محمد قنديل – مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: بحسب التحقيق الإستقصائي الدولي الذي نسقته منظمة Forbidden Stories بمشاركة 14 مؤسسة إعلامية، بينها هآرتس والغارديان ولو موند، وبدعم تقني من مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية، الذي نشر بتاريخ يومه الخميس 16 جويلية 2026، إذ كشفت شهادات ووثائق جديدة عن تفاصيل إستخدام أدوات تجسس إسرائيلية داخل المنظومة الأمنية المغربية، وعن شبكة واسعة من التقنيات والشركات التي شكلت منظومة مراقبة رقمية عابرة للحدود.

لم يعد ممكناً النظر إلى قضية ( بيغاسوس ) بإعتبارها مجرد فضيحة تقنية إنتهت بإنتهاء العاصفة الإعلامية التي رافقتها قبل سنوات؛ فالتحقيق الإستقصائي الدولي الجديد، والذي شاركت فيه صحيفة هآرتس الإسرائيلية إلى جانب شبكة Forbidden Stories وعدد من كبريات المؤسسات الإعلامية، يكشف أن ما ظهر سابقاً لم يكن سوى جزء صغير من منظومة أكبر، أكثر تعقيداً وأكثر خطورة، قوامها شراكة إستخباراتية عميقة بين أجهزة عصابة المخزن المغربية وشركات التجسس الإسرائيلية.
لا يتعلق الأمر، بحسب الوثائق والشهادات التي نشرها التحقيق، بعملية شراء برنامج تجسس وانتهى الأمر، فنحن أمام تعاون متعدد المستويات، يبدأ من نقل التكنولوجيا، ويمر عبر التدريب والتشغيل والدعم التقني، وينتهي ببناء منظومة متكاملة للمراقبة الرقمية تضم عدداً من أكبر شركات الأمن السيبراني الهجومي في الكيان الصهيوني، وهذا وحده كافٍ لفهم أن القضية لم تعد مسألة تجارية، وإنما خيار سياسي وأمني طويل الأمد.
الأخطر أن نتائج هذا التعاون لم تبق محصورة داخل الحدود المغربية، فالتحقيق يربط هذه المنظومة بأزمة دبلوماسية غير مسبوقة مع فرنسا، بعدما ظهرت مؤشرات على إستهداف هواتف الرئيس إيمانويل ماكرون وعدد من كبار المسؤولين الفرنسيين، كما يعيد التذكير بإستهداف هواتف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وعدد من وزرائه خلال ذروة الأزمة المغربية الإسبانية. صحيح أن التحقيقات الرسمية لم تثبت إختراق جميع الأجهزة المستهدفة، لكن مجرد وجود هذه الأسماء ضمن قوائم الإستهداف كان كافياً لإحداث زلزال سياسي بين الرباط وباريس ومدريد، ثم بين باريس وتل أبيب نفسها.

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من الوقائع نفسها.. ماذا يعني أن تتحول أجهزة ما تسمي نفسها بالدولة إلى منصة تشغيل لأكثر تقنيات التجسس الإسرائيلية تطوراً؟
الجواب لا يقتصر على الأمن، بل يمتد إلى السياسة والإقتصاد والدبلوماسية، فمن يقترب من دوائر القرار في المغرب لا يقترب من دولة عادية تستخدم وسائل مراقبة تقليدية، بل من جهاز يمتلك 《 وفق ما نشره التحقيق 》 ترسانة رقمية قادرة على الوصول إلى الهواتف والبيانات والإتصالات، مدعومة بخبرات إسرائيلية متخصصة.
ولا يعني ذلك أن كل مسؤول أو رجل أعمال أو صحفي أو فنان أو رياضي تعامل مع المغرب تعرض تلقائياً للتجسس؛ فمثل هذا الإدعاء يحتاج إلى أدلة خاصة بكل حالة، لكن المؤكد أن البيئة التي يكشفها التحقيق تجعل هذا الإحتمال مطروحاً، وتفرض على كل من تربطه علاقات حساسة بالمغرب أن يتعامل مع أمنه الرقمي بأقصى درجات الحذر.
