بوابة الجزائر الاخبارية : أكد رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين، منيب أوبيري، في تصريح لـ“بوابة الجزائر”، أن الفلاحة الجبلية تمثل أحد أهم الروافد الاستراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي في الجزائر، غير أنها لا تزال دون مستوى الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها المناطق الجبلية، داعيا إلى تبني رؤية تنموية متكاملة تحول هذه المؤهلات إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

وأوضح أوبيري أن الجزائر تمتلك مساحات واسعة من السلاسل الجبلية تتميز بتنوع مناخي وبيئي يسمح بإنتاج الأشجار المثمرة، والزيتون، والتين، والكروم، والعسل، والنباتات الطبية والعطرية، إلى جانب تربية المواشي واستغلال المنتجات الغابية، غير أن مساهمة الفلاحة الجبلية في تحقيق الأمن الغذائي ما تزال محدودة بسبب جملة من التحديات، ابرزها ضعف البنية التحتية، وصعوبة الوصول إلى المستثمرات الفلاحية، وتشتت الملكيات، ونقص الموارد المائية، ومحدودية المكننة، وضعف الصناعات التحويلية، فضلا عن المخاطر المتزايدة الناجمة عن حرائق الغابات والتغيرات المناخية.
وشدد رئيس الاتحاد على أن تطوير الفلاحة الجبلية لا ينبغي أن يقتصر على رفع مستويات الإنتاج، بل يجب أن يكون مشروعا وطنيا متكاملا يربط بين الإنتاج الزراعي، وحماية الغابات، وتثمين المنتجات المحلية، والسياحة الريفية، والصناعات التحويلية، بما يسهم في خلق فرص عمل لفائدة سكان المناطق الجبلية.

وأضاف أن الجزائر لا تعاني من نقص في الموارد الطبيعية بالمناطق الجبلية، وإنما تحتاج إلى رؤية تنموية أكثر تكاملا لتحويل ما تزخر به هذه المناطق من أراض خصبة، وغابات، وموارد مائية، وتنوع بيولوجي، ومنتجات محلية عالية الجودة إلى ثروة اقتصادية مستدامة، من خلال توجيه الاستثمارات واعتماد سياسات تنموية أكثر فعالية.
ولتحقيق هذا الهدف، دعا أوبيري إلى فك العزلة عن المناطق الجبلية، وتحسين البنية التحتية، وتطوير شبكات الري، وتشجيع الاستثمار في الزراعات الجبلية والمنتجات المحلية، وإنشاء صناعات تحويلية ومراكز للتخزين والتسويق، إلى جانب تمكين الشباب والمؤسسات الناشئة من التمويل والمرافقة التقنية.
كما أبرز أهمية تعزيز دور المهندس الزراعي والبحث العلمي في نقل التكنولوجيا والابتكار إلى الميدان، مع اعتماد حلول حديثة تعتمد على الفلاحة الذكية، والطاقات المتجددة، والرقمنة، بما يساهم في رفع مردودية الإنتاج والمحافظة على الموارد الطبيعية.
وفي السياق ذاته، أكد أن تنمية المناطق الجبلية لا يمكن أن تتحقق دون جعل حماية الغابات والوقاية من الحرائق جزءا أساسيا من السياسة التنموية، باعتبار أن الغابة تمثل رصيدا اقتصاديا وبيئيا واستراتيجيا، وأن الحفاظ عليها يعد ضمانة لاستدامة الفلاحة الجبلية والاقتصاد الريفي.

وفي حديثه عن الاقتصاد الريفي، اعتبر رئيس الاتحاد أنه يمثل أحد أهم البدائل الاستراتيجية لتنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على المحروقات، إذا ما تم استثماره وفق رؤية تنموية شاملة ومستدامة، موضحا أن التنمية الريفية لا تقتصر على النشاط الزراعي، وإنما تشمل الصناعات الغذائية والتحويلية، وتثمين المنتجات المحلية، والسياحة الريفية والبيئية، واستغلال الموارد الغابية، وتربية المواشي، والصناعات التقليدية، والخدمات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
وأكد أن الجزائر تمتلك من المقومات ما يؤهل المناطق الريفية والجبلية لتكون محركات حقيقية للنمو الاقتصادي، عبر تشجيع إنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز الاستثمار المحلي، ورفع القيمة المضافة للمنتجات الفلاحية، بما يساهم في توفير مناصب الشغل، والحد من البطالة والنزوح الريفي، وتعزيز الصادرات خارج قطاع المحروقات.
وأضاف أن تحقيق هذا التحول يقتضي تحسين مناخ الاستثمار في المناطق الريفية، وتطوير البنية التحتية، وتسهيل الحصول على التمويل، وتعزيز البحث العلمي والإرشاد الزراعي، ودعم الابتكار والرقمنة، وربط الإنتاج بالتصنيع والتسويق وسلاسل القيمة.
وفي معرض حديثه عن آفاق تطوير الفلاحة الجبلية، أوضح أوبيري أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التدخلات الظرفية إلى سياسة وطنية متكاملة تجعل من المناطق الجبلية رافعة للتنمية الاقتصادية والأمن الغذائي.
واقترح، في هذا الإطار، إطلاق برنامج وطني للفلاحة الجبلية والاقتصاد الريفي يحدد الأولويات والأهداف ومؤشرات الأداء، إلى جانب إنشاء مرصد وطني للفلاحة الجبلية يتولى جمع البيانات، ومتابعة المؤشرات، واقتراح الحلول العلمية لمواجهة مختلف التحديات.
كما دعا إلى الاستثمار في البنية التحتية عبر فك العزلة وتحسين المسالك الريفية وتوسيع شبكات الري، ودعم البحث العلمي والابتكار الزراعي، وتعزيز دور المهندس الزراعي، وتطوير المكننة الملائمة للمناطق الجبلية، فضلا عن تشجيع الصناعات التحويلية، وتثمين المنتجات المحلية، وإنشاء علامات جودة ومؤشرات جغرافية محمية لرفع القيمة المضافة وتعزيز فرص التصدير.

وأكد كذلك أهمية تمكين الشباب والمرأة الريفية من إنشاء مؤسسات ناشئة وتعاونيات إنتاجية، مع تسهيل التمويل والتكوين والمرافقة، وتعميم استخدام الطاقات المتجددة والرقمنة والفلاحة الذكية، واعتماد برنامج وطني متكامل للوقاية من حرائق الغابات وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، إلى جانب تطوير السياحة الريفية والبيئية وربطها بالمنتجات المحلية والتراث الثقافي، وتعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية والجامعات ومراكز البحث والمهنيين والمجتمع المدني لضمان تنفيذ مشاريع تنموية متكاملة.
واختتم رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين تصريحه بالتأكيد على أن نجاح هذه التوصيات من شأنه أن يحول الفلاحة الجبلية من نشاط محدود الإمكانات إلى قطاع اقتصادي استراتيجي، يسهم في تحقيق الأمن الغذائي، وتنويع الاقتصاد الوطني، وخلق الثروة ومناصب الشغل، وتعزيز التنمية الإقليمية المتوازنة، بما ينسجم مع رؤية الجزائر لبناء اقتصاد منتج ومستدام.




























