بوابة الجزائر الإخبارية: أعاد الاتفاق على لقاء قريب بين الرئيس عبد المجيد تبون ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي ملف العلاقات الاقتصادية الجزائرية المصرية إلى الواجهة، لكن هذه المرة من زاوية أكثر دقة من مجرد اتساع التعاون السياسي، إذ تواجه الشراكة بين البلدين فجوة واضحة بين حجم الاستثمارات القائمة ومستوى التجارة الفعلية. ففي وقت يقترب فيه رصيد الاستثمارات المصرية في الجزائر من 5.7 مليارات دولار، لم تتجاوز المبادلات التجارية نحو مليار دولار خلال 2024، بينما حدد البلدان سقفًا مستهدفًا يبلغ 5 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة.

ويجعل هذا التفاوت اللقاء الرئاسي المرتقب محطة محتملة لإعادة ضبط الأولويات الاقتصادية بين الجزائر والقاهرة، خصوصًا أن المرحلة الماضية شهدت توقيع اتفاقات متعددة وفتح ملفات جديدة في الطاقة والصناعة والنقل والرقمنة، بينما يبقى التحدي الحقيقي في تحويل تلك التفاهمات إلى عقود واستثمارات وصادرات قابلة للقياس.
وجاء الاتفاق على اللقاء خلال مكالمة هاتفية تلقاها الرئيس تبون، الأربعاء، من الرئيس المصري، عبّر خلالها عبد الفتاح السيسي عن تعازي مصر وتضامنها مع الجزائر عقب الحرائق الأخيرة، قبل أن تتوسع المحادثات إلى العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.
وأكد الرئيسان، بحسب بيان لرئاسة الجمهورية، متانة العلاقات بين البلدين، كما ناقشا الأوضاع في فلسطين والشرق الأوسط والخليج والعالم العربي، إلى جانب الملف الليبي، وشددا على أهمية تغليب المسارات السلمية في التعامل مع الأزمات والنزاعات.
ولم تعلن الرئاسة موعد اللقاء أو مكان انعقاده، غير أن توقيته يكتسب أهمية اقتصادية بالنظر إلى أنه يأتي بعد أشهر من الدورة التاسعة للجنة العليا المشتركة الجزائرية المصرية، التي عقدت في القاهرة يومي 25 و26 نوفمبر 2025 وأسست لمرحلة جديدة من التعاون في قطاعات واسعة.
استثمارات بـ5.7 مليارات دولار.. وتجارة عند مليار فقط
تكشف الأرقام عن مفارقة أساسية في بنية العلاقة الاقتصادية بين البلدين. فبحسب بيانات مصرية رسمية، بلغ رصيد الاستثمارات المصرية في الجزائر نحو 5.7 مليارات دولار حتى نوفمبر 2025، موزعًا على أكثر من 62 مشروعًا تنشط في قطاعات الصناعة والاتصالات والطاقة والبناء والخدمات.
في المقابل، بقي حجم المبادلات التجارية في مستوى يقارب مليار دولار خلال 2024، رغم ارتفاعه مقارنة بعام 2023 الذي سجل نحو 872 مليون دولار.
وتعني هذه الأرقام أن الاستثمار المصري في الجزائر أصبح أكثر تقدمًا بكثير من حركة التجارة بين البلدين، وهو ما يطرح سؤالًا اقتصاديًا مباشرًا حول قدرة المشاريع القائمة على توليد تدفقات تجارية أكبر وخلق روابط إنتاجية تربط المصانع والأسواق وسلاسل التوريد في البلدين.
كما أن بلوغ الهدف المحدد عند 5 مليارات دولار لا يتطلب فقط زيادة الصادرات الحالية، بل يستوجب عمليًا إضافة نحو 4 مليارات دولار إلى قيمة المبادلات السنوية.
وبحساب بسيط، فإن التجارة الثنائية مطالبة بالتوسع بنحو خمسة أضعاف تقريبًا مقارنة بالمستوى الحالي، وهو معدل لا يمكن بلوغه من خلال التحسن الطبيعي في المبادلات وحده.
لهذا تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بإنشاء مشاريع جديدة، وفتح قنوات نقل أكثر كفاءة، وتوفير أدوات تمويل وضمان، إضافة إلى إدخال شركات القطاع الخاص بصورة أكبر في التجارة والاستثمار المتبادل.
من هدف سياسي إلى معادلة اقتصادية صعبة
كان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أعلن، عقب اجتماعات اللجنة العليا المشتركة في نوفمبر 2025، أن قيادتي البلدين وجهتا برفع حجم التجارة إلى 5 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة.
غير أن هذا الهدف يضع الحكومتين أمام معادلة مركبة، لأن مضاعفة التجارة بهذا الحجم تتطلب زيادة عدد المنتجات المتبادلة ورفع قيمة العقود وتوسيع قاعدة المصدرين والمستوردين.
كما تحتاج الشركات إلى أدوات مصرفية تسمح بتمويل الصفقات، وفتح الاعتمادات المستندية، وضمان الصادرات، وتقليص مخاطر التأخر في التسوية والتحصيل.
