وضعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة“ الفاو FAO” الجزائر ضمن موسم زراعي استثنائي في 2026، بعد أن توقعت أن يبلغ إنتاج الحبوب نحو 5 ملايين طن. أي حوالي 30 بالمائة فوق المتوسط، في أكبر محصول منذ سنة 2019. كما يكشف تحديث نظام المعلومات والإنذار المبكر“GIEWS”، الصادر أمس، أن تحسن الأمطار منذ ديسمبر 2025. وارتفاع مستويات السدود أعادا رسم توقعات الموسم. خصوصا في مناطق الإنتاج الرئيسية في الشمال الشرقي، على رأسها قسنطينة وسكيكدة.

وتكمن أهمية التحديث الذي رصدته بوابة الجزائر في أنه يمنح مؤشرا إيجابيا لصالح الجزائر في ملف الأمن الغذائي. بعد موسم اتسم في بدايته بتأخر الزراعة وضعف النمو الأولي للمحاصيل في بعض المناطق الغربية بسبب الجفاف. غير أن FAO تؤكد أن كميات الأمطار الوفيرة ابتداء من ديسمبر 2025 سمحت بتعافي المحاصيل عبر البلاد. فيما استفادت ولايات الشمال الشرقي من أمطار فوق المتوسط بين جانفي وأفريل 2026. وهي فترة حاسمة في تحديد مردودية القمح والشعير.
وحسب الجدول المرفق بتحديث فاو، يرتقب أن يرتفع إجمالي إنتاج الحبوب في الجزائر من 4.248 ملايين طن في 2025 إلى 4.902 ملايين طن في 2026. أي بزيادة 15.4 بالمائة على أساس سنوي. ويمثل هذا الرقم قفزة واضحة مقارنة بمتوسط الفترة 2021-2025، المقدر بـ3.767 ملايين طن. ما يعني أن محصول 2026 يتجاوز متوسط السنوات الخمس بنحو 1.135 مليون طن. وتترجم هذه الأرقام أثر تحسن الظروف المناخية على الإنتاج المحلي، خصوصا بعد ارتفاع مخزون المياه في السدود. بما دعم الري خلال مراحل النمو التناسلي للمحاصيل.
3.5 ملايين طن في 2026
وتظهر التفاصيل أن القمح يبقى قلب المعادلة الزراعية، إذ تتوقع FAO أن يبلغ إنتاجه 3.5 ملايين طن في 2026. مقابل 3 ملايين طن في 2025، بزيادة 16.7 بالمائة. كما يرتقب أن يصل إنتاج الشعير إلى 1.3 مليون طن، مقابل 1.15 مليون طن في 2025، بارتفاع 13 بالمائة. أما الشوفان فيتوقع أن يبلغ 88 ألف طن، مقابل 86 ألف طن في السنة السابقة، بزيادة 2.3 بالمائة، بينما يرتقب أن ترتفع فئة الحبوب الأخرى من 12 ألف طن إلى 14 ألف طن. وهذه المؤشرات تجعل موسم 2026 من أقوى المواسم المسجلة خلال السنوات الأخيرة. خصوصا أنه يأتي بعد فترات تذبذب مناخي ضغطت على الإنتاج في عدة حملات سابقة.
واللافت في قراءة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة” الفاو”. أن تحسن الإنتاج المحلي لا يلغي استمرار الحاجة إلى الاستيراد، لكنه يعيد ترتيب تركيبة الضغط. فقد قدرت المنظمة احتياجات الجزائر من واردات الحبوب خلال الموسم التسويقي 2026/2027. الممتد من جويلية إلى جوان، بنحو 14.5 مليون طن، وهو مستوى قريب من المتوسط. ومن بين هذه الكمية، يتوقع أن تبلغ واردات القمح 8.5 ملايين طن، أي أقل قليلا من المتوسط. بما يعكس أثر المحصول المحلي فوق المتوسط في تخفيف جزء من الطلب الخارجي.
