بوابة الجزائر الإخبارية: 30 مليار دولار من الصادرات خارج المحروقات تستهدفها المؤسسات الجزائرية في أفق 2029-2030، ضمن تحول اقتصادي يقوم على توسيع الإنتاج الصناعي، وتقليص الواردات، ورفع صادرات السلع المصنعة والمنتجات البترولية المكررة، بالتوازي مع برنامج لتحلية مياه البحر يهدف إلى تغطية 62% من احتياجات البلاد من المياه الصالحة للشرب بحلول 2029.

وقال رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إن المؤسسات المنضوية تحت مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري التزمت ببلوغ صادرات غير نفطية تقارب 30 مليار دولار سنويًا، وهو مستوى من شأنه تقليص اعتماد الميزان التجاري على مداخيل النفط الخام والغاز، ورفع مساهمة الصناعة والفلاحة والمناجم والخدمات في تحصيل العملة الصعبة.
ويأتي الهدف بعد بلوغ الصادرات خارج المحروقات مستوى 7 مليارات دولار خلال السنوات الأخيرة، مقابل أقل من ملياري دولار قبل إطلاق سياسة تنويع الصادرات. كما سجلت هذه الصادرات نموًا بنسبة 16% خلال الربع الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بما يعكس استمرار التوسع في مبيعات المنتجات الصناعية والغذائية ومواد البناء والتجهيزات الكهربائية.
من 7 مليارات إلى 30 مليار دولار
يمثل هدف 30 مليار دولار انتقالًا من مرحلة رفع الصادرات تدريجيًا إلى بناء قاعدة إنتاج موجهة بصورة منتظمة إلى الأسواق الخارجية. وكان الرئيس تبون قد أكد في ماي 2026 ضرورة رفع الصادرات السنوية خارج المحروقات إلى ما بين 8 و9 مليارات دولار، قبل الوصول إلى الالتزام الذي حدده مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري لأفق 2030.
وتراهن الجزائر على توسيع قائمة السلع القابلة للتصدير، بعد دخول منتجات وطنية جديدة إلى السوق تشمل الأجهزة الكهرومنزلية، والتجهيزات الكهربائية، والكابلات، والمضخات الصناعية، والحديد والصلب، والمواد الغذائية، ومواد البناء ومنتجات الصناعات الكيميائية.
وأكد الرئيس تبون أن تنافسية عدد من الفروع الصناعية منحت دفعة قوية للصادرات خارج المحروقات، بعدما انتقلت مؤسسات جزائرية من تغطية الطلب المحلي إلى تسويق منتجاتها في إفريقيا وأوروبا ودول عربية.
وتدعم الأرقام الميدانية هذا المسار، إذ شهد ميناء مستغانم في جوان 2026 تحميل أكثر من 13 ألف طن من المنتجات خارج المحروقات في عملية واحدة، بينما أطلقت مؤسسات من سطيف وبرج بوعريريج وبسكرة وجيجل خلال أفريل عمليات تصدير لمنتجات مصنعة محليًا نحو عدة دول.

الصناعة بديل تدريجي للاستيراد
يرتبط توسيع الصادرات بسياسة إحلال الإنتاج الوطني محل السلع المستوردة. فقد أشار الرئيس تبون إلى أن الجزائر أصبحت تنتج طيفًا أوسع من السلع المصنعة، من التجهيزات الكهربائية والكهرومنزلية إلى مكونات تدخل في الصناعة والبناء والطاقة.
وتقوم المعادلة الاقتصادية الجديدة على تقليص استيراد المنتجات التي أصبح بالإمكان تصنيعها محليًا، ثم توجيه فائض الإنتاج نحو التصدير. ويتيح ذلك خفض الطلب على العملة الصعبة من جهة، وتوليد مداخيل جديدة بالنقد الأجنبي من جهة أخرى.
كما ترتبط القدرة على بلوغ 30 مليار دولار بتطوير الموانئ والمنصات اللوجستية والنقل البحري والبري ومرافق التخزين والتبريد. وقد شدد وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات كمال رزيق في جويلية 2026 على أن البنية اللوجستية تمثل أحد الأعمدة الأساسية لرفع الصادرات الجزائرية خارج المحروقات.
وتشمل أدوات الدعم تحمل صندوق ترقية الصادرات جزءًا من مصاريف النقل الدولي والمشاركة في المعارض الاقتصادية، بما يسمح للمؤسسات بتقليص كلفة دخول الأسواق البعيدة وتحسين قدرتها التنافسية.