ويصبح تحسين انسيابية التحويلات البنكية وتبادل المعلومات حول الموردين والمشترين والفرص الاستثمارية عنصرًا حاسمًا، خصوصًا بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك قدرات مالية كبيرة لدخول أسواق خارجية.
وبالتالي، فإن بلوغ سقف 5 مليارات دولار يرتبط بصورة مباشرة بمدى قدرة البلدين على الانتقال من الاتفاقات العامة إلى بنية عملية تسهّل التجارة يوميًا.
خط الجزائر–الإسكندرية قد يغير معادلة النقل
يبرز مشروع فتح خط شحن بحري مباشر بين الجزائر والإسكندرية كواحد من أكثر الملفات ارتباطًا بتوسيع المبادلات.
فالخط المقترح لا يمثل مجرد خدمة نقل إضافية، بل يمكن أن يعالج واحدة من أبرز العقبات التي تواجه التجارة، وهي ارتفاع تكاليف اللوجستيك وطول آجال وصول المنتجات عند المرور بموانئ وسيطة أو اللجوء إلى عمليات إعادة الشحن.
وسيسمح الربط المباشر، في حال تشغيله بصورة منتظمة، بتقليص مدة النقل وتحسين انتظام حركة الصادرات بين البلدين، خاصة بالنسبة إلى السلع الغذائية والدوائية وبعض المنتجات الصناعية التي تتأثر بعامل الزمن.
غير أن الجدوى الاقتصادية لهذا المسار ستعتمد على عدة عناصر، بينها وتيرة الرحلات، وتوازن الحمولات بين الاتجاهين، ورسوم المناولة، وتوافر الحاويات، وخدمات التخزين والتبريد، إضافة إلى سرعة الإفراج الجمركي عن السلع.
كما أن ضمان استمرارية الخط يتطلب بناء قاعدة تجارية كافية تسمح بملء السفن في الاتجاهين، ما يفرض تنسيقًا وثيقًا بين المؤسسات الاقتصادية والمصدرين وشركات الشحن والموانئ.
وفي حال نجاح التجربة، يمكن للمسار أن يتحول لاحقًا إلى جزء من شبكة أوسع تربط المنتجين الجزائريين والمصريين بأسواق المتوسط وإفريقيا.

أين يمكن إيجاد الأربعة مليارات دولار الإضافية؟
تعطي خريطة القطاعات التي شملتها اتفاقات اللجنة العليا مؤشرًا واضحًا على المجالات التي يمكن أن تقود توسع المبادلات.
فالصناعات الدوائية تمثل أحد أكثر القطاعات قابلية للنمو، بالنظر إلى وجود قاعدة إنتاجية في البلدين وسوق استهلاكية واسعة وطلب متزايد على الأدوية والمستلزمات الطبية.
ويمكن للشراكة أن تتوسع من مجرد تجارة المنتجات النهائية إلى تسجيل الأدوية بصورة متبادلة، وتوطين تصنيع المواد الأولية، وإنشاء مشاريع مشتركة، وتسهيل دخول الشركات إلى السوقين.
كما تملك الصناعات الغذائية فرصًا كبيرة، لا سيما مع تنامي أهمية الأمن الغذائي واضطرابات الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد.
ويمكن أن يمتد التعاون إلى الحبوب والبذور والأسمدة والأعلاف والمنتجات الغذائية المصنعة، إضافة إلى تقنيات الري واستصلاح الأراضي والتخزين وسلاسل التبريد.
أما في الصناعة، فتظهر الأسمدة والبتروكيماويات ومواد البناء ضمن المجالات التي يمكن أن تدفع التكامل إلى مستوى أعلى، بالنظر إلى امتلاك الجزائر ومصر قواعد إنتاجية كبيرة وبنية طاقوية وموانئ وأسواق محلية واسعة.
150 مليون مستهلك يغيرون منطق الشراكة
لا تقتصر الجدوى الاقتصادية للتعاون على قيمة التجارة الثنائية فقط، إذ يمتلك البلدان مجتمعين سوقًا تتجاوز 150 مليون مستهلك.
وتمنح هذه القاعدة المشاريع المشتركة فرصة لتحقيق إنتاج على نطاق واسع، قبل التفكير في النفاذ إلى أسواق خارجية إضافية.
كما أن الجزائر ومصر عضوان في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية ومنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، ما يسمح للمشاريع التي تستوفي قواعد المنشأ بالوصول إلى أسواق أوسع.
ويفتح ذلك الباب أمام نموذج مختلف للشراكة يقوم على إنشاء منتجات مشتركة موجهة للتصدير نحو دول إفريقية وعربية، بدل الاكتفاء بتبادل السلع بين السوقين.
ويمكن لهذا النموذج أن يشمل الصناعات الغذائية والدوائية والأسمدة ومواد البناء والمعدات والخدمات الهندسية، بما يرفع حجم التجارة ويزيد القيمة المضافة المحلية.
الطاقة والهيدروجين يدخلان دائرة التكامل
يكتسب قطاع الطاقة أهمية خاصة ضمن خارطة التعاون الجديدة، بعدما اتفق البلدان على تطوير العمل المشترك في الانتقال الطاقوي والطاقات المتجددة.
