بوابة الجزائر الاخبارية: لم تعد العلاقات الجزائرية الفرنسية مجرد ملف دبلوماسي تقليدي يدار خلف أبواب وزارتي الخارجية في الجزائر وباريس، بل تحولت تدريجيا إلى واحدة من أكثر الأوراق حضورا في النقاش السياسي الفرنسي، خاصة مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي لسنة 2027.
فقبل أن تنطلق الحملة الانتخابية بشكل رسمي، دخلت الجزائر بالفعل قلب معركة الإليزيه، بين تيار يدعو إلى التهدئة وإعادة بناء الثقة، وآخر يرى في التصعيد مع الجزائر وسيلة لحشد أصوات اليمين واستمالة الناخبين القلقين من ملفات الهجرة والهوية والذاكرة.
ويبدو واضحا أن الطبقة السياسية الفرنسية بدأت تتعامل مع ملف الجزائر باعتباره ورقة انتخابية بامتياز، بالنظر إلى الوزن التاريخي والسياسي والإنساني الذي تمثله العلاقات الثنائية داخل المجتمع الفرنسي، خاصة في ظل وجود ملايين الفرنسيين المرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بالجزائر، سواء عبر الذاكرة أو الهجرة أو المصالح الاقتصادية والثقافية.
وفي خضم هذا الجدل، يتمسك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بخيار ما بات يوصف في باريس بـ”العلاقة الهادئة” مع الجزائر، رافضا الانجرار نحو خطاب القطيعة أو التصعيد السياسي.
وقد عكست الأشهر الأخيرة توجها فرنسيا واضحا نحو تخفيف حدة التوتر، خاصة بعد الخطوات المتبادلة التي أعادت تحريك الملف الثنائي، وفي مقدمتها عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر ، بعد فترة من البرود غير المسبوق بين البلدين.
هذه المؤشرات فتحت الباب أمام حديث متزايد داخل الأوساط السياسية الفرنسية عن إمكانية بناء مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، قائمة على البراغماتية وتغليب المصالح المشتركة، بعيدا عن خطابات الاستفزاز والمزايدات الانتخابية التي طبعت السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، برز صوت رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان الذي تحدث عن “ذوبان الجليد” بين الجزائر وباريس، معتبرا أن الجزائر تبقى بلدا محوريا في منطقة المتوسط والساحل وإفريقيا، وأن أي مقاربة فرنسية واقعية لا يمكن أن تتجاهل ثقل الجزائر الاستراتيجي ودورها الإقليمي.
كما يدافع زعيم اليسار الفرنسي جان لوك ميلونشون عن خيار التقارب والحوار، داعيا إلى تجاوز عقد الماضي الاستعماري عبر بناء تفاهم سياسي جديد مع الجزائر، يقوم على الاحترام المتبادل والتعاون الاقتصادي والثقافي. ويرى جزء من اليسار الفرنسي أن استمرار التوتر مع الجزائر لا يخدم المصالح الفرنسية، بل يفتح المجال أمام مزيد من الاحتقان داخل المجتمع الفرنسي نفسه.
لكن في الجهة المقابلة، يواصل اليمين واليمين المتطرف تصعيد خطابه تجاه الجزائر، مستغلا حساسية ملفات الهجرة والذاكرة والاتفاقيات الثنائية في معركته السياسية ضد الحكومة الحالية.
ويبرز وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو كواحد من أكثر الأصوات تشددا، بعدما هاجم ما وصفه بـ”سياسة الاستسلام” أمام الجزائر، مطالبا بسياسة أكثر صرامة في ملفات الهجرة والتعاون القنصلي والذاكرة التاريخية.
ولا يختلف موقف رئيس الوزراء الفرنسي السابق إدوار فيليب كثيرا عن هذا التوجه، إذ يدعو إلى مراجعة العلاقات الثنائية وإعادة النظر فيما يعتبره “امتيازات” تستفيد منها الجزائر في بعض الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، في محاولة واضحة لاستمالة جزء من الناخبين المحافظين.
أما رئيس حزب التجمع الوطني جوردان بارديلا، فيدفع نحو خطاب أكثر تشددا ضمن استراتيجية اليمين القومي، الذي يسعى إلى تحويل الجزائر إلى محور دائم في النقاش الانتخابي الفرنسي، عبر الربط بين الهجرة والأمن والهوية الوطنية.
غير أن الانقسام حول الجزائر لا يقتصر على الطبقة السياسية الفرنسية وحدها، بل يمتد أيضا إلى الناخبين، خاصة الفرنسيين من أصول جزائرية، الذين يجدون أنفسهم في قلب هذا السجال المعقد، بين ذاكرة الاستعمار الثقيلة ومصالح الحاضر ومتطلبات الاندماج داخل المجتمع الفرنسي


















