بوابة الجزائر الإخبارية: تدخل الجزائر اجتماع الدول السبع المحورية في تحالف «أوبك+»، المقرر الأحد 6 سبتمبر، وهي تدافع عن معادلة دقيقة: حماية قيمة البرميل من أي ضخ متسرع، والمحافظة في الوقت نفسه على كامل قدرتها الإنتاجية تمهيدًا للاستحقاق الأكبر المتعلق بإعادة ضبط خطوط أساس الإنتاج لعام 2027.

فالاجتماع المرتقب لا يتعلق بكمية إضافية عابرة فحسب، بل يأتي عند نقطة تحول داخل التحالف، بعدما انتهت في سبتمبر عملية إعادة 1.65 مليون برميل يوميًا من التخفيضات الطوعية التي بدأت سنة 2023. وبذلك تنتقل الجزائر، إلى جانب السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان وعُمان، من إدارة الزيادات الشهرية إلى مواجهة أكثر حساسية: من يملك القدرة الحقيقية على الإنتاج، وكم برميلًا سيُسمح لكل دولة بضخه مستقبلًا؟
وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة تحدثت إلى «رويترز»، يتجه الاجتماع الافتراضي، الذي يُنتظر انطلاقه عند منتصف النهار بتوقيت الجزائر، إلى تثبيت سياسة الإنتاج خلال أكتوبر. غير أن هذا السيناريو يظل مرهونًا بالمداولات النهائية وبتقييم بيانات العرض والطلب والمخزونات وحركة الشحن العالمية.
تثبيت أكتوبر.. مكسب جزائري بلا براميل مجانية للسوق
بالنسبة إلى الجزائر، يمثل وقف الزيادات خلال أكتوبر الخيار الأكثر اتزانًا في المرحلة الحالية. فهو يجنب السوق موجة إمدادات جديدة قد تضغط على الأسعار، من دون أن يفرض على البلاد تنازلًا إنتاجيًا إضافيًا أو يقلص قدرتها على الاستفادة من المستويات السعرية المرتفعة.
وكانت الدول السبع قد أقرت رفع أهداف إنتاج سبتمبر بنحو 188 ألف برميل يوميًا، مستكملة بذلك التراجع التدريجي عن التخفيض الطوعي البالغ 1.65 مليون برميل يوميًا. لكن الزيادة المدرجة في الجداول لا تعني أن الكمية نفسها وصلت إلى المشترين؛ إذ بقي الإنتاج الفعلي دون المستويات الاسمية نتيجة اضطراب التدفقات الخليجية عبر مضيق هرمز، وتضرر منشآت روسية، وتعطل جانب من صادرات كازاخستان.
وهنا تبرز صلابة المقاربة التي تدافع عنها الجزائر داخل التحالف: السوق لا تحتاج إلى أرقام مرتفعة على الورق، وإنما إلى براميل قابلة للإنتاج والنقل والتسليم. وأي قرار يتجاهل أمن الممرات وقدرات الدول الفعلية قد يؤدي إلى قراءة خاطئة للمعروض، ثم إلى تصحيح حاد ومكلف في الأسعار.
وقد بلغ خام برنت 95.63 دولارًا للبرميل عند تسوية جلسة الأربعاء، مقابل 91.01 دولارًا لخام غرب تكساس الوسيط، قبل أن يتراجع قليلًا في تعاملات الخميس مع استمرار المخاطر المرتبطة بالمواجهة الأميركية الإيرانية واضطراب الملاحة عبر هرمز.
وعند هذه المستويات، تصبح حماية السعر أحيانًا أكثر جدوى من مطاردة زيادة محدودة في الكميات. فكل دولار إضافي في متوسط سعر البرميل يرفع الإيراد الإجمالي النظري لمبيعات مليون برميل بمليون دولار، قبل احتساب تكاليف الإنتاج والنقل وشروط العقود وفروق الجودة.
كما أن إنتاج عشرة آلاف برميل يوميًا عند سعر 95 دولارًا يعادل رقم أعمال نظريًا يقارب 347 مليون دولار سنويًا. لذلك فإن إدارة البرميل الجزائري لا تُختزل في عدد الوحدات المنتجة، بل في أفضل توازن بين الكمية والسعر والقدرة على التصدير.
