بوابة الجزائر الإخبارية: تتجه أنظار العالم الكاثوليكي إلى مدينة عنابة الجزائرية ومع بدء العد العكسي للزيارة التاريخية للبابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر بدعوة رسمية من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون,ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالحديث عن علاقة بابا الفاتيكان بالقديس سانت أوغستين المولود بطاغاست بولاية سوق أهراس شرق البلاد فمالقصة؟
أجندة بابا الفاتيكان في جولته الأفريقية الممتدة من 13 إلى 23 أفريل، تشمل 12 مدينة عبر كل من الجزائر والكاميرون وأنغولا وغينيا الإستوائية وسيتوجه البابا ليو الرابع عشر والوفد المرافق له يوم 14 أفريل الجاري إلى أقصى الشرق الجزائري، حيث سيزور الموقع الأثري الشهير هيبون بمدينة عنابة أين شغل القديس سانت أوغستين، منصب أسقف المدينة في القرنين الرابع والخامس.
ماعلاقة البابا ليو الرابع عشر بالقديس سانت أوغستين
في أول خطاب له عقب تنصيبه على رأس الكنيسة الكاتوليكية قال البابا ليو الرابع عشر إنه “إبن القديس أوغستين” بسبب ارتباطه به روحيا وفكريا وانتمائه إلى الرهبنة الأوغسطينية، التي تستلهم تعاليم أوغسطين، مما يجعل سوق أهراس رمزًا مهمًا في مسيرته الروحية.
من هو سانت أوغستين
تعتبر شخصية القديس أوغسطين (354-430 م) إرث فكري وثقافي نابض بالمنطقة التي أنجبت عدة أعلام في الفكر والفلسفة والدين وسائر ضروب الإبداع.
يشير دارسون إلى مزاوجة شخصية “القديس أوغسطين” بين الفلسفة والدين والبلاغة وما جاءت به كتاباته من رؤى فلسفية، وما حفلت به أفكاره عن الزمن والخلود، وهي كلها عوامل جعلته “أحد حلقات الموروث الفكري والثقافي لمنطقة طاغست وأحد أعلام الفكر والفلسفة والدين”.
وُلد القديس أوغسطين بسوق أهراس، مثله مثل أبوليوس المادوري صاحب رواية “الحمار الذهبي” وشهاب الدين التيفاشي وغيرهم من أعلام منطقة سوق أهراس.
واستنادا للدكتورة ويزة قلاز الأستاذة الباحثة بالمركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ بالجزائر العاصمة، فإنّ “عائلة أوغسطين كانت من البرجوازية المحلية، ووالده باتريسبوس كان ضابطا في الجيش وتمنى أن يرى ابنه في مقام مهم في الإدارة الإمبراطورية، فيما كانت والدته مونيك امرأة تقية وحازمة متمسكة بتقاليد التربية الأمازيغية، وكانت تتمنى أن يسير ابنها على خطاها الدينية”.
كنيسة القديس أوغستين:
شيدت هذه الكنيسة على تلة هيبون وهي مؤلفة من عدة أجنحة من بينها دير ودار للمسنين ومكتبة جاءت فكرة بنائها بمبادرة الاسقف ” Dupuch “ الذي رأى إمكانية إرجاع الإشعاع الديني المسيحي للمنطقة الذي عرفته خلال فترة “القديس أوغستين”. وتعتبر هذه الكنيسة تكريما لذاكرة “أوغستين” الذي كان أسقف هيبون من 395 إلى غاية وفاته عام 430 ميلادية. و قد بني أواخر القرن 19. أما هندستها المعمارية فهي مزيج بين الطابعين العربي الإسلامي والروماني البيزنطي. وقد رممت مؤخرا في الفترة مابين 2010 و 2013 . ويمتد مسار هذا المسلك ليشمل ولايتي قالمة وسوق أهراس وهذا عبر المناطق التي نشط بها القديس أوغستين قبل أن يستقر في هيبون.
ويعتبر أوغسطينوس من أهم المراجع الأفلاطونية المعترف بها عالميًا ومن أهم أفكاره أنّ “الله يوجد فوق كل البشر وفي أعماقهم، كما كان يتحدث عن الذاكرة والذكاء والإرادة والبداية والامتنان لله وهو يؤكد على القدرة التي يمنحها العقل للاقتراب من حقيقة الأشياء”.
قلاز التي تعد أيضا باحثة وخبيرة في التراث لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، ذكرت أنّ سانت أوغسطين من مؤسسي الأفلاطونية المحدثة التي منها جاءت فكرة “مدينة الله” وقد كان متمكنا من اللاتينية ونوعا ما من اللغة اليونانية, مبرزة أن أوغسطين وفكره يدرس بأكبر جامعات العالم كألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية خاصة وهناك كراسي مخصصة لفكره.

من جهته، أوضح الأستاذ ياسين خذايرية باحث بجامعة سوق أهراس بأنّ أوغسطين يعدّ “من أكبر الفلاسفة الذين عرفتهم الإنسانية، حيث كان أسقفا لهيبون لمدة 34 عامًا كما كانت تلك الشخصية تفيد العالم بمحاضراتها وخطبها البليغة أدبيًا ودينيًا”.
وأضاف الأستاذ خذايرية أنّ أوغسطين ألّف عدة كتب أشهرها “الاعترافات” و”مدينة الله” وينتمي إلى العصر الذهبي لآباء الكنيسة, مشيرا إلى أنّ تلك الشخصية تلقت تعليمها بمدرسة طاغست، حيث كانت آنذاك برامج التعليم تشمل مواد متنوعة مثل اللغة اليونانية واللاتينية والعلوم الطبيعية والرياضيات والموسيقى.
ويبقى على المهتمين بفكر أوغسطين الذي ترجمت أعماله إلى عشرات اللغات، الاطلاع والاستفادة من تراثه الفكري والأدبي والفلسفي, حسب الأستاذ خذايرية الذي أضاف بأن تلك الشخصية تناولت عدة مواضيع منها أهمية القيم والتعايش السلمي والتسامح والدفاع عن الحرية والعدالة والكرامة.
وأبدع أوغسطين في مجال الحب والمحبة بين البشرية, حيث “كان كلامه عن المحبة جدير بأن يناقش ويحلل لأنه عنصر تلاقٍ بين تعاليم المسيح ابن مريم وتعاليم محمد عليه الصلاة والسلام”.
بدوره، اعتبر عميد كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة سوق أهراس، رضا سلاطنية، أوغسطين (فيلسوفا مسيحيا عاش في العصور الوسطى وكان تأثير وجهات نظره بالغًا على الثقافة الغربية حيث دافع بقوة على مذهبه حول اعتماد الإنسان بصفة جذرية على النعمة الإلهية وهي قناعة تم الإفصاح عنها بالفعل في “الاعترافات”.































