بوابة الجزائر الاخبارية : يواصل المخزن، عند كل إخفاق يواجهه، الهروب من مواجهة أسبابه الحقيقية، فيسارع إلى استدعاء “الجزائر” كورقة جاهزة لتبرير أزماته وإخفاقاته. وبدلا من مصارحة الرأي العام بالوقائع، يختار إعلامه الموالي نسج رواية متكررة عنوانها الدائم: تحميل الجزائر مسؤولية كل انتكاسة.
ويتجدد هذا الأسلوب عقب أحداث العبور إلى مدينة سبتة الإسبانية، حيث سارع الإعلام المخزني إلى توظيف تقرير إسباني بصورة انتقائية، في محاولة لإقحام الجزائر في أزمة لم يثبت التقرير نفسه مسؤوليتها عنها، متجاهلا ما تضمنه من معطيات تنفي وجود أي إدانة رسمية أو قضائية للدولة الجزائرية.
فالتقرير الإسباني، الذي أعده المحلل المتخصص في الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي تشيما خيل، لم يتهم الدولة الجزائرية، ولم يتحدث عن تورط مؤسساتها، ولم يقدم أي دليل يربط الجزائر رسميا بأحداث سبتة.
ومع ذلك، اختارت وسائل إعلام مغربية القفز مباشرة إلى استنتاجات سياسية لا وجود لها في التقرير، في محاولة مكشوفة لتوجيه الأنظار بعيدا عن الأسباب الحقيقية التي دفعت مئات الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم من أجل الوصول إلى الأراضي الإسبانية.
التقرير أشار بوضوح إلى نشاط رقمي شاركت فيه حسابات من عدة دول ، كما رصد حسابات مرتبطة بأرقام تبدأ بالمفتاح الدولي الجزائري (+213). لكن تحويل مجرد مفتاح هاتفي إلى “دليل إدانة” لدولة كاملة لا يعدو أن يكون قراءة انتقائية تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية والمنطق.

ولو كان ظهور أرقام تبدأ بـ(+213) دليلا على تورط الجزائر، فهل يعني وجود حسابات من المغرب أو فرنسا أو الولايات المتحدة أن هذه الدول جميعها تقف وراء الأحداث؟ المنطق نفسه ينسف الرواية التي يحاول الإعلام المخزني فرضها، ويكشف أن الهدف ليس البحث عن الحقيقة، بل صناعة عدو خارجي كلما واجهت الرباط أزمة داخلية.
والأكثر دلالة أن التقرير نفسه يؤكد صراحة أنه لا توجد أحكام قضائية تثبت مسؤولية أي أشخاص أو جهات محددة عن إدارة الحملة الرقمية، كما لا توجد مواقف رسمية تؤكد تلك الاستنتاجات، غير أن هذه الفقرة الجوهرية اختفت تماما من العناوين المغربية، لأنها ببساطة لا تخدم الرواية التي جرى إعدادها مسبقا.
إن ما شهدته سبتة ليس حدثا معزولا، بل يأتي في سياق أزمة متكررة تتعلق بالهجرة غير النظامية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب منذ سنوات. وبدلا من فتح نقاش جاد حول أسباب هذه الظاهرة، اختار الإعلام المخزني العودة إلى شماعة الجزائر، في محاولة لتصدير الإخفاقات الداخلية وإعادة إنتاج خطاب يقوم على الإثارة أكثر مما يقوم على الوقائع.
مرة أخرى، يسقط الإعلام المخزني في فخ المبالغة والتوظيف السياسي، فيحول وثيقة تحليلية إلى مادة دعائية، بينما تبقى الحقيقة واضحة: لا التقرير أدان الجزائر، ولا الوقائع تثبت ما حاولت بعض المنابر المغربية تسويقه، وكل ما حدث هو محاولة جديدة للهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمة، عبر تصديرها إلى الخارج وإقحام الجزائر في ملف لا علاقة لها به.