ويتيح هذا المسار إمكانية التعاون في الكهرباء والطاقة الشمسية والهيدروجين والأمونيا منخفضة الكربون، إلى جانب تبادل الخبرات الصناعية والتقنية.
وتملك الجزائر ومصر موارد شمسية كبيرة وموقعًا جغرافيًا قريبًا من الأسواق الأوروبية، فضلًا عن بنية تحتية طاقوية تسمح بتطوير مشاريع ذات بعد إقليمي.
كما يمكن أن يشمل التعاون إنتاج بعض المعدات المرتبطة بالطاقة النظيفة أو تطوير مشاريع مشتركة موجهة إلى التصدير.
وفي حال نجح البلدان في بناء سلسلة قيمة متكاملة، قد ينتقل التعاون الطاقوي من تبادل الخبرات إلى استثمارات صناعية ذات مردود تجاري مباشر.
الرقمنة والذكاء الاصطناعي ضمن القطاعات الجديدة
لا تنحصر الشراكة المرتقبة في القطاعات التقليدية، إذ شملت تفاهمات اللجنة العليا مجالات الاتصالات والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وتفتح هذه القطاعات مجالًا أمام الشركات الناشئة ومؤسسات البرمجيات والخدمات الرقمية لتطوير حلول مشتركة، خصوصًا في مجالات المدفوعات الإلكترونية والخدمات الحكومية والبيانات والأمن السيبراني.
كما يمكن للتعاون في الاقتصاد الرقمي أن يخفف بعض القيود التي تواجه التجارة التقليدية، من خلال رقمنة الإجراءات وربط المؤسسات الاقتصادية وتسهيل تبادل البيانات التجارية والجمركية.
ويمثل التكوين المهني والبحث الزراعي والاعتماد الصناعي وحماية المستهلك والخدمة العمومية محاور أخرى تم إدراجها ضمن برامج التعاون، بما يؤشر إلى توجه نحو بناء إطار مؤسساتي أوسع للعلاقة الاقتصادية.
ليبيا تفتح نافذة اقتصادية ثالثة
يحمل تناول الملف الليبي خلال الاتصال بين الرئيسين بعدًا اقتصاديًا يتجاوز الجوانب السياسية والأمنية.
فالجزائر ومصر دولتان محوريتان في جوار ليبيا، وتمتلك شركاتهما خبرة في الأشغال العمومية والطاقة والبناء والخدمات.
وفي حال تحسن الوضع السياسي والأمني، قد تفتح السوق الليبية فرصًا واسعة أمام المؤسسات الجزائرية والمصرية في إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية.
كما أن تحسن الاستقرار في ليبيا من شأنه إعادة تنشيط الممرات البرية والتجارية وتعزيز الربط بين شمال إفريقيا وشرقها وغربها.
ومن هنا يمكن أن يتحول التنسيق الجزائري المصري في الملف الليبي إلى عامل اقتصادي إضافي يدعم الشركات في البلدين ويخلق فرصًا في سوق ثالثة.
اللقاء الرئاسي ينتقل من السياسة إلى مؤشرات التنفيذ
لا تزال تفاصيل اللقاء المنتظر بين تبون والسيسي غير معلنة، كما أن الاتصال الأخير لم يتضمن الكشف عن عقود أو استثمارات جديدة.
لكن القيمة الاقتصادية للموعد المرتقب ستتحدد أساسًا بما يمكن أن ينتج عنه من قرارات عملية.
وسيكون الإعلان عن موعد تشغيل الخط البحري، وتحديد مشاريع جديدة، وتسهيل آليات التمويل، وتوسيع الشراكة بين المؤسسات الخاصة، من أبرز المؤشرات التي يمكن مراقبتها بعد اللقاء.
كما ستبرز أهمية تحديد مسار واضح لرفع التجارة من مليار دولار إلى 5 مليارات، لأن الرقم المستهدف يظل بعيدًا ما لم تقترن به برامج زمنية ومشاريع وأسواق وتمويل.
وتملك الجزائر ومصر قاعدة اقتصادية تسمح نظريًا بتحقيق توسع كبير، لكن الأرقام الحالية تظهر أن حجم المبادلات لم يعكس بعد مستوى التقارب السياسي ولا وزن الاستثمارات القائمة.
ولهذا يبدو اللقاء المنتظر بين الرئيسين أقرب إلى اختبار لمدى قدرة البلدين على تحويل العلاقات الممتازة سياسيًا إلى شراكة اقتصادية ذات حجم يتناسب مع إمكاناتهما.
فبين رصيد استثماري مصري يبلغ 5.7 مليارات دولار في الجزائر، وتجارة تقارب مليار دولار، وهدف يصل إلى 5 مليارات دولار، أصبحت المرحلة المقبلة مرتبطة بمؤشر واحد واضح يتمثل في سرعة الانتقال من الاتفاقات إلى التدفقات الفعلية للسلع ورؤوس الأموال والمشاريع.














