بوابة الجزائر الإخبارية: تفتح الجزائر خلال أكتوبر 2026 جولة جديدة من الاتفاقيات الاقتصادية مع إسبانيا، يتقدمها الغاز إلى جانب قطاعات أخرى، في وقت تتحرك فيه لإعادة صياغة علاقتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي على أساس أكثر توازنًا، مستندة إلى موقعها بوصفها موردًا رئيسيًا للطاقة إلى إيطاليا وإسبانيا وفرنسا.
وكشف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، خلال لقائه الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية، أن إيطاليا تتصدر الدول الأوروبية المستوردة للغاز الجزائري، تليها إسبانيا ثم فرنسا، التي تستقبل سنويًا نحو 7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، فضلًا عن كمية تتراوح بين 14 و18 مليون برميل من النفط.
وتمنح هذه التدفقات الجزائر شبكة مصالح مستقرة داخل أوروبا، تمتد من أنابيب الغاز نحو إيطاليا وإسبانيا إلى الشحنات البحرية المتجهة نحو فرنسا، بما يجعل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي مرتبطة بأمن الإمدادات والطاقة والاستثمار، إلى جانب المبادلات التجارية التقليدية.
الجزائر تطلب توازنًا أوروبيًا عبر البوابة الإسبانية
تحمل الاتفاقيات المقررة في أكتوبر بعدًا يتجاوز زيادة المبادلات الثنائية، إذ طلب الرئيس تبون من الجانب الإسباني المساهمة في بناء مقاربة أكثر انفتاحًا وتوازنًا تجاه الجزائر داخل الاتحاد الأوروبي.
وتنطلق المقاربة الجزائرية من أن الاتحاد يضم 27 دولة، لكل واحدة منها علاقاتها ومصالحها الاقتصادية، ما يستوجب التعامل مع الشراكة الجزائرية–الأوروبية ضمن إطار جماعي لا يخضع للخلافات السياسية مع دولة واحدة.
وأكد تبون أن طرفًا منفردًا لا ينبغي أن يؤثر في مجمل العلاقات بين الجزائر وأوروبا أو يشوش عليها. كما اعتبر أن التطورات المسجلة جعلت مراجعة اتفاق الشراكة ضرورة اقتصادية، بهدف الوصول إلى توزيع أفضل للمصالح والالتزامات.
وتراهن الجزائر على إسبانيا ضمن هذا التحرك بسبب موقعها داخل الاتحاد الأوروبي وارتباطها المباشر بمنظومة الطاقة الجزائرية، فضلًا عن القرب الجغرافي وكثافة العلاقات التجارية بين ضفتي المتوسط.
كما تستطيع مدريد دعم مقاربة تربط أمن الطاقة الأوروبي بزيادة الاستثمار الصناعي في الجزائر، وتحسين دخول المنتجات الجزائرية إلى السوق الموحدة، وتوسيع الشراكات في الطاقات المتجددة والنقل والزراعة والتكنولوجيا.
اتفاق 2005 أمام اختبار اقتصادي جديد
دخل اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ في سبتمبر 2005، وأسّس لتحرير تدريجي للمبادلات وإطار للتعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري.
غير أن السلطات الجزائرية ترى أن التطبيق أفرز نتائج غير متوازنة، مع توسع صادرات الاتحاد نحو الجزائر مقابل محدودية تدفق الاستثمارات الأوروبية المنتجة، وضعف نقل التكنولوجيا، واستمرار تركّز الصادرات الجزائرية في المحروقات والمواد الأولية.
وخلال أكثر من عقدين، تغيرت أولويات الاقتصاد الجزائري مع إطلاق مشروعات للحديد والصلب والفوسفات والأسمدة والصناعات الصيدلانية والميكانيكية والطاقات المتجددة. وتحتاج هذه الأنشطة إلى شروط تجارية تسمح لها بالتوسع والوصول إلى الأسواق قبل مواجهة المنافسة الأوروبية الكاملة.
وعليه، تستهدف المراجعة تحديث قواعد الاتفاق وربط الامتيازات التجارية بالاستثمار والتصنيع والتكوين ونقل المعرفة. كما تسعى الجزائر إلى ضمان مساحة تنظيمية تحمي المشروعات الناشئة وتدعم الإدماج الوطني من دون إغلاق السوق أمام المؤسسات الأوروبية.
