مقال رأي بقلم محمد قنديل: مدون، ناشط حقوقي وسياسي مغربي مستقل

ملاحظة: الأراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن الخط التحريري لبوابة الجزائر
لم تكن إحتجاجات الشباب المغربي خلال الأسابيع الماضية سوى مرآة مأزومة تعكس عمق الإنسداد السياسي والإجتماعي الذي يرزح تحته البلد منذ عقود.. ما حدث لم يكن ثورة ولا إنتفاضة ولا حراكاً مكتمل المعنى، بل كان إنفجاراً عابراً سرعان ما أُخمد قبل أن يشتعل فعلياً، ليس فقط بفعل القبضة الأمنية للمخزن، بل أيضاً بفعل غياب الوعي الإستراتيجي لدى فئة واسعة من المحتجين أنفسهم.
في الوقت الذي شهدت فيه دول مثل بنغلاديش؛ مدغشقر؛ النيبال؛ الفلبين وبوركينا فاسو موجات إحتجاج شبابية متصاعدة وممتدة زمنياً، قادرة على فرض نفسها كقوة ضغط سياسية وإجتماعية، تعثرت التجربة المغربية في المهد، فبدل أن تتحول الشرارة الأولى إلى نار شاملة، إنطفأت بسرعة تحت مزيج من القمع الرسمي والإرتباك الشعبي، وتيه شبابي بين الحماسة اللحظية وانعدام التنظيم.

هنا تتجلى المفارقة الكبرى.. نظام شديد التحكم يواجه شعباً مكسور الموقع، منقسم الإرادة، ومفتقد لآليات الفعل الجماعي.
الحصيلة وحدها كافية لفضح حجم المأساة.. أكثر من 12 ألف معتقل، قتلى لم يُعلن عن عددهم بدقة، عشرات الجرحى والإصابات، وإنتهاكات موثقة في حق القاصرين والطلبة والناشطين، في أي بلد آخر، كانت مثل هذه الحصيلة ستتحول إلى مادة تعبوية شرسة، وتغذية ذاتية لإستمرار الإحتجاج وتعاظمه، لكن ما حدث في المغرب كان العكس تماماً، حيث تراجع الكثيرون، إنكمش البقية، ساد الخوف، وارتفعت نبرة اليأس أكثر من نبرة التحدي، وكأن الدماء المراقة والإعتقالات الجماعية تحولت إلى كابح بدل أن تكون محركاً.

الفرعون المعلول، كعادته تجاهل كل شيء، لا خطاب إعتراف بالأزمة، لا مبادرة سياسية أو إصلاحية، لا حتى محاولة شكلية لإمتصاص الغضب، هنا الصمت الملكي لم يكن حياداً بل إزدراءً سياسياً واضحاً، يُفهم منه أن المؤسسة الملكية لا ترى الشعب طرفاً في المعادلة أصلاً، وأن الشارع ليس سوى حيز يمكن تدبيره بالقمع والإعلام والدعاية وشراء النخب.
هذا التجاهل يفضح عمق الفجوة بين الحاكم والمحكوم، لكنه يكشف أيضاً عن هشاشة الوعي الجماعي لدى فئة واسعة من الشباب الذين دخلوا المعركة دون أفق، وخرجوا منها دون نتيجة، بعد أن أصيب بعضهم بنوع من الغرور الثوري العابر، قبل أن يتساقطوا واحداً تلو الآخر تحت ضربات الواقع.
المشكلة لم تكن فقط في القمع، بل في إنعدام الرؤية، بحيث لم يكن هناك تنسيق أفقي فعّال، لا إرتباط بحاضنة إجتماعية واسعة، لا إشراك للقطاعات المهنية، لا بناء لإمتداد سياسي أو حقوقي أو نقابي، فقط كانت هناك نزعة فردية، لحظية، متحمسة، لكنها غير مؤطرة ولا محصّنة ولا قادرة على الإستمرار، الكلفة التي دفعها المعتقلون وعائلاتهم لم تتحول إلى رافعة غضب، بل إلى ذريعة صمت.

اليوم، لا معنى للبكاء على ما ضاع، لكن من واجب كل من يؤمن بالتغيير أن يسائل هذا الفشل بجرأة.. لماذا لم يتحول القمع إلى دافع للمواجهة؟؟ لماذا لم تُترجم التضحيات إلى منعطف سياسي؟؟ لماذا خفتت الأصوات بدل أن تتكاثف؟؟ ولماذا تُركت العائلات وحدها تواجه مصير أبنائها؟؟
الحقيقة أن أي رهان مستقبلي سيكون وهماً إذا لم يُبنَ على تنظيم عابر للفئات، وعلى قناعة جماعية بأن المواجهة مع النظام لا يمكن أن تُخاض بإرتجال أو تحت تأثير موجة عابرة، فالمطلوب اليوم ليس موسماً إحتجاجياً عاطفياً جديداً، بل عصيان مدني شامل، مؤطر، متدرج، يقوده الشباب لكن يشارك فيه الموظفون، والعمال، والطلبة، والمدرسون، والنقابيون، والعاطلون، بل وحتى القطاعات المهنية داخل الدولة نفسها.
لا إسقاط لحكم تسلطي دون شلل إقتصادي، ولا تغيير جذري دون تعطيل المؤسسات، ولا تحرير حقيقي دون تكسير التحالف بين المخزن ورأس المال والقمع الإعلامي.
على الشباب أن يفهموا أن اللحظة المقبلة لا تحتمل العفوية ولا الإنبهار اللحظي ولا إنتظار بطل خارق، فالتنظيم هو ما ينقص وليس الشجاعة، والرؤية هي ما يغيب وليس الغضب.
إن الشعب الذي صمت بعد أزيد من 12 ألف معتقل مطالب اليوم بأن يردّ الدين، لا بالخطابات، بل بالنزول المتجدد والمتصاعد نحو أقصى سقف.. العصيان المدني، مقاطعة المؤسسات، شل الخدمات، كسر الخوف، وفرض التغيير من أسفل عوض المراهنة على الأعلى ( فعصب حياة هذه العصابة هو الإقتصاد، إذا توقف الإقتصاد إنهارت العصابة بكل رموزها الكرتونية ).
من دون ذلك، لن تكون دماء الضحايا سوى تذكار مهزوم، ولن يكون صمت الحاكم سوى إعلان دائم بأن هذا البلد لم ينضج بعد ليُسمع صوته.
ختاما أقول #لعصابة_المخزن أنكم مهما راكمتم من أدوات البطش، ومهما زيَّنتم وجه الإستبداد بأقنعة الحداثة والإصلاح، فإن ساعة الحقيقة لا تُؤجَّل إلى الأبد.. إنكم اليوم تستمدّون بقاءكم من خوف الناس، لكن الغد تُصنعه الشعوب حين تكسر جدار الصمت وتستردّ حقها في القرار والكرامة.
ستكتشفون (( كما إكتشف من سبقكم )) أن الحكم بالحديد والنار لا يُورث سلطة، بل يؤجّل سقوطًا مدوّيًا، فالشعب الذي عرّى الهيبة الزائفة، وأسقط أوهام ** الإستثناء **، لن يقبل بعد اليوم أن يُدار بوهم القداسة أو عصا المخزن.
إن زمنكم إلى أفول، شئتم أم أبيتم، لأن الشعوب وحدها هي التي تبقى، أمّا العروش فتتهاوى حين تنفضّ من حولها الشرعية ويسقط عنها ستار الخداع.
















