بوابة الجزائر الإخبارية: تكشف أرقام وزارة الزراعة الأمريكية لشهر جويلية 2026 تحولًا مهمًا في طريقة تعامل الجزائر مع سوق الصويا، بعد أن رفعت التوقعات الخاصة بواردات حبوب الصويا إلى 2.6 مليون طن خلال موسم 2026/2027، مقابل تقليص واردات كسب الصويا إلى 150 ألف طن فقط، في مؤشر يعكس صعود خيار التحويل المحلي بدل الاكتفاء باستيراد المنتجات الجاهزة.

ولا يتعلق الأمر بزيادة عادية في واردات مادة فلاحية، بل بتحول في بنية الاستيراد نفسها. فالجزائر، حسب التقرير، تتجه إلى إدخال كميات أكبر من الصويا الخام إلى المصانع، بما يسمح بإنتاج كسب الصويا وزيت الصويا محليًا، بدل دفع الفاتورة كاملة نحو الخارج لاقتناء الكسب الجاهز المستعمل أساسًا في صناعة الأعلاف.
استيراد الخام يمنح المصانع الجزائرية دورًا أوسع
عدّلت وزارة الزراعة الأمريكية توقعاتها لواردات الجزائر من حبوب الصويا في موسم 2026/2027 من 2.35 مليون طن إلى 2.6 مليون طن، أي بزيادة قدرها 250 ألف طن. وفي المقابل، خفضت توقعات واردات كسب الصويا من 575 ألف طن إلى 150 ألف طن، بتراجع يبلغ 425 ألف طن.
وتربط هذه المراجعة مباشرة بارتفاع عمليات سحق الصويا داخل الجزائر، ما يعني أن جزءًا أكبر من الطلب الوطني على مشتقات الصويا سيُلبّى عبر وحدات التحويل المحلية، لا عبر الاستيراد المباشر للمنتج المعالج.
ويمنح هذا المسار المصانع الجزائرية موقعًا أكبر في سلسلة القيمة، لأن استيراد الحبوب الخام يفتح المجال أمام نشاطات التخزين، النقل، السحق، التكرير، التوزيع وصناعة الأعلاف. كما يسمح بتحويل جزء من القيمة التي كانت تُدفع في الخارج إلى نشاط اقتصادي داخل السوق الوطنية.
ولا يظهر هذا التحول في موسم واحد فقط. فبالنسبة لموسم 2025/2026، رفع التقرير توقعات واردات الجزائر من حبوب الصويا من 2.05 مليون طن إلى 2.25 مليون طن، بزيادة 200 ألف طن، مقابل تقليص واردات كسب الصويا من 550 ألف طن إلى 150 ألف طن، أي بانخفاض قدره 400 ألف طن.
هذه الأرقام المتتالية تعطي الانطباع بأن الجزائر لا تتحرك بقرار ظرفي، بل ضمن اتجاه أوسع يقوم على تغذية الصناعة المحلية بالمادة الخام، وتخفيف الارتباط بالمنتجات المستوردة الجاهزة.
الأعلاف في قلب التحول الصناعي والغذائي
تكتسي مراجعات التقرير أهمية خاصة بالنسبة لسوق الأعلاف، لأن كسب الصويا يمثل أحد أهم المكونات المستعملة في تغذية الدواجن والمواشي. وكلما توسعت قدرات السحق داخل البلاد، زادت قدرة الجزائر على توفير جزء من هذه المادة عبر الإنتاج المحلي، بدل انتظار الكميات الجاهزة من الأسواق الدولية.
ويمتد أثر هذا التحول إلى عدة شعب غذائية، من بينها الدواجن، البيض، الحليب واللحوم، لأن كلفة الأعلاف تبقى عنصرًا حاسمًا في تحديد كلفة الإنتاج الحيواني. لذلك، فإن تقليص الاعتماد على كسب الصويا المستورد لا يحمل بعدًا تجاريًا فقط، بل يدخل ضمن معادلة أوسع ترتبط بضبط الإمدادات وحماية سلاسل الإنتاج.