ويؤكد استمرار تدفقات الغاز والنفط، إلى جانب التحضير لاتفاقيات جديدة مع مدريد، أن مراجعة الشراكة لا تستهدف تقليص العلاقات الاقتصادية، بل إعادة بنائها بما يتلاءم مع التحولات التي عرفها الاقتصاد الجزائري منذ 2005.
عودة مدريد تنهي مرحلة الفتور
قال الرئيس تبون إن العلاقات بين الجزائر وإسبانيا تجاوزت مرحلة سوء الفهم، بعد مبادرة كل طرف باتخاذ خطوة نحو الآخر، لتعود الاتصالات السياسية والاقتصادية إلى طبيعتها.
وتحمل هذه العودة أهمية خاصة لأن إسبانيا ثاني أكبر وجهة أوروبية للغاز الجزائري وفق الترتيب الذي قدمه الرئيس. كما ترتبط السوق الإسبانية مباشرة بحقول الغاز الجزائرية عبر خط «ميدغاز» الممتد من بني صاف إلى ألمرية.
وتقدر قدرة الأنبوب بنحو 10.5 مليارات متر مكعب سنويًا، بينما تملك سوناطراك حصة مسيطرة تبلغ 51% من الشركة المشرفة عليه. وتستقبل شركة «ناتورجي» قرابة 5 مليارات متر مكعب سنويًا بموجب ترتيبات توريد طويلة الأجل.
وخلال أول شهرين من 2026، غطى الغاز الجزائري أكثر من 29% من الواردات الإسبانية، وفق بيانات أوردتها رويترز، ما يثبت استمرار ثقله في السوق رغم المنافسة المتزايدة من شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الولايات المتحدة ودول أخرى.
وسبقت إعلان تبون محادثات جزائرية–إسبانية في مارس 2026 تناولت احتمال رفع التدفقات عبر «ميدغاز» بنسبة تصل إلى 10%. وتسمح القدرات المتاحة بإضافة نحو مليار متر مكعب سنويًا، غير أن تفاصيل اتفاقيات أكتوبر لم تنشر بعد، ما يمنع الجزم بإدراج هذه الزيادة ضمن الحزمة المرتقبة. رويترز
وقد تشمل التفاهمات الجديدة تمديد عقود قائمة أو تعديل كمياتها وشروطها، إلى جانب اتفاقات في قطاعات اقتصادية أخرى. وسيُعرف نطاقها عند الإعلان عن المؤسسات الموقعة والقيم المالية ومدد التنفيذ.
إيطاليا تبني أكبر محور للغاز الجزائري
تحتل إيطاليا المرتبة الأولى أوروبيًا ضمن خريطة صادرات الغاز الجزائري، اعتمادًا على خط «ترانسميد» الذي ينقل الإمدادات من حاسي الرمل عبر الأراضي التونسية والبحر المتوسط وصولًا إلى صقلية وشمال إيطاليا.
وقدرت الإمدادات الجزائرية إلى السوق الإيطالية خلال 2025 بنحو 20 مليار متر مكعب، ما يعادل قرابة 30% من استهلاك إيطاليا السنوي، وفق بيانات نشرتها رويترز في مارس 2026. رويترز
وتمنح هذه الكميات الجزائر موقعًا متقدمًا ضمن خطة روما لتنويع مصادر الطاقة. كما توفر لإيطاليا إمدادات تصل بالأنابيب وتتميز بقصر المسافة مقارنة بشحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من أسواق بعيدة.
ويتوسع التعاون بين سوناطراك و«إيني» إلى الاستكشاف والإنتاج وتطوير المكامن البحرية والغاز غير التقليدي، بالتوازي مع مشروعات الكهرباء والهيدروجين منخفض الانبعاثات.
كما تمثل إيطاليا حلقة العبور الرئيسية لمشروع «ممر الهيدروجين الجنوبي»، الذي يستهدف نقل الهيدروجين المنتج في الجزائر نحو النمسا وألمانيا. وبذلك تجمع العلاقة بين البلدين الغاز الحالي والطاقة النظيفة المنتظرة والاستثمارات الصناعية المصاحبة لها.
