات الأخوة والتعاون والشراكة بين البلدين.
هذه ليست مجرد سلسلة زيارات بروتوكولية، فالمؤشر الأهم هو أن الجزائر تحاول بناء شبكة مصالح تجعل الاستقرار الإقليمي مرتبطا أيضا بالتعاون الاقتصادي والتنمية والبنى التحتية.
النيجر.. ورقة استراتيجية في عمق الساحل
بالنسبة للجزائر، لا تمثل النيجر مجرد دولة جنوبية مجاورة، وإنما بوابة أساسية نحو عمقها الإفريقي، ومن هنا تكتسب الشراكة بين الجزائر ونيامي أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية.
فكل مشروع اقتصادي أو بنية تحتية أو تعاون في مجالات الطاقة والنقل والصحة يمكن أن يتحول، مع مرور الوقت، إلى أداة لتثبيت الاستقرار وربط شمال إفريقيا بعمق الساحل .
وقد أشاد ت وسائل الاعلام النيجيرية في يونيو الماضي ، بما وصفته بـ«دبلوماسية العمل» التي ينتهجها الرئيس تبون، مبرزة النتائج الملموسة التي تحققت في إطار تعزيز التعاون الجزائري-النيجري، خصوصا في مجالي الطاقة والنفط.
وهنا تظهر إحدى نقاط القوة في المقاربة الجزائرية المتمثلة في أن الدبلوماسية لا تتحرك منفصلة عن الاقتصاد، و أن الجزائر لا تطرح نفسها فقط كطرف يتحدث عن الأمن والاستقرار، وإنما كشريك يمكنه المساهمة في مشاريع ملموسة تمس حياة السكان وتفتح مسارات جديدة للتكامل الإقليمي.
مالي.. الجزائر تختار الحوار حتى في أصعب الظروف
أما في مالي، فالمعادلة أكثر تعقيدا ، لاسيما و أن المنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعا كبيرا في أدوار قوى دولية تقليدية، وصعود تحالف دول الساحل، واستمرار التهديدات المسلحة، فضلا عن توترات إقليمية متزايدة.
وفي أبريل 2026، عكست تصريحات لمسؤولين ماليين ونيجريين حجم الانقسامات التي تعيشها منطقة غرب إفريقيا، مع استمرار التوتر بين دول تحالف الساحل ومحيطها الإقليمي.
وفي ظل هذه البيئة، جاءت رسالة الرئيس تبون إلى مالي واضحة في مضمونها: الحوار
فخلال لقاء إعلامي دوري في ماي، أعرب الرئيس تبون عن أسفه للوضع السائد في مالي، ودعا سلطات هذا البلد إلى التحاور مع الشعب، مؤكدا في الوقت نفسه أن الجزائر تبقى بلدا شقيقا لمالي، هذه الرسالة تحمل دلالة سياسية مهمة؛ فالجزائر، رغم اختلافاتها مع بعض الخيارات السياسية في مالي، لم تغلق الباب أمام باماكو، ولم تتخل عن فكرة أن الحلول السياسية والحوار يمكن أن يفتحا الطريق أمام الاستقرار.
والأهم أن الجزائر أعادت سفيرها إلى باماكو في يوليو، بعدما أمر الرئيس تبون بعودة كمال رتيب إلى منصبه سفيرا مفوضا فوق العادة لدى مالي.
وفي قراءة سياسية أوسع، يمكن النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها إشارة إلى أن الجزائر تريد إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع مالي، حتى في ظل التعقيدات التي طبعت العلاقات بين البلدين.
فالجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وحدودها الطويلة مع منطقة الساحل، لا تستطيع التعامل مع اضطرابات المنطقة كأنها أزمة بعيدة؛ أي اهتزاز أمني جنوبا ينعكس بصورة مباشرة على أمنها القومي، ولهذا فإن الاستثمار في الاستقرار الإقليمي يصبح، في الوقت نفسه، استثمارا في الأمن القومي الجزائري.
تشاد.. توسيع الدائرة
ولا تحصر الحركة الجزائرية في النيجر ومالي ، ففي أبريل 2026 ، ترأس الرئيس تبون مع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو مراسم توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات تعاون مختلفة.
وفي ماي، وقعت الجزائر وتشاد اتفاقية في نجامينا لتسريع مشاريع البنى التحتية والمنشآت القاعدية والطريق العابر للصحراء.
فالطريق العابر للصحراء ليس مجرد مشروع نقل؛ بل يمكن أن يشكل، عند اكتماله وتجسيد مشاريعه المرتبطة به، أحد الممرات الاستراتيجية لربط شمال القارة بوسطها وغربها، وهنا تلتقي الجغرافيا بالدبلوماسية، كلما أصبحت الجزائر أكثر ارتباطا بشبكات التجارة والنقل والطاقة في إفريقيا، أصبحت قدرتها على التأثير في محيطها الإقليمي أكبر.
«قوة استقرار».. عقيدة الرئيس تبون
الرئيس تبون نفسه أعاد التأكيد في فبراير على إرادة الجزائر في أن تظل «قوة استقرار»، مستندا إلى علاقاتها الجيدة مع دول الجوار، وأعلن في ذلك السياق توجيه دعوة رسمية إلى الرئيس النيجري لزيارة الجزائر.
وفي مايو، جدد الرئيس تبون مع الرئيس الأنغولي جواو لورينسو التمسك بتعزيز السلام والاستقرار في إفريقيا، ضمن مقاربة إفريقية تقوم على الحلول السلمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وهذه العبارات ليست منفصلة عن التحرك الميداني ، فحين تقول الجزائر إنها تريد أن تكون قوة استقرار، فإنها تترجم ذلك عبر إبقاء سفاراتها وقنواتها الدبلوماسية مفتوحة، وتكثيف الزيارات واللجان المشتركة، ودفع المشاريع الاقتصادية، والدعوة إلى الحوار.
وفي الساحل، يبدو أن الجزائر تعمل تحديدا على هذا الهدف: أن تكون حاضرة عندما يعاد رسم التوازنات، وأن تدخل إلى مرحلة إعادة البناء وهي تملك أوراقا سياسية واقتصادية وجغرافية حقيقية.
وبذلك، فإن ما يجري قد لا يكون مجرد تحرك دبلوماسي ظرفي، بل إعادة تموضع تدريجية للجزائر في فضائها الإفريقي، يقودها الرئيس تبون بهدوء، بينما تعيد عواصم الساحل ترتيب حساباتها على وقع تحولات إقليمية لم تنته بعد.