وتظهر هنا قيمة وجود الجزائر داخل النواة التنفيذية المصغرة لـ«أوبك+». فهي ليست دولة تتلقى القرارات بعد اكتمالها، وإنما طرف حاضر في المداولات التي تضبط إيقاع الإمدادات، وتراقب الالتزام، وتحدد توقيت إضافة البراميل أو حجبها عن السوق.
معركة 2027.. كل برميل في خط الأساس يساوي مئات ملايين الدولارات
إذا كان قرار أكتوبر مكسبًا تكتيكيًا، فإن تحديد خطوط أساس 2027 يمثل المعركة الاقتصادية والاستراتيجية الأثقل. فهذا الخط ليس حصة إنتاج جاهزة، لكنه المستوى المرجعي الذي تُحسب انطلاقًا منه التخفيضات والزيادات المستقبلية، ولذلك يمكن لأي تعديل فيه أن يوسع أو يضيّق المساحة الإنتاجية المتاحة للدولة لسنوات.
وتخضع القدرات المستدامة للدول الأعضاء حاليًا لمراجعة فنية تتولاها شركة «DeGolyer and MacNaughton» الأميركية المتخصصة في تقييم الاحتياطات والطاقة الإنتاجية. ومن المنتظر تسليم النتائج إلى «أوبك» بنهاية سبتمبر، قبل فتح مفاوضات يُرجح أن تكون من أعقد جولات التفاوض داخل التحالف.
وبالنسبة إلى الجزائر، لا يتعلق الملف بمكانة رمزية على جدول الحصص، بل بأصل اقتصادي وسيادي قابل للتحويل مباشرة إلى إنتاج وصادرات وإيرادات.
فإضافة عشرة آلاف برميل يوميًا إلى الحصة المستقبلية تعادل 3.65 ملايين برميل سنويًا، بقيمة إجمالية نظرية تبلغ نحو 328.5 مليون دولار عند سعر 90 دولارًا للبرميل، وترتفع إلى قرابة 346.8 مليون دولار عند سعر 95 دولارًا.
أما خمسون ألف برميل يوميًا، فتمثل 18.25 مليون برميل في السنة، بقيمة نظرية تقارب 1.64 مليار دولار عند سعر 90 دولارًا. وهذه الحسابات لا تمثل أرباحًا صافية أو توقعًا مسبقًا لما ستحصل عليه الجزائر، لكنها تكشف لماذا تتحول بضعة آلاف من البراميل في مفاوضات خطوط الأساس إلى ملف مالي بالغ الحساسية.
ولا تدخل الجزائر هذه المفاوضات بالشعارات، بل بملف يرتكز على الاستثمار في المنبع، وحفر الآبار، وتحسين مردودية الحقول، واسترجاع الإنتاج المتراجع، وتحديث منشآت المعالجة والنقل. فالقدرة التي سيعترف بها التحالف يجب أن تكون مستدامة وقابلة للقياس، لا مجرد طاقة تصميمية غير مستخدمة.
ولهذا تمثل النتائج الميدانية لاستثمارات «سوناطراك» وشركائها ورقة التفاوض الأهم. فكل بئر تدخل الإنتاج، وكل حقل يستعيد جزءًا من طاقته، وكل انخفاض في فترات التوقف، يتحول إلى دليل فني يدعم حق الجزائر في خط أساس يعكس إمكاناتها الجديدة.
وتنسجم هذه المقاربة مع السياسة الطاقوية التي ترسخت بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، والقائمة على إعادة الاعتبار للاستثمار المنتج، وتجديد الاحتياطات، وتوسيع نشاط الاستكشاف، وتعزيز السيادة على القرار الطاقوي. فحماية الحصة داخل «أوبك+» تبدأ من الحقول الجزائرية، قبل أن تنتقل إلى طاولة المفاوضات الدولية.

تراجع قدرات منتجين كبار يمنح الجزائر وزنًا إضافيًا
تجري مراجعة خطوط الأساس في وقت تظهر فيه فجوة متزايدة بين الحصص النظرية والقدرات الفعلية لبعض المنتجين الكبار. وقد أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن إنتاج بلاده سيتراجع قليلًا خلال 2026، عازيًا ذلك جزئيًا إلى أعمال صيانة غير مقررة في المصافي.