في المقابل، تكشف واردات الذرة عن التحدي الهيكلي الأبرز. فحسب المعطيات، ينتظر أن تبلغ احتياجات الجزائر من واردات الذرة 5 ملايين طن خلال موسم 2026/2027، أي حوالي 10 بالمائة فوق متوسط خمس سنوات، مدفوعة أساسا بالطلب المتزايد على الأعلاف في قطاع تربية المواشي. وبذلك، تتحول المفارقة من سؤال القمح وحده إلى سؤال أوسع يتعلق بسلاسل الأعلاف والدواجن والحليب واللحوم، لأن الذرة لم تعد رقما ثانويا في فاتورة الحبوب، بل أحد مفاتيح استقرار أسعار المنتجات الحيوانية.

الذرة ثالث أكبر سلعة مستوردة
وتتقاطع هذه الخلاصة مع تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية حول سوق الحبوب والأعلاف في الجزائر. فقد أشار تقرير “USDA FAS” إلى أن واردات الذرة الجزائرية أصبحت في السنوات الأخيرة ثالث أكبر سلعة مستوردة بعد القمح والسيارات، وأنها بلغت 5 ملايين طن في 2020، ثم تراجعت إلى ما بين 3 و4 ملايين طن، قبل أن تعود إلى قرابة 5.2 ملايين طن في موسم 2023/2024. كما أوضح التقرير أن معظم الذرة المزروعة محليا في الجزائر تُستهلك كسيلاج لمزارع الحليب، لا كحبوب جافة، وهو ما يفسر استمرار الحاجة إلى استيراد الذرة الحبية لصناعة الأعلاف.
كما تبرز هنا نقطة مهمة لصالح الجزائر: ضغط الذرة ليس نتيجة غياب سياسة إنتاجية، بل يرتبط بمرحلة انتقالية في بناء سلسلة محلية للأعلاف. فالتقرير الأمريكي نفسه أشار إلى أن الجزائر جعلت زراعة الذرة الحبية أولوية، وخصصت أكثر من 200 ألف هكتار في ولايات الجنوب لزراعة الذرة إلى غاية 2028، مع رفع سعر شراء الذرة إلى 5 آلاف دينار للقنطار، مقابل 4500 دينار سابقا. وهذه المعطيات تعني أن الدولة تحاول نقل جزء من واردات الأعلاف إلى إنتاج محلي تدريجي، غير أن نتائج هذا التحول تحتاج إلى وقت، خصوصا مع الفجوة بين الذرة الخضراء الموجهة للسيلاج والذرة الحبية الموجهة للصناعة.
هذا ويوضح تقرير USDA أن الطلب القادم من صناعة الدواجن سيبقى عاملا أساسيا في دعم واردات الذرة وفول الصويا، متوقعا استمرار واردات الذرة في نطاق 4 إلى 5 ملايين طن سنويا بسبب احتياجات هذه الصناعة. وهذه القراءة تساعد على فهم أرقام FAO: الجزائر تحقق موسما قويا في القمح والشعير، لكنها تواصل مواجهة ضغط في مدخلات الأعلاف المرتبطة بتربية الدواجن والمواشي، وهي قطاعات تمس مباشرة الأمن الغذائي اليومي للمستهلك.
مكسبا إنتاجيا واضحا
كما تأتي هذه المؤشرات ضمن اتجاه عالمي أوسع ترصده تقارير “OECD-FAO Agricultural Outlook”. فالنسخة الجديدة 2026-2035، التي قدمتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وFAO نهاية جوان 2026، توفر تقييما لآفاق الإنتاج والاستهلاك والمخزونات والتجارة والأسعار للسلع الزراعية، بما فيها الحبوب، خلال العقد المقبل. كما يبرز التقرير أن ارتفاع الدخل والتحضر يزيدان الطلب على الأغذية ذات المصدر الحيواني في الدول متوسطة الدخل، وهو ما ينعكس عادة على الطلب على الأعلاف، ومن بينها الذرة والحبوب الخشنة.