من الاكتفاء بالوقود إلى تصدير البنزين والكيروسين
يمتد التحول إلى قطاع الطاقة، حيث انتقلت الجزائر من استيراد بعض أنواع الوقود إلى تغطية الطلب المحلي والاستعداد لتوسيع صادرات المنتجات المكررة ذات القيمة الأعلى.
وبحسب رئيس سلطة ضبط المحروقات، توقفت الجزائر عن استيراد الوقود منذ 2020، فيما أكد الرئيس تبون أن الاكتفاء الذاتي ترسخ منذ 2022، وأن البلاد بدأت تصدير البنزين والكيروسين.
وتستعد الجزائر لرفع هذه الصادرات مع دخول مشاريع جديدة حيز الخدمة، وفي مقدمتها مصفاة حاسي مسعود بطاقة معالجة تبلغ 5 ملايين طن سنويًا. ويهدف المشروع إلى زيادة إنتاج البنزين والمازوت والمواد المكررة، بما يغطي الطلب الداخلي ويوفر فائضًا منتظمًا للتصدير.
كما تنفذ سوناطراك مشاريع لرفع قدرات مصفاة أرزيو، بينها وحدة إصلاح حفزي سترفع إنتاج البنزين من 450 ألف طن إلى 1.2 مليون طن سنويًا، إلى جانب مركب إنتاج مادة «أم تي بي إي» المستخدمة في صناعة البنزين، بما يسمح بوقف استيرادها وتصدير الفائض مستقبلًا.
واعتمدت سوناطراك ضمن خطتها متوسطة المدى للفترة 2026-2030 برنامجًا لتطوير التكرير والبتروكيمياء والصناعات التحويلية، بهدف تغطية احتياجات السوق المحلية وتعزيز قدرات تصدير المنتجات النهائية بدل الاكتفاء بتسويق المواد الخام.
ويمنح تصدير البنزين والكيروسين والنافتا والمنتجات المكررة الجزائر عائدًا أعلى من بيع النفط الخام، كما يقلل تعرض الإيرادات لتقلبات أسعار مادة واحدة ويعزز اندماج سوناطراك في سلسلة القيمة الطاقوية.
ست محطات جديدة وتغطية مائية عند 62%
يتزامن المسار الصناعي مع توسيع برنامج الأمن المائي، بعد تراجع التساقطات وارتفاع الطلب على المياه في المدن والقطاعات الاقتصادية.
وتعتزم الجزائر إنجاز ست محطات كبيرة جديدة لتحلية مياه البحر، بطاقة 300 ألف متر مكعب يوميًا لكل محطة، في ولايات سكيكدة وجيجل وتيزي وزو والشلف ومستغانم وتلمسان. كما يجري إعداد ترتيبات لنقل المياه المنتجة إلى 18 ولاية.
وكان البرنامج السابق قد شمل خمس محطات بطاقة إجمالية تبلغ 1.5 مليون متر مكعب يوميًا في الطارف وبجاية وبومرداس وتيبازة ووهران. ورفع دخولها الخدمة عدد محطات التحلية إلى 19 محطة، والقدرة الوطنية من 2.2 مليون إلى 3.7 ملايين متر مكعب يوميًا، بما يعادل نحو 42% من الطلب الوطني على مياه الشرب.
ويستهدف البرنامج الجديد رفع مساهمة المياه المحلاة إلى 62% من الاستهلاك الوطني بحلول 2029، بما يقلل الاعتماد على السدود والمياه الجوفية ويحد من أثر مواسم الجفاف على الإمدادات المنزلية والصناعية. وأكد الرئيس تبون أن توسع التحلية سيضع الجزائر ضمن الدول الرائدة عالميًا في هذا المجال.

اقتصاد يقوم على الإنتاج والتصدير
تجمع هذه المشاريع بين أربعة محاور مترابطة تتمثل في زيادة الإنتاج الوطني، وتقليص الواردات، وتوسيع الصادرات، وتأمين الموارد الأساسية الضرورية للاستثمار والسكان.
فالانتقال إلى صادرات خارج المحروقات بقيمة 30 مليار دولار يتطلب إنتاجًا صناعيًا أكبر، وموانئ وخطوط نقل أكثر كفاءة، وتمويلًا مصرفيًا ملائمًا، وقدرة على احترام المواصفات الدولية وآجال التسليم.
كما أن توسيع تكرير النفط يرفع قيمة الصادرات الطاقوية، بينما يوفر برنامج التحلية موردًا مستقرًا للمياه يدعم المدن والمناطق الصناعية والاستثمارات الجديدة.
ووصف الرئيس تبون المسار الجاري بأنه قطيعة مع اقتصاد «الاستيراد من أجل الاستيراد»، مؤكدًا أن الجزائر خلال خمس سنوات ستكون مختلفة عن وضعها الحالي، مع توسع الصناعة والتكنولوجيا والمؤسسات الناشئة والصادرات. كما شدد في جويلية 2026 على أن الاقتصاد الجزائري دخل مرحلة جديدة من تنويع الإنتاج، تستدعي مراجعة علاقاته التجارية واتفاقياته الخارجية بما يحمي الصناعة الوطنية ويدعم نفاذها إلى الأسواق.
ويجعل بلوغ هدف 30 مليار دولار في 2029-2030 من الصادرات خارج المحروقات أحد أهم اختبارات التحول الاقتصادي الجزائري، إذ يرتبط النجاح بقدرة المؤسسات على الانتقال من تغطية السوق المحلية إلى الإنتاج المنتظم وفق الطلب الخارجي، وتحويل الاستثمارات الكبرى في الصناعة والطاقة والمياه والنقل إلى مداخيل دائمة وفرص عمل وقيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني



















