تقرير برلماني يفضح فشل المخزن في أبسط التزاماتها تجاه الموتى والأحياء على حد سواء
بوابة الجزائر الاخبارية: في بلد يتبجح مسؤولوه بـ”المشاريع الكبرى” و”الرؤية الاستراتيجية”، يكشف تقرير برلماني مغربي عن وجه آخر مخزٍ لدولة تترك مواطنيها حتى في الموت فريسة للإهمال الممنهج. لم يكن تقرير “المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول وضعية الطب الشرعي”، الذي ناقشته لجنة العدل بمجلس النواب المغربي ، مجرد وثيقة إدارية، بل كان إدانة قاسية لمنظومة حكم فاشلة تتعامل مع العدالة الجنائية وحقوق الإنسان كملحق ثانوي في جدول أولويات “المخزن”.

الأرقام تتحدث.. والدولة تتجاهل
ليست الصورة التي رسمها التقرير مجرد صعوبات أو تحديات بل هي كارثة حقيقية، 30 طبيبا شرعيا فقط في عموم التراب المغربي يواجهون 14,830 أمراً بالتشريح سنويا، ما يعني أن كل طبيب يتحمل عبء ما يقارب 500 جثة في السنة، أي أكثر من جثة يوميا.
هذا ليس ضغطا مهنيا عاديا، بل استنزاف بشري يدفع بالمنظومة للاستعانة بأطباء عامين غير مؤهلين، ما يعني بلا مواربة تلاعبا بمصائر البشر وتحويل العدالة إلى مسرحية هزلية، لكن الأفدح من ذلك أن 10 دوائر قضائية كاملة لا يتوفر فيها طبيب شرعي واحد، في دولة تتغنى بـ”الدولة المؤسساتية” و”الحكامة الجيدة”. الأمر الذي يستدعي نقل جثة مواطن مغربي لمسافات طويلة في ظروف مهينة، تاركة عائلته بين فكي كماشة: الألم على فقدان ابنهم، والذل في انتظار “الدولة” أن تتكرم بالنظر في سبب موته.

100 درهم .. ثمن كرامة الميت في عهد المخزن
هنا يتجلى العبث بأبشع صوره، وفق إفادة هشام ملاطي، مدير الشؤون الجنائية بوزارة العدل المغربية، فإن أتعاب الطبيب الشرعي تبدو وكأنها سخرية سوداء:فحص حي: 30 درهماً (ثمن وجبة شاورما)فحص جثة: 50 درهماً (ثمن وجبتين) ، أما تشريح كامل: 100 درهماً (ثمن وجبة عائلية في مطعم متوسط)هذه الأرقام ليست “هزيلة” فحسب، بل هي إهانة موصوفة لمهنة استراتيجية تتوسط بين الحياة والموت، بين العدالة والظلم.
الأحياء ضحايا أيضا.. و”بروتوكول إسطنبول” مجرد حبر على ورق
لم يقتصر التقرير على فضائح الموتى، بل كشف عن انتهاكات جسيمة بحق الأحياء، فمئات حالات التعذيب وسوء المعاملة، وآلاف فحوصات العنف خاصة ضد النساء تُعالج في ظل بنية تحتية متهالكة وغياب تام للاستقلالية المهنية للطبيب الشرعي.
وهنا يبرز السؤال المحوري: كيف يمكن لطبيب يتقاضى 30 درهماً عن الفحص، ويعمل تحت ضغط السلطة القضائية والأمنية، أن يصدر تقريرا نزيها في قضية تعذيب؟ الجواب الذاتي: لا يمكن. وهذا ما يجعل التزامات المغرب بـ”بروتوكول إسطنبول” الذي وقعته الرباط بكل فخر مجرد وثيقة أرشيفية لا قيمة عملية لها.

مستودعات الأموات .. قبور قبل القبور
كشفت الزيارات الميدانية للبرلمانيين عن “تفاوت مجالي صارخ” وهو تعبير دبلوماسي يخفي حقيقة مروعة، حيث تفتقر مستودعات أموات لأدنى شروط الكرامة الإنسانية، لا تجهيزات بيولوجية، لا مخابر، لا أدوات تصوير إشعاعي حديثة.
جثث تُحفظ في ظروف تنتهك حتى “حقوق الموتى” وهو مفهوم يعترف به القانون الدولي لكن يتجاهله “المخزن” ببراءة.
تعدد الوزارات.. وتشتت المسؤولية
عزا التقرير التدهور إلى “تعدد المتدخلين” بين وزارات العدل والصحة والداخلية والتعليم العالي ورئاسة النيابة العامة، لا أحد مسؤول، وبالتالي الجميع غير مسؤولين. هذه “الحكامة المشتركة” التي يتغنى بها النظام هي في الحقيقة آلية لتشتيت المسؤولية وضمان الإفلات من العقاب.
و من جهة أخرى لفت التقرير أنه رصد “عزوفاً تاماً” للأطباء الشباب عن التخصص، لأن بيئة العمل “طاردة ومحفوفة بالمخاطر”، ولأن التعويضات “الهزيلة” تجعل من الطبيب الشرعي في أحسن الأحوال موظفا فقيراً، وفي أسوأها أداة بيد السلطة.
كما أشار أن الكليات أصبحت عاجزة عن استقطاب جيل جديد، والمتقاعدون يغادرون دون بديل، والنتيجة قطاع في طريقه للانقراض، والضحية في النهاية ليست المهنة، بل المواطن المغربي الذي يحرم من حقه في محاكمة عادلة.