لقد أصبحت الهواتف المحمولة خزائن للأسرار السياسية والإقتصادية والشخصية، ومن يمتلك القدرة على فتحها لا يحصل فقط على الرسائل والصور، بل يحصل على شبكات العلاقات، ومصادر المعلومات، ومسارات التفاوض، وموازين القوة، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول قضية ( بيغاسوس ) إلى أزمة سيادية بالنسبة لفرنسا وإسبانيا، لا إلى مجرد خلاف قانوني مع شركة خاصة.
أما داخل المغرب، فإن الصورة أكثر قتامة، حيث أن منظمات حقوقية دولية وثقت منذ سنوات، إستهداف صحفيين مستقلين ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان ببرامج التجسس، ويضيف التحقيق الجديد معطيات تشير إلى إستخدام أدوات إسرائيلية أخرى لإستخراج محتويات الهواتف المصادرة، وهو ما يعني أن الرقابة لم تعد تقتصر على الإختراق عن بُعد، بل تشمل أيضاً السيطرة الكاملة على الأجهزة التي تقع في قبضة السلطات.
ولا تقف هذه المنظومة عند ( حدود المهلكة )، فالمعارضون المغاربة المقيمون في أوروبا وأمريكا الشمالية يظلون، بحكم نشاطهم السياسي والحقوقي، ضمن الفئات التي أثارت تقارير حقوقية دولية مخاوف بشأن تعرضها للمراقبة الرقمية، وإذا كان هاتف مسؤول أوروبي أو رئيس حكومة يمكن أن يتحول إلى هدف محتمل، فمن باب أولى أن يشعر النشطاء والصحفيون والمعارضون بالقلق على أمنهم الرقمي وإتصالاتهم.
التحقيق يكشف كذلك جانباً آخر لا يقل خطورة، وهو أن تصدير التكنولوجيا الهجومية الإسرائيلية يبدو، في حالات عديدة، مرتبطاً بعلاقات سياسية وإستراتيجية أوسع، فكلما توسعت شبكة الدول المعتمدة على هذه الأنظمة، إزداد نفوذ الصهاينة الإستخباراتي، وأصبحت هذه التكنولوجيا جزءاً من أدوات السياسة الخارجية، لا مجرد سلعة في السوق.
ولذلك فإن القضية تتجاوز بكثير إسم ( بيغاسوس )… إنها تتعلق بولادة نموذج جديد من السلطة، حيث تصبح المعلومة أهم من الدبابة، والهاتف المحمول أخطر من الوثيقة الورقية، والإختراق الرقمي أكثر فاعلية من عمليات التجسس التقليدية.
إن ما كشفه هذا التحقيق ينبغي أن يدفع الحكومات الأوروبية والأفريقية، والمؤسسات الدولية، والشركات الكبرى، والمنظمات الحقوقية، وكل شخصية عامة تقيم علاقات مع أجهزة المخزن المغربية، إلى إعادة تقييم منظوماتها الأمنية الرقمية، ليس إنطلاقاً من الشائعات، بل إستناداً إلى وقائع وشهادات ووثائق باتت منشورة أمام الرأي العام.
لقد تغير المشهد بالكامل؛ ولم يعد السؤال.. هل توجد منظومة مراقبة متقدمة؟ فهذا ما تؤكده الوثائق المنشورة، بل السؤال الحقيقي هو.. كم من الملفات السياسية والإقتصادية والحقوقية مرت عبر هذه المنظومة؟ وكم من القرارات والمفاوضات والعلاقات الشخصية كانت الهواتف الذكية نافذتها المفتوحة؟
ذلك هو أخطر ما في هذا التحقيق، فهو لا يكشف فضيحة عابرة، بل يكشف نموذجاً كاملاً لإدارة النفوذ عبر التكنولوجيا، ويضع كل من يقترب من دوائر السلطة في المغرب أمام سؤال لا يمكن تجاهله.. من يراقب الهاتف الذي تحمله في جيبك؟
























