من مؤسسة تدير اللعبة إلى هيئة تغرق في الأزمات و منظومة مثقلة بالشكوك
بوابة الجزائر الاخبارية: شهد الاتحاد الدولي لكرة القدم ” الفيفا ” تحولات عميقة عبر تاريخه الممتد منذ تأسيسه في 21 ماي 1904، غير أن المرحلة الحالية بقيادة جياني إنفانتينو تعتبر من أكثر المراحل فسادًا وتواطؤًا، وأشدها انزلاقًا نحو فقدان الثقة، في ظل ما يوصف بتراجع كبير في صورة المؤسسة من هيئة تدير اللعبة عالميا إلى منظومة تحكمها الأزمات وتثقلها الشكوك.
على مدى عقود، استطاعت الفيفا أن توازن بين إدارة كرة القدم عالميا وبين الحفاظ على صورة مؤسساتية تبقيها بعيدة عن الاتهامات المباشرة، حتى عندما كانت الشكوك تحوم حول بعض الممارسات الداخلية.

فقد ظلّت قادرة على “احتواء” الجدل وتقديمه للرأي العام بوصفه مجرد ادعاءات أو مبالغات، بما في ذلك خلال فترة جوزيف بلاتر، الذي واجه احتجاجات فاضحة عام 2015 في زيورخ بسويسرا ، حين أُثيرت اتهامات تتعلق بنظام الرشاوى داخل الاتحاد، في مشهد رمزي عرف بإلقاء الدولارات عليه، لكنه لم يسقط بالكامل صورة المؤسسة لدى جمهور كرة القدم.

لكن هذا التوازن، وفق هذا التصور، بدأ يتآكل مع المرحلة الجديدة، خصوصا بعد قرار استبعاد روسيا من مونديال 2022 على خلفية الحرب في أوكرانيا، وهو القرار الذي اعتبر نقطة تحول في مسار الفيفا، حيث بدا أن المؤسسة دخلت مرحلة جديدة أكثر تداخلا مع السياسة، وأقل قدرة على الحفاظ على حيادها التقليدي، ما مهّد لعهد ” الفيفا المافيوي” بدل ما كان يوصف سابقا بـ“الفساد المحسوب”.
من إدارة اللعبة إلى اهتزاز اللوائح والقرارات
في مقارنة تاريخية لافتة، يستحضر ما حدث في مونديال إسبانيا 1982، عندما أعيد ترتيب مباراة بين النمسا وألمانيا بطريقة أثارت جدلا واسعا ومنعت منتخب الجزائر من التأهل إلى الدور الثاني، في مثال يُقدَّم كدليل على أن الفيفا كانت، رغم كل شيء، تتحرك داخل إطار يحاول الحفاظ على توازنات اللعبة ولو بشكل مثير للجدل.
أما اليوم، فالمشهد مختلف تماما، حيث تترك بعض المنتخبات والوفود في مواجهة قرارات قاسية دون حماية كافية.

حكام يطردون من أجواء كأس العالم، مثل الحكم الصومالي، وفرق تجبر على خوض تدريبات دون جمهور، في نظام يفترض أنه يخضع لسلطة الفيفا، إلى جانب حالات تتعلق بحرمان أنصار فرق من التأشيرات والتذاكر، كما حدث مع جماهير إيرانية، دون ردود فعل واضحة أو بيانات تفسيرية من الاتحاد الدولي.
أزمات تتجاوز المستطيل الأخضر
تتوسع دائرة الانتقادات لتشمل ما ينظر إليه كعجز في التعامل مع أزمات تنظيمية وسياسية داخل البطولات القارية.

فخلال كأس إفريقيا الأخيرة في المغرب، برزت توترات حادة رافقت التنظيم، وسط اتهامات بتداخل مصالح أطراف مختلفة، من بينها الكاف والفيفا، في إدارة مشهد معقد ، بلغ حد تحركات سياسية وعسكرية في السنغال على خلفية ما اعتبر محاولة لفرض مسارات معينة على البطولة، إضافة إلى وفاة مراسل سنغالي في المغرب في ظروف وصفت بالغامضة، عقب تقارير تحدثت عن سوء التنظيم، دون توضيحات رسمية من الفيفا، ما زاد من حجم الغموض المحيط بالحادثة.

كما تطرح مسألة منع الجزائر من تنظيم كأس إفريقيا رغم جاهزيتها ، باعتبارها مثالا آخر على قرارات أثارت تساؤلات واسعة حول معايير الاختيار والتوازن داخل المنظومة الكروية الإفريقية.
وفي ظل هذه التراكمات، ينظر إلى ما يحدث اليوم داخل الفيفا على أنه انعكاس لمسار طويل من التحولات التي مست جوهر اللعبة، فالمؤسسة التي كانت تقدم نفسها كحكم عالمي لكرة القدم، باتت في أزمات متشابكة، تتداخل فيها السياسة بالرياضة، وتضعف فيها مبادئ الحياد والعدالة الرياضية.





