كما خفضت مسودة حكومية روسية تقديرات الإنتاج للفترة بين 2026 و2029 بما يتراوح بين 16 و20 مليون طن مقارنة بتوقعات ماي. وتراجع تقدير إنتاج 2026 إلى 494.2 مليون طن، أو نحو 9.88 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى متوقع منذ 17
ويمنح هذا التراجع أهمية أكبر للدول التي تستطيع إثبات قدرتها على تشغيل حصصها بانتظام. فداخل سوق مضطربة، تصبح الموثوقية جزءًا من القوة التفاوضية: الدولة القادرة على الإنتاج والتسليم والمحافظة على منشآتها تختلف عن عضو يملك حصة اسمية لا يستطيع تحويلها إلى براميل فعلية.
وتستفيد الجزائر هنا من عناصر قوة متراكمة: منشآت إنتاج ونقل وتخزين وتصدير قائمة، قطاع خدمات نفطية متطور، خبرة تشغيلية تمتد عقودًا، وموقع قريب من الأسواق الأوروبية، فضلًا عن استقرار مؤسساتي يجعل الإمدادات الجزائرية أكثر قابلية للتوقع.
كما تتيح السياسة الجزائرية القائمة على تنويع الشراكات، مع الإبقاء على «سوناطراك» في مركز القرار، جلب التكنولوجيا ورأس المال والخبرة من دون التفريط في السيادة على الموارد. وهذه المعادلة تمنح الجزائر قدرة على توسيع الإنتاج، وفي الوقت نفسه إبقاء قرار الاستثمار والتسويق منسجمًا مع مصالحها الوطنية.

الجزائر تفاوض على قيمة البرميل لا على عدده فقط
لن تكون مصلحة الجزائر في الحصول على أعلى حصة ممكنة مهما كان الثمن. فالاندفاع الجماعي نحو رفع خطوط الأساس قد يتحول إلى سباق إنتاج يضعف تماسك «أوبك+» ويفتح الباب أمام وفرة تهوي بالأسعار، فتربح الدول براميل إضافية على الورق وتخسر مليارات الدولارات في السوق.
لهذا تبدو المعادلة الجزائرية أكثر نضجًا: الدفاع عن خط أساس عادل يعكس القدرة الحقيقية، مع المحافظة على الانضباط الذي يصون قيمة النفط. فالبرميل الذي يباع بسعر مستقر ومجزٍ أكثر فائدة من زيادة كمية تؤدي إلى انهيار السعر.
ويظل تثبيت أكتوبر، إذا أقره اجتماع الأحد، رسالة إلى السوق بأن الدول السبع لن تضخ إمدادات إضافية لمجرد أن الجداول تسمح بذلك. كما يمنح التحالف وقتًا لقياس أثر عودة التخفيضات السابقة، ومراقبة حركة هرمز، وتقييم الإنتاج الروسي والكازاخستاني، قبل اتخاذ خطوة جديدة.
أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن الاجتماع يمثل مرحلة أولى في مسار تفاوضي أكبر. فهي مطالبة بحماية ثلاثة مكاسب مترابطة: سعر يمنح صادراتها قيمة عادلة، وحصة تسمح باستغلال طاقتها الإنتاجية، وخط أساس لعام 2027 يعترف بالاستثمارات والقدرات التي راكمتها.
وبذلك تدخل الجزائر غرفة قرار «أوبك+» لا بوصفها منتجًا هامشيًا ينتظر تسويات الكبار، بل دولة طاقوية ذات صوت محسوب، وخبرة تفاوضية، وقرار سيادي تدعمه رؤية الرئيس تبون لإعادة تثبيت البلاد قوةً موثوقة في هندسة أمن الطاقة العالمي.
فتثبيت إنتاج أكتوبر قد يحمي السوق لشهر واحد، أما معركة خطوط الأساس فستحدد وزن الجزائر النفطي لسنوات. وبين القرارين، تتمسك البلاد بالقاعدة الأذكى في إدارة الثروة: ليست القوة في ضخ أكبر عدد من البراميل، بل في امتلاك البرميل، وتوقيت إنتاجه، والدفاع عن قيمته.

