7 مليارات متر مكعب تثبت استمرار المصالح مع فرنسا
تأتي فرنسا ثالثة ضمن قائمة مستوردي الغاز الجزائري في أوروبا، وفق الترتيب الذي عرضه الرئيس تبون، مع حجم سنوي يقدر بنحو 7 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال.
وتعادل هذه الكمية متوسطًا يوميًا يناهز 19.2 مليون متر مكعب، وتصل إلى الموانئ الفرنسية عبر ناقلات الغاز انطلاقًا من منشآت الإسالة الجزائرية في أرزيو وسكيكدة.
كما تستورد فرنسا سنويًا ما بين 14 و18 مليون برميل من النفط الجزائري، وهو ما يعادل متوسطًا يتراوح بين 38 ألفًا و49 ألف برميل يوميًا.
وقال تبون إن هذه الأرقام تؤكد أن المصالح الاقتصادية مستمرة وتسير بصورة طبيعية، حتى خلال فترات الاختلاف السياسي. كما تظهر أن المبادلات الطاقوية تحتفظ بطابعها التعاقدي والتجاري رغم التقلبات الدبلوماسية.
ولم يحدد الرئيس السنة المرجعية لهذه الكميات أو أسماء الشركات المستوردة، ما يجعلها تقديرًا لمتوسط التدفقات السنوية الموجهة إلى السوق الفرنسية، وليست حصيلة تفصيلية لسنة تجارية محددة.
ثلاثة مسارات لنقل الطاقة إلى أوروبا
تعتمد صادرات الجزائر إلى أوروبا على بنية متنوعة تقلل الارتباط بمنفذ واحد. فخط «ترانسميد» يخدم إيطاليا، ويصل «ميدغاز» مباشرة إلى إسبانيا، بينما تنقل السفن الغاز المسال والنفط نحو فرنسا وأسواق أخرى.
وتمنح هذه الشبكة سوناطراك مرونة في توزيع الإنتاج وفق العقود والطلب والأسعار وتوافر قدرات الإسالة والنقل. كما تسمح للجزائر بتطوير علاقات متوازية مع أكبر اقتصادات جنوب وغرب أوروبا.
وفي المرحلة المقبلة، ستضاف ألمانيا بصورة أوسع إلى هذه الخريطة، بعد توقيع عقد بين سوناطراك و«في إن جي» لزيادة إمدادات الغاز إلى السوق الألمانية ابتداءً من جانفي 2027، بالتزامن مع تطوير مشروعات الهيدروجين والطاقة الشمسية.
وتتحول الجزائر بذلك إلى منصة طاقة متعددة المنتجات، تجمع الغاز المنقول بالأنابيب والغاز المسال والنفط، مع التحضير للكهرباء المتجددة والهيدروجين الأخضر.
أكتوبر يحدد مضمون الشراكة الجديدة
ستوفر اتفاقيات أكتوبر أول قياس فعلي لعودة العلاقات الجزائرية–الإسبانية، خصوصًا إذا تضمنت زيادة التدفقات الغازية أو استثمارات في الإنتاج والبنية التحتية والصناعة.
كما سيحدد مضمون الاتفاقيات مدى استعداد مدريد للتحول من مشترٍ للطاقة إلى شريك اقتصادي يدعم التصنيع ونقل التكنولوجيا والدخول المتبادل إلى الأسواق.
وفي المقابل، يمثل موقف إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي اختبارًا لقدرة الجزائر على توسيع دائرة الدول الداعمة لمراجعة متوازنة لاتفاق الشراكة، بعيدًا عن تأثير الخلافات الثنائية مع أي طرف.
وبذلك، تجمع الخطة الجزائرية بين توسيع سوق الغاز، وترميم العلاقة مع مدريد، وحماية مصالحها التجارية داخل الاتحاد الأوروبي. وسيكون نجاحها مرتبطًا بالعقود التي ستوقع في أكتوبر، وبمدى انتقال مراجعة اتفاق الشراكة من الموقف السياسي إلى مفاوضات اقتصادية تحدد التزامات الطرفين للمرحلة المقبلة.


