خصصت صحيفة USA Today، صفحة اقتصادية كاملة للجزائر تحت عنوان بارز: “الجزائر.. الوجهة الاستثمارية المقبلة في شمال إفريقيا”، في طرح يقدّم البلاد كسوق واسعة ذات إمكانات غير مستغلة بما يكفي، ووجهة صاعدة أمام المستثمرين في قطاعات تمتد من الزراعة والصناعات الغذائية إلى الصحة والصيدلة، ومن المحروقات إلى الطاقات المتجددة، مرورا بالمناجم، اللوجستيك، المياه والتكنولوجيات الرقمية.

الجزائر وجهة استثمارية
قدمت الصفحة الجزائر باعتبارها بلدا شاسعا يمتلك هامشا كبيرا للنمو خارج الاعتماد التقليدي على المحروقات، مؤكدة أن الاقتصاد الجزائري يقف أمام مرحلة توسع يمكن أن تستفيد منها الشركات الأمريكية والدولية، خاصة في ظل توجه الدولة نحو تنويع مصادر النمو، وتحديث البنية التحتية، وتوسيع الإنتاج المحلي، وتقليص الواردات في القطاعات الحساسة.
ومنذ البداية، ربطت الصفحة بين حجم الجزائر الجغرافي وطاقتها الاقتصادية، مشيرة إلى أنها أكبر بلد في إفريقيا، وأكبر مساحة من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا مجتمعة. كما أبرزت أن عدد سكانها يبلغ نحو 47 مليون نسمة، وأن حوالي 70 بالمائة من السكان تقل أعمارهم عن 40 سنة، وهو ما يمنح السوق الجزائرية قاعدة بشرية شابة يمكن أن تدعم التصنيع، الخدمات، التكنولوجيا، الزراعة الحديثة والطاقة.
الشراكة مع واشنطن
وفي محور العلاقات الجزائرية الأمريكية، أشارت الصفحة إلى أن العلاقة بين البلدين لم تعد محصورة في الأمن والاستقرار الإقليمي والتنسيق العسكري، كما كان الحال خلال جزء معتبر من بدايات القرن الحادي والعشرين، بل تتجه نحو نموذج اقتصادي جديد تقوده الدبلوماسية التجارية، والاستثمارات الاستراتيجية طويلة المدى، وتبادل التكنولوجيا والخبرة.
وعلى هذا الأساس، أوردت الصفحة رقما مهما يتمثل في بلوغ حجم التجارة بين الجزائر والولايات المتحدة 3.5 مليارات دولار في 2025. وهذا المؤشر يعكس، وفق مضمون الصفحة، انتقال العلاقة إلى مستوى أكثر تنوعا، حيث يمكن للولايات المتحدة أن توظف رأس المال والخبرة والتكنولوجيا في قطاعات تحتاجها الجزائر لتعزيز نموها الداخلي، بينما توفر الجزائر سوقا كبيرة، وموارد طبيعية ضخمة، وموقعا متوسطيا استراتيجيا، وقاعدة استثمارية قابلة للتوسع.
الفلاحة في الواجهة
كما وضعت الصفحة القطاع الزراعي في قلب التحول الاستثماري الجديد، معتبرة أن التعاون الجزائري الأمريكي يظهر بوضوح في ملف الأمن الغذائي. فقد ذكرت أن الجزائر كانت تاريخيا من بين أكبر مستوردي مسحوق الحليب في العالم، وهو ما جعل تقليص التبعية الخارجية في هذه المادة أولوية اقتصادية مباشرة.
وفي هذا الإطار، أبرزت الصفحة مذكرة التفاهم الموقعة في 29 جانفي 2025، والتي تنص على تصدير 30 ألف بقرة حلوب من الولايات المتحدة إلى الجزائر كدفعة أولى، ضمن هدف طويل المدى يصل إلى نحو 240 ألف بقرة. وبذلك، لا تبدو العملية مجرد صفقة تجارية، بل جزءا من مشروع أكبر لإعادة بناء سلسلة إنتاج الحليب داخل الجزائر، من التربية والإنتاج إلى التحويل والتوزيع.
مشروع بلدنا
وربطت الصفحة هذا المسار بمشروع بلدنا الضخم لإنتاج الحليب، الذي تبلغ قيمته 3.5 مليارات دولار، ويمتد على مساحة 117 ألف هكتار، أي ما يعادل حوالي 290 ألف فدان. ووصفت المشروع بأنه واحد من أكبر مشاريع الألبان في العالم، مشيرة إلى أنه يستهدف، عند التشغيل الكامل، تغطية ما يصل إلى 50 بالمائة من الطلب الوطني الجزائري على مسحوق الحليب.
