بوابة الجزائر الإخبارية: تغيرت معادلة المواجهة الإعلامية والرقمية بين الجزائر والمغرب خلال السنوات الأخيرة بصورة جعلت الجزائر تنتقل تدريجيًا من موقع الدولة المستهدفة بحملات تأثير وتضليل منسقة إلى بناء منظومة أكثر قدرة على الرصد والرد والتحصين، في وقت بدأت فيه بعض الأوساط الإعلامية المغربية تلجأ إلى اتهام الجزائر بإدارة «حرب رقمية» كلما ارتفعت حدة النقاش الداخلي أو انفجرت أزمة اجتماعية أو اتصالية داخل المملكة. غير أن المقارنة بين الادعاءات الحالية والسجل الموثق دوليًا تكشف فارقًا جوهريًا بين اتهام سياسي قابل للتوظيف الداخلي وبين عمليات رقمية سبق أن وثقتها شركات التكنولوجيا نفسها وحددت منشأها وأهدافها.
ففي الوقت الذي تحاول فيه منابر مغربية تقديم الرباط باعتبارها ضحية لهجمات رقمية جزائرية، سبق لشركة Meta أن أعلنت حذف شبكة من الحسابات والصفحات والمجموعات قالت إن نشاطها نشأ في المغرب واستهدف جمهورًا داخل المغرب والجزائر. ولم يكن الأمر اتهامًا صادرًا عن وسيلة إعلام جزائرية أو موقفًا رسميًا من الجزائر، بل نتيجة تحقيق تقني للمنصة نفسها حول ما تسميه «السلوك الزائف المنسق». وقد شملت العملية حذف 255 حسابًا على فيسبوك و93 صفحة و17 مجموعة و60 حسابًا على إنستغرام، وربطت Meta جزءًا من النشاط بشركة تسويق مغربية، ما يجعل الجزائر في هذا الملف واحدة من الدول التي استهدفتها فعليًا شبكات رقمية منشؤها المغرب.
وتكتسب هذه السابقة أهميتها اليوم لأن الخطاب المغربي يحاول قلب الصورة، عبر تصوير كل موجة انتقاد أو محتوى سلبي تجاه السلطات المغربية على أنها نتاج تدخل جزائري، في حين أن الأزمات الداخلية التي تعرفها المملكة تملك أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخاصة، ولا تحتاج في كثير من الحالات إلى «غرفة عمليات» خارجية كي تتحول إلى موجة رقمية واسعة. فقد وثقت مؤسسات دولية ووسائل إعلام كبرى خلال السنوات الأخيرة احتجاجات مرتبطة بالخدمات العمومية والبطالة والفساد وتوزيع الإنفاق، كما أصبح الشباب المغربي أكثر اعتمادًا على المنصات الاجتماعية لصناعة النقاش العام بعيدًا عن القنوات الإعلامية التقليدية. وفي هذا السياق، يصبح تحميل الجزائر مسؤولية كل موجة غضب رقمي أداة سهلة لتصدير الأزمة خارج الحدود بدل تفكيك أسبابها الداخلية.
في الجزائر، تطور التعامل مع هذا النوع من الاستهداف في اتجاه مختلف. فبعد مرحلة كان فيها الرد الإعلامي متفرقًا ويأتي غالبًا بعد انتشار المعلومة، انتقلت الدولة إلى بناء طبقات أكثر تنظيمًا تجمع بين الأمن السيبراني، والاتصال المؤسساتي، والإعلام الوطني، والرصد الرقمي، والتنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية. وقد ظهر هذا التوجه بوضوح مع الاستراتيجية الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية 2025–2029، التي صادق عليها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني، ووضعت حماية السيادة الرقمية والبيانات والبنى التحتية واستمرارية الخدمات ضمن أولويات الأمن الوطني.
وهنا يبرز الدور المحوري للجيش الوطني الشعبي داخل المعادلة الجديدة، ليس من خلال الدخول في السجال الإعلامي اليومي، بل عبر حماية البنية الرقمية للدولة، وتطوير قدرات الرصد والاستباق، وتأمين الأنظمة الحساسة، وتعزيز التعاون بين الهياكل العسكرية والمدنية المكلفة بالأمن السيبراني. وقد أكدت وزارة الدفاع الوطني في أكثر من مناسبة أن التهديدات الحديثة لم تعد تقتصر على المجال العسكري التقليدي، بل تشمل الفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي والبيانات والحرب المعلوماتية، ما جعل الاتصال والأمن الرقمي جزءًا من مفهوم الدفاع الوطني نفسه.
ومن هذه النقطة، لم تعد المعركة بالنسبة إلى الجزائر تتعلق بمنشور هنا أو وسم هناك، وإنما بقدرة الدولة على جعل أي عملية تضليل أقل تأثيرًا وأقصر عمرًا وأكثر قابلية للكشف. فوجود مؤسسة قادرة على الرصد المبكر، وإعلام يملك المعلومة، وأجهزة أمنية تستطيع تعقب الحملات المنسقة، ومنصات رسمية أكثر سرعة في نشر البيانات، كلها عناصر تخفض كلفة الهجوم المعلوماتي وتزيد كلفة من يقف وراءه.
