بوابة الجزائر الاخبارية: لم تكن عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر في هذا التوقيت الحساس حدثا دبلوماسيا عاديا، بل جاءت كإشارة سياسية ثقيلة المعنى، تؤكد أن الجزائر الجديدة بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون لم تعد تدار بمنطق التبعية أو رد الفعل، وإنما بعقيدة سيادية صارمة فرضت على باريس مراجعة حساباتها والعودة إلى منطق الاحترام المتبادل.
فالتزامن اللافت بين عودة التمثيل الدبلوماسي الفرنسي وإحياء الذكرى الـ81 لمجازر 8 ماي 1945 لم يكن تفصيلا بروتوكوليا عابرا، بل رسالة واضحة مفادها أن ملف الذاكرة الذي طالما حاولت فرنسا الالتفاف حوله، أصبح اليوم جزءا من معادلة القوة الجزائرية الجديدة، وعنوانا لا يمكن تجاوزه في أي مسار سياسي أو دبلوماسي بين البلدين.
الرئيس تبون يقود معركة الندية ويربك حسابات الإليزيه
منذ اندلاع الأزمة بين الجزائر وباريس، اختار الرئيس تبون إدارة المواجهة بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة. لم تنجر الجزائر إلى الضجيج الإعلامي، ولم تبحث عن حلول ترقيعية تحفظ ماء وجه الطرف الآخر، بل تمسكت بثوابتها كاملة: السيادة، الندية، واحترام التاريخ الوطني.
هذا النفس الاستراتيجي الطويل أربك دوائر القرار في الإليزيه، التي أدركت تدريجيا أن الجزائر لم تعد تلك الساحة التقليدية التي يمكن احتواؤها بالضغوط السياسية أو الامتيازات الاقتصادية.
فالرئيس تبون نجح في تحويل الصمود الدبلوماسي إلى ورقة قوة، وأثبت أن الدولة الجزائرية قادرة على فرض شروطها حين يتعلق الأمر بكرامتها الوطنية وذاكرتها الجماعية.
ملف الذاكرة يتحول إلى ورقة قوة جزائرية
إن مشاركة مسؤولين فرنسيين في إحياء ذكرى مجازر 8 ماي، والاعتراف العملي برمزيتها التاريخية، يعدان تحولا نوعيا في مسار التعاطي الفرنسي مع الماضي الاستعماري.
فبعد سنوات طويلة من التردد والإنكار، وجدت باريس نفسها مضطرة للتعامل مع الذاكرة الجزائرية باعتبارها قضية سيادية لا تقبل المساومة.
لقد جعل الرئيس تبون من ملف الذاكرة ركيزة مركزية في العلاقات الثنائية، وأعاد الاعتبار لتضحيات ملايين الجزائريين الذين سقطوا في مواجهة الاستعمار.
ولم يعد الحديث عن الجرائم الاستعمارية مجرد خطاب عاطفي أو مطلب تاريخي، بل أصبح جزءا من توازنات سياسية فرضتها الجزائر بثقلها الإقليمي وموقعها الاستراتيجي.
الجزائر تكسر الهيمنة وتوسّع دوائر النفوذ
ما منح الجزائر هذه القدرة على فرض رؤيتها، هو التحول العميق الذي شهدته سياستها الخارجية خلال السنوات الأخيرة.
فبقيادة الرئيس تبون، اتجهت الجزائر نحو تنويع شراكاتها الدولية والانفتاح على قوى صاعدة، ما قلص بشكل كبير هامش التأثير الفرنسي التقليدي.
اليوم، تدرك باريس أن الجزائر لم تعد رهينة لعلاقة أحادية، بل أصبحت قوة إقليمية تمتلك بدائل اقتصادية وسياسية واسعة، من المتوسط إلى إفريقيا وآسيا. ولذلك، باتت فرنسا تبحث عن استقرار علاقتها مع الجزائر من موقع الحاجة، لا من موقع الوصاية كما كان يُراد في مراحل سابقة.

