كما يرصد التقرير مسارًا مختلفًا لواردات زيت الصويا، التي بلغت 490 ألف طن في موسم 2022/2023، ثم 485 ألف طن في موسم 2023/2024، قبل أن ترتفع إلى 564 ألف طن في موسم 2024/2025، مع توقع تراجعها إلى 450 ألف طن في موسم 2025/2026، واستقرارها عند المستوى نفسه في تقديرات موسم 2026/2027.
ويعني ذلك أن توسع سحق الصويا محليًا لا يقتصر على كسب الصويا فقط، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في توازنات سوق الزيوت النباتية، بحكم أن عملية التحويل تنتج في الوقت نفسه الكسب والزيت. ومع تطور قدرات المعالجة، يمكن للجزائر أن تعزز مرونتها في تسيير احتياجات السوق الوطنية من مشتقات الصويا.

الجزائر تقلل تعرضها لضغط السوق العالمية
يأتي هذا التوجه في وقت يعرف فيه سوق الصويا عالميًا طلبًا متزايدًا على كسب الصويا. فقد توقع تقرير وزارة الزراعة الأمريكية ارتفاع الطلب العالمي على واردات كسب الصويا بنسبة 4 في المائة في موسم 2026/2027، مدفوعًا بنمو الطلب في الاتحاد الأوروبي، إندونيسيا، فيتنام، المكسيك وتايلند، بالتزامن مع توقع بلوغ صادرات البرازيل من كسب الصويا مستوى قياسيًا عند 26.9 مليون طن.
ضمن هذا السياق، يكتسب الخيار الجزائري دلالة أوضح. فخفض واردات كسب الصويا في مرحلة يرتفع فيها الطلب العالمي على هذا المنتج يمنح الجزائر هامشًا أفضل في مواجهة تقلبات الأسعار، ويخفف ارتباطها المباشر بسوق المنتجات المعالجة.
وفي المقابل، يسمح رفع واردات حبوب الصويا الخام بتوجيه الكميات نحو الصناعة المحلية، حيث يمكن التحكم بشكل أفضل في مسار التحويل والتوزيع، وربط الاستيراد باحتياجات المصانع وشعب الإنتاج الحيواني.
وتكشف الأرقام أن الجزائر لا تنسحب من سوق الصويا، بل تغير موقعها داخله. فهي تنتقل من مستورد أكبر للمنتج المعالج إلى مستورد أكبر للمادة الأولية، بما يضع المصانع الوطنية في قلب العملية الاقتصادية.
هذا التحول يخدم توجهًا أوسع نحو الاستثمار المنتج، لأنه يعزز الطلب على التجهيزات الصناعية، قدرات التخزين، النقل، اليد العاملة، وخدمات التوزيع، كما يمنح الصناعات الغذائية والأعلاف مساحة أوسع داخل الاقتصاد الوطني.
كما ينسجم المسار مع هدف تقليص استيراد القيمة المضافة الجاهزة، وتعويضها تدريجيًا بتحويل محلي يخلق نشاطًا داخل البلاد. فكل طن من الصويا الخام يدخل إلى المصانع الجزائرية لا يمثل مجرد واردات إضافية، بل مدخلًا لصناعة محلية تنتج الكسب والزيت وتغذي قطاعات أخرى مرتبطة بالأمن الغذائي.
وبذلك، تقدم أرقام تقرير جويلية 2026 صورة أكثر إيجابية عن موقع الجزائر في سوق الصويا. فارتفاع واردات الحبوب الخام إلى 2.6 مليون طن، مقابل تثبيت واردات كسب الصويا عند 150 ألف طن، يعكس انتقالًا من الاستيراد الجاهز إلى التصنيع المحلي، ومن شراء المنتج النهائي إلى بناء قيمة مضافة داخلية.
وتظهر الجزائر، وفق هذه المعطيات، كبلد يعيد تنظيم وارداته بطريقة تخدم الصناعة والأمن الغذائي معًا، عبر توجيه الصويا نحو المصانع، تقليص الاعتماد على الكسب المستورد، وتوسيع دور الصناعات التحويلية في سلاسل الأعلاف والزيوت والإنتاج الحيواني

