وتزامن هذا التطور الأمني مع تحرك على الجبهة الإعلامية نفسها. فقد تحدث وزير الاتصال السابق محمد مزيان صراحة عن تعرض الجزائر لحرب إعلامية متعددة الأشكال، ودعا إلى بناء جبهة إعلامية وطنية تكون قادرة على حماية صورة البلاد والرد على الأخبار الكاذبة والحملات التي تستهدف مؤسساتها ومشاريعها وسياساتها. كما ارتبط اسمه بتصريحات متداولة حول آلاف الفاعلين الإعلاميين المنخرطين في خطاب معاد للجزائر، وهي تصريحات تعكس حجم الشعور داخل مؤسسات الدولة بأن المواجهة لم تعد إعلامية بالمعنى التقليدي، بل أصبحت ممتدة إلى المنصات الاجتماعية والحسابات المجهولة ومواقع الأخبار وصفحات التأثير.
ومع مرور الوقت، بدأت نتائج هذا التحول تظهر في طريقة إدارة الملفات نفسها. فالقائمون على الإعلام والرقمي في الجزائر أصبحوا أكثر سرعة في إخراج الوثائق والأرقام والبيانات الرسمية إلى المجال العام، بينما تطور حضور وسائل الإعلام الوطنية في تفكيك الادعاءات وربطها بالمصادر الدولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمشاريع الاقتصادية الكبرى أو الملفات الأمنية أو القضايا الدبلوماسية التي كانت لسنوات عرضة للتأويل والتشويه.
وتكمن أهمية هذا التطور في أن الحرب الإعلامية ضد الجزائر لم تكن تستهدف صورة الدولة فقط، وإنما كانت تضرب في بعض الحالات أصولًا اقتصادية مباشرة. فالتشكيك في مشروع منجمي أو طاقوي، أو نشر رواية غير دقيقة حول استثمار كبير، أو تضخيم اضطراب اجتماعي، يمكن أن ينتقل بسرعة إلى محركات البحث وإلى الصحافة الأجنبية وإلى المستثمرين ومؤسسات التقييم، بما يرفع كلفة السمعة ويؤثر في الصورة الاقتصادية للبلاد. ولهذا أصبحت الاستجابة الإعلامية جزءًا من حماية الاقتصاد، لأن الدفاع عن مشروع مثل غارا جبيلات أو استثمارات الطاقة أو البنية التحتية لا يختلف كثيرًا عن حماية الأصل نفسه عندما تصبح سمعته جزءًا من قيمته.
وفي هذه المعركة، تبدو الجزائر اليوم في وضع أفضل من السابق لأنها لم تعد تترك فراغًا معلوماتيًا كبيرًا يمكن أن يملأه الخصم بسهولة. فكلما كانت المعلومة الرسمية أسرع، وكانت المؤسسات أكثر حضورًا، وأصبح الإعلام الوطني أكثر تخصصًا في قراءة الوثائق والتقارير الدولية، تراجعت مساحة التأثير المتاحة أمام الحملات الموجهة.
كما تغير المشهد الخارجي نفسه. فالرواية المغربية لم تعد تمر دائمًا كما كانت في السابق من دون تدقيق، وأصبحت بعض وسائل الإعلام الأوروبية والدولية الكبرى تفصل بصورة أوضح بين ما تقوله السلطات المغربية وبين ما تثبته الوقائع الميدانية أو التحقيقات الرقمية. وفي عدد من الملفات، ظهر أن التفسير الداخلي للأزمة أقوى من فرضية «التدخل الجزائري»، خاصة عندما يتعلق الأمر باحتجاجات الشباب أو قضايا الهجرة أو التوتر الاجتماعي أو الانتقادات الموجهة للسلطات المغربية.
وهذا التحول في التغطية الدولية يخدم الجزائر من دون أن تحتاج إلى تحويله إلى دعاية. فالمكسب الحقيقي ليس أن تتبنى كل الصحافة الأوروبية «السردية الجزائرية» حرفيًا، وإنما أن تتوقف عن التعامل مع الرواية المغربية باعتبارها الحقيقة الوحيدة. وعندما تصبح الرواية الجزائرية والوثائق والبيانات الرسمية جزءًا من المواد التي تستند إليها وسائل إعلام أجنبية في التغطية، فإن ميزان الاتصال يتحول لصالح الجزائر لأن المعركة تنتقل من فرض رواية أحادية إلى منافسة على المصداقية.
