بوابة الجزائر الإخبارية: نحو 3.5 مليار يورو بلغ حجم المبادلات التجارية بين الجزائر وألمانيا خلال سنة 2025، قبل أن يدخل الإعلان المشترك بشأن الأجندة الاستراتيجية للشراكة الثنائية حيز التطبيق في 16 جويلية 2026، واضعًا زيادة شحنات الغاز الجزائري، وتسريع ممر الهيدروجين الجنوبي، وتوسيع الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية في صدارة المرحلة الاقتصادية الجديدة بين البلدين.

واعتمد الإعلان خلال اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين، ليؤسس إطارًا طويل الأمد للتعاون الاقتصادي والتجاري والطاقوي، بدل حصر العلاقات في المبادلات الظرفية أو الاتفاقيات القطاعية المنفصلة. كما أكدت الوثيقة الرسمية توقيع عدة اتفاقيات بين مؤسسات جزائرية وألمانية خلال الزيارة، من دون نشر أسمائها أو قيمتها المالية ضمن نص الإعلان إلى غاية إعداد هذا التقرير.
3.496 مليار يورو مبادلات تجارية في 2025
وتكشف أحدث الأرقام الأولية لمكتب الإحصاء الاتحادي الألماني أن صادرات ألمانيا إلى الجزائر بلغت 2.142 مليار يورو خلال 2025، مقابل واردات ألمانية من الجزائر بقيمة 1.354 مليار يورو، ليرتفع إجمالي المبادلات إلى 3.496 مليار يورو، مع فائض تجاري ألماني يناهز 787.5 مليون يورو. وتوضح هذه الأرقام أن العلاقة التجارية ما تزال تميل إلى تصدير الآلات والتجهيزات والمنتجات المصنعة من ألمانيا، مقابل استيراد الطاقة والمنتجات البتروكيميائية من الجزائر.
وبموجب الأجندة الاستراتيجية الجديدة، اتفق الطرفان على دعم التجارة والاستثمار من خلال تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الشفافية وعدم التمييز وسيادة القانون، وهي عناصر تستهدف تقليص المخاطر القانونية والإدارية أمام المؤسسات، وتسريع الانتقال من الاتصالات التجارية إلى مشروعات إنتاجية داخل الجزائر.
وتكمن الأهمية الاقتصادية لهذا الالتزام في قدرة الجزائر على توجيه الشركات الألمانية نحو الاستثمار الصناعي المحلي، بدل الاكتفاء بتوريد الآلات والمركبات والتجهيزات الكهربائية والمنتجات الكيميائية والصيدلانية. فالسوق الجزائرية تحتاج إلى نقل التكنولوجيا، وتطوير المناولة، وإنشاء مراكز للصيانة والتكوين، ورفع الإدماج الوطني في المشروعات التي تنفذها الشركات الأجنبية.
زيادة شحنات الغاز الجزائري نحو ألمانيا
وتحتل الطاقة موقعًا مركزيًا في الإعلان، إذ أكد البلدان أن زيادة إمدادات الغاز الجزائري تخدم مصلحتهما المشتركة، في وقت تعمل فيه ألمانيا على تنويع مصادرها وتقليص مخاطر الاعتماد على عدد محدود من الموردين. وفي المقابل، تسعى الجزائر إلى تنويع أسواق صادراتها، وتحسين قيمة مواردها، ودخول السوق الألمانية بعقود أكثر استقرارًا على المديين المتوسط والطويل.
ويمثل وصول أول شحنة جزائرية مباشرة من الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا في 2 جويلية 2026 خطوة عملية سبقت الإعلان الاستراتيجي بأسبوعين. فقد سلّمت سوناطراك الشحنة إلى محطة إعادة التغويز العائمة «فيلهلمسهافن 1»، بعد تحميلها من مركب تمييع الغاز «GL2Z» في بطيوة ونقلها على متن ناقلة «تسالة» التابعة للمجمع الوطني. وأكدت سوناطراك أن العملية تندرج ضمن توسيع صادراتها إلى السوق الألمانية وتعزيز موقعها ضمن منظومة أمن الطاقة الأوروبية.
وبذلك، ينتقل التعاون في الغاز من مستوى النقاش السياسي إلى مرحلة التدفقات التجارية المباشرة، بينما يفتح الإعلان الباب أمام شحنات إضافية. غير أن رفع الكميات سيظل مرتبطًا بالمفاوضات التجارية، والأسعار، وقدرات التسييل والنقل والاستقبال، إلى جانب توقيع عقود شراء واضحة مع المؤسسات الألمانية.
ممر هيدروجين بطول 3300 كيلومتر
وفي موازاة الغاز، منح الإعلان أولوية استراتيجية لممر الهيدروجين الجنوبي «SoutH2 Corridor»، الذي يربط شمال إفريقيا بألمانيا عبر تونس وإيطاليا والنمسا. ويبلغ طول الممر المعلن نحو 3300 كيلومتر، ويتكون من مشروعات أنابيب مترابطة تقودها شركات تشغيل شبكات أوروبية، بهدف إنشاء مسار دائم لنقل الهيدروجين المتجدد من مناطق الإنتاج في شمال إفريقيا إلى المراكز الصناعية في أوروبا الوسطى.
ووصف الإعلان الجزائري الألماني المشروع بأنه جزء من مبادرة «البوابة العالمية» وطريق أوروبي للطاقة، مؤكدًا التطلع إلى الاجتماع الوزاري المقبل الخاص بالممر. ويعني ذلك أن المشروع أصبح أحد المكونات الرسمية للشراكة الثنائية، وليس مجرد دراسة تقنية منفصلة.