وعلى مستوى الأسعار الداخلية، لا يقدم تحديث الفاو صورة زراعية فقط، بل يرصد أيضا تطور تضخم الغذاء. فقد بلغ التضخم الغذائي السنوي في الجزائر نحو 2.2 بالمائة في أفريل 2026، بينما سجلت الجزائر العاصمة ارتفاعا في أسعار الغذاء بنسبة 1.7 بالمائة على أساس سنوي. وتوضح المنظمة أن الارتفاع جاء أساسا من أسعار الفواكه والخضروات الطازجة التي زادت بأكثر من 20 بالمائة، في حين تراجعت أسعار البطاطا بنسبة 35 بالمائة. ويعني ذلك أن التضخم الغذائي العام بقي محدودا نسبيا، رغم وجود ضغط واضح في المنتجات الطازجة، وهو ما يعكس أهمية التحكم في سلاسل التوزيع والتخزين وليس الإنتاج فقط.

وتسمح هذه المعطيات ببناء قراءة اقتصادية دقيقة لصالح الجزائر. أولا، محصول 2026 يمثل مكسبا إنتاجيا واضحا، لأنه يرفع حجم الحبوب إلى أعلى مستوى منذ 2019، ويؤكد قدرة القطاع الزراعي على التعافي السريع عندما تتحسن الظروف المطرية ومخزون المياه. ثانيا، تراجع احتياجات استيراد القمح إلى 8.5 ملايين طن، أي أقل قليلا من المتوسط، يعكس أثر الإنتاج المحلي في تخفيف الضغط على الاستيراد. ثالثا، استمرار واردات الذرة عند 5 ملايين طن يكشف المجال الذي يجب أن تركز عليه السياسة الزراعية المقبلة: الأعلاف، الذرة الحبية، وتغذية المواشي والدواجن.
رؤية مبكرة حول الموسم
ومن الزاوية الاستراتيجية، لا ينبغي قراءة واردات 14.5 مليون طن باعتبارها فشلا في الموسم، لأن FAO نفسها تصنفها عند مستوى قريب من المتوسط، رغم الزيادة القوية في الإنتاج المحلي. الأهم أن تركيبة الواردات تتغير: القمح يتراجع نسبيا بفعل الإنتاج المحلي، بينما تبقى الذرة مرتبطة بتوسع الطلب على المنتجات الحيوانية. وهذا التحول يمنح الجزائر فرصة لتوجيه السياسات الزراعية من هدف رفع إنتاج القمح فقط إلى بناء منظومة أعلاف وطنية تخفف الارتباط بالأسواق الخارجية.
كما تكشف أرقام FAO أن الأمن الغذائي لم يعد يقاس بإنتاج القمح وحده، بل بقدرة البلد على التحكم في ثلاث حلقات مترابطة: إنتاج الحبوب، تغذية المواشي، وأسعار الغذاء للمستهلك. وفي حالة الجزائر، يمنح محصول 2026 نقطة قوة واضحة في الحلقة الأولى، بينما تشير واردات الذرة إلى أن الحلقة الثانية تحتاج إلى تسريع برامج الزراعة العلفية والذرة الحبية في الجنوب، وتوسيع التخزين والتحويل، وربط الإنتاج الزراعي بحاجات الدواجن والحليب واللحوم.
وتبرز أهمية هذا التقرير أيضا من حيث التوقيت. فهو يصدر قبل اكتمال الحصاد، لكنه يعتمد على مؤشرات مناخية وإنتاجية قوية: بداية الحصاد في منتصف جوان، توقع نهايته منتصف أوت، أمطار فوق المتوسط في مناطق الإنتاج، وارتفاع مستويات السدود. وهذا يمنح المتعاملين العموميين والخواص رؤية مبكرة حول الموسم، سواء في ما يتعلق بتسيير المخزون، برمجة الاستيراد، أو ضبط احتياجات الأعلاف خلال الموسم التسويقي الجديد.















