بوابة الجزائرالإخبارية: 60 مليار دولار تمثل القاعدة الاستثمارية التي تستند إليها الجزائر لتحويل موقعها الطاقوي إلى شبكة مصالح صناعية وتجارية داخل أوروبا. ويوجه البرنامج الوطني للفترة 2025–2029 نحو 80% من استثماراته إلى الاستكشاف والإنتاج، بالتوازي مع مشروعات للتكرير والبتروكيماويات والطاقات المتجددة، ما يمنح الجزائر قدرة إضافية على التفاوض مع إيطاليا وألمانيا وإسبانيا بشأن الاستثمار ونقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي.

وتكشف خريطة التعاون الجديدة توزيعًا واضحًا للأدوار: إيطاليا شريك مباشر في إنتاج المحروقات والصناعة، وألمانيا مصدر للتكنولوجيا والمعدات، وإسبانيا سوق قريبة للغاز ومنصة محتملة للوصول إلى غرب أوروبا. ويتيح هذا التنوع للجزائر تقليل الارتباط بشريك أوروبي واحد وتحسين شروط العقود والمشروعات المقترحة.
روما تنتقل من شراء الغاز إلى تمويل الإنتاج
بلغت المبادلات التجارية بين الجزائر وإيطاليا 12.98 مليار يورو خلال 2025، منها 9.78 مليارات يورو واردات إيطالية من الجزائر و3.2 مليارات يورو صادرات نحو السوق الجزائرية. ومثل الغاز الطبيعي نحو 8.1 مليارات يورو، أي قرابة 83% من مشتريات إيطاليا من الجزائر، وفق بيانات الوكالة الإيطالية للتجارة التي نقلتها وكالة «نوفا».
وتكشف الصادرات الإيطالية نحو الجزائر عن ارتباط مباشر بمشروعات الإنتاج، إذ شملت منتجات تكرير بقيمة 435 مليون يورو، وآلات للاستخدام العام بقيمة 428 مليونًا، ومعدات صناعية بقيمة 347 مليونًا، وآلات متخصصة بقيمة 275 مليون يورو. وتخدم هذه الواردات تجهيز المصانع ومشروعات البنية التحتية ورفع القدرات الإنتاجية المحلية.
وتستند الشراكة الجزائرية–الإيطالية إلى استثمارات فعلية في حقول الإنتاج. ففي جويلية 2025، وقعت سوناطراك و«إيني» عقدًا لتطوير محيط «زمول الكبر» في حوض بركين، باستثمارات تقدر بـ1.35 مليار دولار وإنتاج متوقع يبلغ 415 مليون برميل مكافئ نفط، يتضمن 9.3 مليارات متر مكعب من الغاز طوال مدة العقد.
وتعزز هذا الاتجاه خلال زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى الجزائر في 25 مارس 2026، عندما اتفق الجانبان على توسيع التعاون إلى الاستكشاف البحري ومناطق إنتاج جديدة. وأكد الرئيس عبد المجيد تبون التزام الجزائر بتعهداتها الطاقوية، بينما أعلنت ميلوني رغبة بلادها في زيادة تدفقات الغاز الجزائري. وكانت الجزائر قد زودت إيطاليا بنحو 20 مليار متر مكعب خلال 2025، بما يقارب 30% من استهلاكها الغازي.
وتكسب الجزائر من هذا المحور تمويلًا لتطوير الاحتياطيات، وتقاسم المخاطر التقنية، وضمان منفذ طويل الأجل للإنتاج. كما توفر الاستثمارات الإيطالية فرصًا لتوسيع المناولة والصناعة الميكانيكية والزراعة والصناعات الغذائية وصناعة السيارات.
برلين تفتح بوابة التكنولوجيا والتصنيع
انتقلت العلاقات الجزائرية–الألمانية إلى مستوى أوسع خلال زيارة الرئيس تبون إلى برلين يومي 16 و17 جويلية 2026، حيث أسفر المنتدى الاقتصادي الثنائي عن توقيع 31 اتفاقية ومذكرة تفاهم وإعلان نوايا في الطاقة والنقل والصيدلة والسيارات والبطاريات والتكنولوجيا الحيوية والتجهيزات الطبية والرقمنة وتحلية المياه.
وتبرز أهمية المحور الألماني في طبيعة القطاعات المستهدفة. فالشركات الألمانية تمتلك التكنولوجيا والمعدات والخبرة الصناعية التي تحتاج إليها الجزائر لرفع الإنتاجية وزيادة الإدماج المحلي، خصوصًا في الصناعات الميكانيكية والسكك الحديدية والصيدلة والطاقة النظيفة.
وفي الغاز، وقعت سوناطراك ومجموعة «VNG» عقد توريد جديدًا يزيد الإمدادات نحو ألمانيا ابتداء من 1 جانفي 2027. ويمدد العقد العلاقة التي بدأت سنة 2024، عندما أصبحت «VNG» أول شركة ألمانية تستورد الغاز من سوناطراك. بيان
كما وقعت سوناطراك و«بوش» مذكرة تفاهم لاستكشاف فرص التعاون في الهيدروجين الأخضر، بما يدعم مشاركة الجزائر في سلاسل الطاقة منخفضة الكربون وتطوير مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي نحو أوروبا.
وفي الصناعة، وقعت «أوبل» اتفاقًا مع شريك جزائري لاستكشاف فرص إنتاجية واستثمارية مشتركة، بينما أبرمت «صيدال» تفاهمات مع «بوهرينغر إنغلهايم» لإنتاج أربعة جزيئات دوائية استراتيجية لعلاج السكري وقصور القلب وأمراض الكلى. كما شملت الاتفاقيات خمس مذكرات مع «سيمنس موبيليتي» مرتبطة بتطوير النقل بالسكك الحديدية.