وبالإضافة إلى أثره على تقليص الواردات، توقعت الصفحة أن يخلق المشروع أكثر من 15 ألف منصب عمل في الجزائر، إلى جانب حوالي 1200 منصب عمل في الولايات المتحدة. ومن ثم، فإن المشروع لا يقتصر على إنتاج الحليب، بل يؤسس لسلسلة اقتصادية كاملة تشمل الأعلاف، الخدمات البيطرية، التجهيزات، النقل، التبريد، التحويل الغذائي، اللوجستيك، والتكنولوجيات الزراعية.
استثمارات SelectUSA
ومن جهة أخرى، توقفت الصفحة عند مشاركة الجزائر في قمة SelectUSA Investment Summit 2026، التي انعقدت في ماي بولاية Maryland، باعتبارها حدثا مهما في مسار التقارب الاقتصادي مع الولايات المتحدة. ووصفت المشاركة الجزائرية بأنها غير مسبوقة من حيث الحجم والمستوى، إذ ضم الوفد الجزائري ممثلين عن 24 شركة جزائرية من أكثر الشركات العمومية والخاصة ديناميكية.
وقد شملت القطاعات الحاضرة في هذا الوفد الطاقة، الرعاية الصحية، تكنولوجيا الإعلام والاتصال، والصناعة التحويلية. وهذا الاختيار يعكس توجه الجزائر إلى تقديم نفسها كشريك اقتصادي متعدد القطاعات، لا كسوق محروقات فقط. كما يفتح المجال أمام شركات أمريكية لدخول مشاريع مرتبطة بالإنتاج، التصنيع، الخدمات، الرقمنة، الصحة والطاقة.
النموذج الاقتصادي الجديد
وتضمنت الصفحة اقتباسا منسوبا إلى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، جاء فيه أن “النموذج الاقتصادي الجديد بدأ يؤتي ثماره، وفقا للإحصاءات الإيجابية الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومؤسسات دولية أخرى”. ويأتي هذا الاقتباس في سياق تقديم الجزائر كاقتصاد يسعى إلى إثبات نتائج إصلاحاته عبر المؤشرات الدولية، وليس فقط عبر الخطاب السياسي.
كما نقلت الصفحة عن رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، كمال مولى، أن السوق الأمريكية مهمة بالنسبة للجزائر، ليس فقط باعتبارها سوقا للمنتجات الجزائرية، بل أيضا كشريك اقتصادي. وأشار إلى أن التوسع الصناعي السريع في الجزائر، مع إنشاء أكثر من 20 ألف مؤسسة ووجود هدف للوصول إلى ما بين 35 ألفا و40 ألف مؤسسة، يحتاج إلى شراكات دولية توفر الخبرة، التكنولوجيا والاستثمار.
قطاعات واعدة
وحددت الصفحة مجموعة قطاعات يمكن أن تشكل قاعدة قوية للشراكة الجزائرية الأمريكية خلال المرحلة المقبلة. ويتعلق الأمر أساسا بالزراعة، الصناعة الصيدلانية، الصناعة التحويلية، إنتاج السيارات، الطاقة، المناجم، المعادن الحرجة، النقل واللوجستيك، إدارة المياه، والرقمنة.
وتكتسب هذه القطاعات أهمية خاصة لأنها تتقاطع مع أولويات الاقتصاد الجزائري الحالية: رفع الإنتاج المحلي، تقليص فاتورة الاستيراد، خلق مناصب شغل، جذب التكنولوجيا، تطوير المؤسسات، واستغلال الموارد الطبيعية والبشرية بشكل أفضل. ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لأي تعاون جديد مع الولايات المتحدة لا تكمن في الصفقات وحدها، بل في قدرته على تحويل الاستثمارات إلى مصانع، مناولة، تكوين، ونقل خبرة.

سوناطراك والطاقة
وفي جانب الطاقة، أبرزت الصفحة رقم 77 مليار دولار، مشيرة إلى أن شركة سوناطراك، الشركة الوطنية للمحروقات، حققت نحو هذا الرقم في 2023. كما أكدت أن الجزائر تمتلك عاشر أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، وثالث أكبر احتياطي من غاز الشيست.
وهذه المعطيات تعزز صورة الجزائر كقوة طاقوية إقليمية، لكنها في الوقت نفسه تضع المحروقات داخل رؤية أوسع للتنويع. فالصفحة لا تقدم الغاز والنفط كغاية نهائية، بل كقاعدة مالية واستراتيجية يمكن أن تدعم الاستثمار في الصناعة، الفلاحة، الطاقات المتجددة، النقل، والخدمات.