وفي المقابل، يواجه الخطاب المخزني مأزقًا متزايدًا كلما حاول تفسير أزمة داخلية باعتبارها نتيجة «حرب رقمية جزائرية». فكل ادعاء من هذا النوع يحتاج اليوم إلى دليل تقني يمكن فحصه، خاصة بعد أن أصبحت منصات التكنولوجيا وشركات الأمن السيبراني ومراكز البحث قادرة على تتبع أصل الشبكات الرقمية وأنماط التنسيق بينها. وإذا غاب هذا النوع من الأدلة، تتحول التهمة من معطى أمني إلى خطاب سياسي موجه للاستهلاك الداخلي.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح. الجزائر التي أثبتت تقارير دولية أنها كانت مستهدفة بحملات رقمية مصدرها المغرب اختارت خلال السنوات الأخيرة تقوية دفاعها السيبراني والإعلامي، بينما يلجأ جزء من الخطاب المغربي اليوم إلى تقديم المملكة على أنها ضحية لحرب رقمية جزائرية كلما فقدت السلطات السيطرة على سردية داخلية أو انفجرت موجة انتقاد على المنصات.
ولا يعني ذلك أن الجزائر أصبحت محصنة بصورة مطلقة، فالحرب الرقمية بطبيعتها متحركة، والتكنولوجيا التوليدية والذكاء الاصطناعي العميق والحسابات الآلية تجعل إنتاج التضليل أسرع وأرخص وأكثر قدرة على تقليد المؤسسات والشخصيات. غير أن الفارق يكمن في أن الجزائر لم تعد تواجه هذه المخاطر بالأدوات نفسها التي كانت تستخدمها قبل سنوات، بل أصبحت تمتلك استراتيجية وطنية، ومؤسسات أمنية أكثر تخصصًا، ووعيًا إعلاميًا أكبر، ومرافقة مباشرة من مؤسسات الدولة العليا.
ويضع الجيش الجزائري في هذا السياق عنصر الردع الأمني داخل منظومة أوسع لا تنفصل فيها السيادة الترابية عن السيادة الرقمية. فالهجوم على قاعدة بيانات أو منصة أو شبكة اتصالات أو مؤسسة استراتيجية يمكن أن تكون له آثار اقتصادية وأمنية لا تقل خطورة عن بعض أشكال الاعتداء التقليدي، ولذلك أصبح الأمن السيبراني جزءًا من العقيدة الوقائية للدولة.
أما الإعلام، فيؤدي وظيفة مختلفة ومتكاملة. فمهمته ليست مطاردة كل حساب مجهول، بل منع المعلومة الكاذبة من التحول إلى حقيقة دولية. وكلما تمكن الصحفي الجزائري من الرد بوثيقة أو رقم أو تقرير رسمي أو مصدر دولي، أصبحت الحملة المضادة أقل قدرة على البقاء داخل محركات البحث أو الانتقال إلى وسائل الإعلام الأجنبية.
وهنا يمكن قياس نجاح القائمين على الإعلام والرقمي في الجزائر خلال المرحلة الأخيرة. فقد انتقلت البلاد من موقع تفرض فيه الرواية الخارجية أجندة الرد إلى وضع أصبحت فيه المؤسسات الوطنية أكثر قدرة على إنتاج الرواية أولًا، وتقديم الوثيقة، وتحديد زاوية النقاش، وترك المجال أمام الصحافة الدولية للتحقق منها.
ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص والصور والفيديوهات المضللة، ستزداد أهمية هذا التفوق في السرعة والدقة. فالجزائر لا تحتاج إلى بناء «جيش إلكتروني» مماثل لما تتهم به خصومها، بقدر ما تحتاج إلى بناء جدار من البيانات والأمن والتحقق والمحتوى متعدد اللغات يجعل الرواية الكاذبة قصيرة العمر وعالية الكلفة.
وفي النهاية، فإن المعركة الرقمية بين الجزائر والمغرب تدخل مرحلة مختلفة تمامًا عن السنوات السابقة. الجزائر التي كانت مستهدفة أصبحت أكثر قدرة على التحصين والرد، والدولة بنت جبهة متداخلة بين الأمن والإعلام والرقمي، فيما أصبح الجيش عنصرًا أساسيًا في حماية البنية السيبرانية، وأصبحت مؤسسات الإعلام أكثر حضورًا في الدفاع عن الرواية الوطنية.
أما السلطات المغربية، فإن استمرارها في تحويل الأزمات الداخلية إلى اتهامات ضد الجزائر لا يحل مشكلاتها الاجتماعية ولا يعيد الثقة في روايتها. بل قد يضاعف خسارتها الاتصالية كلما ظهرت تقارير دولية تناقضها أو كشفت أن الجزائر نفسها كانت من أولى ضحايا شبكات التضليل القادمة من المغرب.
وبذلك، لم يعد السؤال الحقيقي هو من يملك عددًا أكبر من الحسابات أو الصفحات، وإنما من يملك منظومة أكثر صلابة وقدرة على حماية المعلومة، ومن يستطيع أن يجعل روايته قابلة للتصديق خارج حدوده. وفي هذه النقطة تحديدًا، تبدو الجزائر اليوم أكثر تنظيمًا وتحكمًا مما كانت عليه قبل سنوات، فيما يتحول الخطاب المخزني تدريجيًا من الهجوم إلى محاولة تفسير خسارة السيطرة على الفضاء الرقمي