وتكمن مكاسب الجزائر في هذا المحور في الوصول إلى التكنولوجيا والتكوين والمعايير الصناعية الألمانية. غير أن بعض المشروعات، ومنها مشروع «أوبل»، لا يزال في مرحلة الاستكشاف ولم تُعلن له قيمة استثمارية أو طاقة إنتاجية أو آجال تنفيذ نهائية، ما يجعل أثره مرتبطًا بنتائج الدراسات والمفاوضات المقبلة.
مدريد تبحث عن استعادة موقعها في السوق الجزائرية
تعتمد الشراكة مع إسبانيا على القرب الجغرافي وخط «ميدغاز» والعلاقات التجارية الممتدة بين ضفتي المتوسط. وقد بلغت الإمدادات الجزائرية إلى السوق الإسبانية 64,230 غيغاواط/ساعة خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 4%، لتغطي قرابة 34% من واردات إسبانيا الغازية.
وجاءت زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر في 20 جويلية 2026 مرفوقًا بمسؤولي «ناتورجي» و«ريبسول» و«إيناغاس» و«مويفي»، في مؤشر على أولوية المصالح الاقتصادية والطاقوية في التقارب الجديد.
وتبحث مدريد زيادة إمدادات الغاز عبر «ميدغاز» بنسبة تصل إلى 10%، إلى جانب رفع مشتريات الغاز الطبيعي المسال المنقول بحرًا. وتظل هذه المستويات أهدافًا تفاوضية تحتاج إلى اتفاق الشركات على الكميات والأسعار ومدد التوريد وقدرة السوق الإسبانية على استيعاب الإمدادات.
وتستعيد التجارة الثنائية نشاطها بالتوازي مع التقارب السياسي. فقد ارتفعت الصادرات الإسبانية إلى الجزائر من 332 مليون يورو سنة 2023 إلى 794.5 مليونًا في 2024، ثم إلى 2.133 مليار يورو خلال 2025. وبلغت واردات إسبانيا من الجزائر 6.296 مليارات يورو، لينخفض عجزها التجاري بنسبة 22% إلى 4.163 مليارات يورو.
وخلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، وصلت الصادرات الإسبانية إلى الجزائر إلى 803.6 ملايين يورو، مقابل واردات بقيمة 4.240 مليارات يورو. وتسعى الشركات الإسبانية إلى دخول مناقصات جزائرية في المياه والبنية التحتية والسكك الحديدية والهندسة والصناعات الغذائية والطاقة.
وتمنح المنافسة الإسبانية الجزائر خيارات إضافية في منح المشروعات واختيار الشركاء، خصوصًا في القطاعات التي تتمتع فيها المؤسسات الإسبانية بخبرة تقنية وقرب لوجستي.
خمسة مكاسب اقتصادية للجزائر
تتمثل المكاسب الأولى في تنويع أسواق الطاقة بين جنوب أوروبا ووسطها، بما يقلص مخاطر الاعتماد على مشترٍ واحد. ويتمثل المكسب الثاني في جذب استثمارات لزيادة الإنتاج وتمويل الاستكشاف، كما يظهر في عقود سوناطراك مع «إيني».
ويأتي المكسب الثالث من توجيه الشراكات نحو التصنيع المحلي في السيارات والأدوية والبطاريات والتجهيزات الصناعية. أما المكسب الرابع فيرتبط بنقل التكنولوجيا والتكوين ودمج المؤسسات الجزائرية في سلاسل القيمة الأوروبية.
ويتمثل المكسب الخامس في بناء موقع مبكر للجزائر داخل سوق الهيدروجين الأخضر وخفض انبعاثات الميثان، ما يساعد الصادرات الجزائرية على التكيف مع القواعد البيئية الأوروبية الجديدة ويحافظ على قدرتها التنافسية.
التنفيذ يحدد القيمة الحقيقية للاتفاقيات
تمنح الاتفاقيات الموقعة الجزائر شبكة شركاء متنوعة، إلا أن القيمة الاقتصادية النهائية ستتحدد وفق حجم الاستثمارات المنفذة، ونسب الإدماج المحلي، وعدد الوظائف، وآجال الإنجاز، وحجم التكنولوجيا المنقولة.
كما تختلف القوة القانونية للمخرجات؛ فالعقود الموقعة، مثل عقد سوناطراك و«VNG» واتفاق تطوير «زمول الكبر»، ترتب التزامات تجارية واضحة، بينما تحتاج مذكرات التفاهم إلى دراسات وتمويل وقرارات استثمار نهائية قبل تحولها إلى مصانع وخطوط إنتاج.
وتدعم الجزائر موقفها التفاوضي ببرنامج طاقوي قيمته 60 مليار دولار للفترة 2025–2029، يوجه 80% منه إلى الاستكشاف والإنتاج، إضافة إلى برنامج لإنتاج 3,200 ميغاواط من الطاقات المتجددة.
وبذلك، تقوم الشراكات الجزائرية مع إيطاليا وألمانيا وإسبانيا على معادلة اقتصادية متعددة المسارات: زيادة الإنتاج مع روما، الحصول على التكنولوجيا مع برلين، وتوسيع السوق والاستثمار مع مدريد. ويمنح هذا التوزيع الجزائر قدرة أكبر على تحويل مواردها الطاقوية إلى تمويل وصناعة ونفوذ تجاري داخل أوروبا.