وتعود الخطوات التنفيذية الأولى إلى فيفري 2024، عندما أسست الجزائر وألمانيا فريق عمل ثنائيًا في مجال الهيدروجين، بهدف دراسة الإنتاج والتحويل والنقل والتسويق وتطوير الكفاءات. ثم وقعت الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا في جانفي 2025 إعلان نوايا سياسيًا لدعم الممر الجنوبي، قبل أن ترفع وثيقة 16 جويلية 2026 مستوى الالتزام وتربطه مباشرة بالشراكة الاقتصادية الجزائرية الألمانية.
ولا يزال ممر الهيدروجين في مرحلة الدراسات والتنسيق والتهيئة التنظيمية، ولم يدخل بعد مرحلة التشغيل التجاري. ولذلك، فإن المكسب الجزائري الحقيقي سيتحدد بقدرة البلاد على استقطاب استثمارات في محطات الطاقة الشمسية والرياح، والتحليل الكهربائي، وتحلية المياه، والتخزين، وصناعة معدات الهيدروجين ومشتقاته، بدل اقتصار دورها على تصدير مادة طاقوية جديدة.
Power-to-X وخفض انبعاثات الميثان
كما يشمل التعاون الطاقوي تقنيات «Power-to-X»، التي تسمح بتحويل الكهرباء المتجددة إلى هيدروجين أو أمونيا أو وقود اصطناعي، إلى جانب خفض انبعاثات الميثان وتطوير الشبكات والطاقات المتجددة. وتكتسب مسألة الميثان أهمية تجارية مباشرة، لأن خفض الانبعاثات أصبح عاملًا مؤثرًا في قدرة الغاز الجزائري على الحفاظ على تنافسيته والوصول إلى السوق الأوروبية وفق القواعد البيئية الجديدة.
وكانت الجزائر والاتحاد الأوروبي قد اتفقا في فيفري 2026 على تعزيز التنسيق بشأن تطبيق التنظيم الأوروبي المتعلق بالميثان، بما يحافظ على وصول الغاز الجزائري إلى أوروبا ويتيح استرجاع كميات كانت تضيع في التسربات وتوجيهها إلى الاستهلاك المحلي أو التصدير. كما يدعم برنامج «TaqatHy+» التحول الطاقوي الجزائري بتمويل قدره 15 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي و13 مليون يورو من ألمانيا.
الصناعة والتكنولوجيا والمعادن الاستراتيجية
ولا تتوقف الأجندة الجديدة عند الطاقة، إذ فتحت المجال أمام شراكات في البنية التحتية والتكنولوجيا والنقل والصحة والصناعة الصيدلانية والمعادن الاستراتيجية والزراعة والصناعة. كما حددت مجالات صناعية أكثر دقة، تشمل الميكانيك، ومعدات البناء والأشغال، والبتروكيمياء، والصناعات الطاقوية والصيدلانية.
ويعكس إدراج المعادن الاستراتيجية اهتمامًا ألمانيًا متزايدًا بتنويع مصادر المواد الأولية الضرورية للصناعات الحديثة، في حين تستطيع الجزائر ربط أي شراكة مستقبلية في هذا المجال بالتحويل المحلي للمواد المنجمية، وإنشاء وحدات صناعية، ونقل الخبرة، بدل تصدير الخامات دون معالجة.
إعادة إطلاق اللجنة الاقتصادية وإنشاء مجلس أعمال
وفي الجانب المؤسساتي، اتفق البلدان على دراسة إعادة إطلاق اللجنة الاقتصادية الجزائرية الألمانية المشتركة، التي يعود الاتفاق على إنشائها إلى سنة 2011، إلى جانب بحث تأسيس مجلس أعمال ثنائي يضم مؤسسات البلدين، بالتنسيق مع الغرفة الجزائرية الألمانية للصناعة والتجارة ومجلس التجديد الاقتصادي الجزائري والغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة.
وتضم الغرفة الجزائرية الألمانية للصناعة والتجارة أكثر من 450 عضوًا، ما يوفر قاعدة مؤسساتية يمكن البناء عليها لتحويل المجلس المقترح إلى منصة لمتابعة المشروعات وحل العقبات وربط المستثمرين بالموردين والمناولين المحليين.
المنتدى الاقتصادي أول اختبار تنفيذي
ومن المنتظر أن يشكل المنتدى الاقتصادي الجزائري الألماني المقرر في 17 جويلية 2026 أول محطة اقتصادية بعد اعتماد الأجندة الاستراتيجية. وسيجمع المنتدى مسؤولين ومؤسسات ومستثمرين من البلدين لبحث مشروعات عملية وشراكات طويلة الأمد، فيما لم تُدرج بعد في الإعلان الرسمي التفاصيل التجارية والمالية للاتفاقيات التي وُقعت خلال الزيارة.
وتضع الأجندة الجديدة الجزائر أمام فرصة لرفع قيمة العلاقات الاقتصادية مع ألمانيا من مبادلات تقارب 3.5 مليار يورو إلى شراكة تقوم على الغاز والهيدروجين والتصنيع والتكنولوجيا. غير أن النتائج ستقاس بقيمة الاستثمارات التي تدخل مرحلة الإنجاز، وعدد الوحدات الصناعية المنشأة داخل الجزائر، ونسب الإدماج المحلي، والوظائف المستحدثة، وحجم التكنولوجيا المنقولة إلى المؤسسات الوطنية.