الطاقات المتجددة
وفي ملف الطاقة النظيفة، أشارت الصفحة إلى أن الجزائر أطلقت برنامجا يستهدف بلوغ 22 غيغاواط من قدرات الطاقة المتجددة بحلول 2030. كما أبرزت أن مناطق واسعة من البلاد تتمتع بما يصل إلى 3500 ساعة من أشعة الشمس سنويا، وهو ما يضع الجزائر ضمن الدول ذات الإمكانات الشمسية العالية عالميا.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الطاقة الشمسية لا يمثل خيارا بيئيا فقط، بل فرصة اقتصادية لتطوير الصناعات المرتبطة بالألواح، التخزين، الصيانة، الربط، الهندسة، وتحلية المياه بالطاقة المتجددة. كما يمكن أن يدعم هذا المسار موقع الجزائر كمصدر للطاقة التقليدية والنظيفة في الوقت نفسه.
الجنوب الزراعي
الجنوب الزراعي
وفي معطى لافت، ذكرت الصفحة أن نصف الإنتاج الزراعي الجزائري يأتي من مناطق جنوبية كانت تعتبر في السابق غير مناسبة للزراعة. وهذا الرقم يعكس تحولا عميقا في الخريطة الاقتصادية للبلاد، حيث لم يعد الجنوب مجرد فضاء طاقوي أو صحراوي، بل أصبح جزءا أساسيا من معادلة الأمن الغذائي.
كما أن توسع الزراعة الجنوبية يمنح الجزائر فرصة لإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج، خاصة في الحبوب، الأعلاف، الخضر، التمور، الحليب، والمنتجات القابلة للتحويل. غير أن هذا التحول يحتاج إلى استثمارات في المياه، التخزين، النقل، الطاقة، الخدمات البيطرية، التكنولوجيا الزراعية، والبحث التطبيقي.
الرقمنة والاتصالات
وتناولت الصفحة أيضا تطور قطاع الاتصالات، مشيرة إلى أن نشر كابلات الألياف البصرية وتكنولوجيا الجيل الرابع ساهم في تحديث سريع للقطاع، ما جعل تكنولوجيا الإعلام والاتصال مجالا متناميا للاستثمار. وهذا المعطى مهم لأن التحول الاقتصادي لا يمكن أن يقوم على الطاقة والزراعة فقط، بل يحتاج إلى بنية رقمية تدعم الخدمات، الإدارة، التجارة، الدفع الإلكتروني، الأمن السيبراني، ومراكز البيانات.
وبذلك، تصبح الرقمنة جزءا من الجاذبية الاستثمارية للجزائر، خاصة إذا تم ربطها بقطاعات النقل، الموانئ، الجمارك، البنوك، الصناعة، الصحة والتعليم.
سوق شابة وموقع استراتيجي
كما ركزت الصفحة على عاملين داعمين لجاذبية الجزائر: السكان والموقع. فحوالي 90 بالمائة من سكان الجزائر يعيشون ضمن مسافة 30 ميلا من الساحل المتوسطي، وهو ما يمنح السوق الداخلية كثافة عمرانية واقتصادية قريبة من الموانئ والبنى التحتية الساحلية. وفي الوقت نفسه، توفر الكتلة السكانية الشابة قاعدة مهمة للعمالة، الاستهلاك، التكوين، وريادة الأعمال.
وعلى مستوى الناتج المحلي، عرضت الصفحة الجزائر كثاني أكبر اقتصاد في شمال إفريقيا، بناتج محلي إجمالي بلغ 269.3 مليار دولار في 2024، ضمن رسم بياني يستند إلى بيانات البنك الدولي. وهذا الرقم، إلى جانب الموارد الطاقوية والسوق الداخلية، يعزز موقع الجزائر كقوة اقتصادية في إفريقيا والعالم العربي.
الرهان المقبل
الخلاصة التي تقدمها الصفحة واضحة: الجزائر لم تعد تعرض نفسها على المستثمرين كسوق محروقات فقط، بل كمنصة تنويع اقتصادي واسعة تجمع بين الطاقة والزراعة والصناعة والصحة والتكنولوجيا. كما أن العلاقة مع الولايات المتحدة تتحرك نحو مرحلة أكثر عملية، عنوانها الاستثمار، الخبرة، التكنولوجيا، والمشاريع الكبرى.
وبالتالي، فإن الرهان المقبل بالنسبة للجزائر لا يتمثل في جذب الاهتمام الدولي فقط، بل في تحويل هذا الاهتمام إلى قيمة مضافة داخلية. فالاستثمار الناجح هو الذي ينتج مصانع، يخلق مناصب عمل، ينقل التكنولوجيا، يرفع الصادرات، يدعم المؤسسات الجزائرية، ويقلص التبعية للواردات. ومن هذه الزاوية، تبدو الصفحة المنشورة في USA Today رسالة اقتصادية واضحة: الجزائر تتحول تدريجيا إلى إحدى أبرز وجهات الاستثمار في شمال إفريقيا، ليس بسبب مواردها فقط، بل بسبب قدرتها على بناء اقتصاد أكثر تنوعا واتساعا.

















