الإثنين, 7 سبتمبر 2026 07:51 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
مؤثر مغربي معروف بعدائه للجزائر رهن الاعتقال في لندن ..والسبب سرقة ساعة قيمتها 170 ألف “باوند ” ! هكذا علق الرئيس تبون على الهبة التضامنية لأبناء الجزائر مع إخوانهم المتضررين من الحرائق! الجزائر تعيد رسم خريطة التعدين والصلب في شمال إفريقيا.. استثمارات أجنبية وقطار غارا جبيلات يدفعان التحول الصناعي الجزائر تحدث ثورة في شبكة أنترنت الهاتف النقال.. سرعة التحميل تقفز إلى 78.36 ميغابت/ثانية خلال عام! لماذا تتحفظ مصر على اتفاق 4+4 في ليبيا ! خمس دول أوروبية تتجه لإقامة مراكز لإعادة المهاجرين خارج الاتحاد الأوروبي عامان على عهدة الرئيس تبون الثانية .. الجزائر توسع نفوذها من نيويورك إلى نيامي ! تعويض المتضررين من الحرائق.. أوامر صارمة من الرئيس تبون! الجزائر تفتح أبواب إفريقيا أمام منتجاتها الصيدلانية مواجهات عنيفة تهز ⁧‫اليمن‬⁩.. أكثر من 140 قتيلاً بين القوات اليمنية والحوثيين
شارك المقال

وزارة التجارة الخارجية الجزائرية ترد على تصريحات مدير مؤسسة “بن بلاط”

الكاتب: زين الدين بن شابي 0 تعليق 144 مشاهدة
وزارة التجارة الخارجية الجزائرية ترد على تصريحات مدير مؤسسة “بن بلاط”

بوابة الجزائر الإخبارية: قدمت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات الجزائرية توضيحات بشأن الفيديو المتداول عبر مواقع التواصل الإجتماعي، والذي عبّر من خلاله مسير مؤسسة بن بلاط المختصة في إنتاج المياه المعدنية عن انشغاله إزاء ما اعتبره تأخراً في الحصول على تأشيرة البرنامج التقديري للاستيراد للسداسي الثاني من سنة 2026، والمتعلق بقطع الغيار.

وأكدت الوزارة أن ملف المؤسسة لم يتم رفضه أو تجميده، موضحة أن المصالح المختصة طلبت من المعني، بتاريخ 20 أوت 2026، تعديل برنامجه التقديري بالنظر إلى طبيعة وحجم الطلب، غير أن المؤسسة إلى غاية تاريخ نشر البيان، لم ترد على طلب التعديل، الأمر الذي حال دون استكمال دراسة الملف والتأشير عليه.

وأوضحت الوزارة أن البرنامج المقدم من طرف المؤسسة يتضمن 709 بندا تعريفيا جمركيا، بما مجموعه 10.522 قطعة غيار، كما أشارت إلى أن المؤسسة استفادت، بتاريخ 29 جانفي 2026، من التأشير على 300 قطعة غيار ضمن البرنامج التقديري للسداسي الأول لسنة 2026، إضافة إلى 5.695 قطعة غيار من مختلف الأنواع ضمن برنامج السداسي الثاني لسنة 2025، الذي تم التأشير عليه بتاريخ 2 أوت 2025.

وبذلك، فإن المؤسسة تقدمت، خلال فترة لا تتجاوز 12 شهراً، بطلبات لاستيراد ما مجموعه 16.517 قطعة غيار، وهو حجم قالت الوزارة إنه يستدعي، من الناحية التقنية، التحقق من مدى تناسب الاحتياجات المصرح بها مع حجم الوحدة الإنتاجية وطبيعة تجهيزاتها وقدرتها الإنتاجية الفعلية.

وفي السياق ذاته، أوضحت الوزارة أن مقارنة هذه المعطيات ببرامج الاستيراد الخاصة بمؤسسات أخرى تنشط في المجال نفسه، وتتوفر على أكثر من أربعة خطوط إنتاج، أظهرت أن كميات قطع الغيار المطلوبة من طرف بعض هذه المؤسسات لا تتجاوز ربع الكمية المطلوبة من مؤسسة بن بلاط، رغم امتلاكها قدرات إنتاجية أكبر وعدداً أكبر من خطوط الإنتاج.

وأكدت الوزارة أن المعطيات التقنية المسجلة لديها لا تعكس، في ظاهرها، وجود وحدة إنتاجية ذات حجم وقدرات استغلالية تبرر هذا المستوى المرتفع من طلبات قطع الغيار، وهو ما دفع المصالح المختصة إلى إخضاع البرنامج للتدقيق وطلب تعديله، وليس رفضه أو عرقلة نشاط المؤسسة.

وفي ختام بيانها، أكدت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات رفضها لما وصفته بـ”الادعاءات والمعطيات المغلوطة” الواردة في الفيديو، مشيرة إلى أنها تحتفظ بحقها في اتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية اللازمة إزاء كل ما من شأنه المساس بسمعة الوزارة أو تقديم معلومات من شأنها تضليل الرأي العام.

كما أعلنت الوزارة أنها ستقدم توضيحات إضافية بشأن عدد من القضايا والمعطيات المتعلقة بطلبات التأشير على البرامج التقديرية للاستيراد، بالاستناد إلى الوثائق والبيانات الرسمية المسجلة عبر المنصة الرقمية، بهدف وضع حد لأي لبس أو تأويل غير دقيق.

#الجزائر#وزارة التجارة
شارك المقال
الكاتب
زين الدين بن شابي

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر ترسم الخريطة الحقيقية لصناعتها.. أرقام الإنتاج والطاقات المعطلة تقود قرارات الاستثمار والاستيراد

الجزائر ترسم الخريطة الحقيقية لصناعتها.. أرقام الإنتاج والطاقات المعطلة تقود قرارات الاستثمار والاستيراد

بوابة الجزائر الإخبارية: تدخل المؤسسات الصناعية الجزائرية الساعات الأخيرة لاستكمال التصريح ببيانات إنتاجها ومدخلاتها وتقارير نشاطها عبر المنصة الرقمية «الإنتاج الوطني»، قبل انقضاء الأجل المحدد يوم الاثنين 31 أوت 2026، لتبدأ بعدها مرحلة أكثر أهمية تتمثل في تحويل الكتلة الجديدة من البيانات إلى خريطة تشغيلية تكشف حجم الإنتاج الفعلي، ومستوى استغلال المصانع، والطاقات المعطلة، وحاجات سلاسل القيمة، وفرص تصنيع السلع المستوردة محليًا.

تستعد وزارة الصناعة للانتقال من جمع التصريحات الإدارية المتفرقة إلى بناء قاعدة معلومات أوسع عن الجهاز الإنتاجي الوطني، بعد استكمال المؤسسات الاقتصادية التابعة للقطاع الصناعي عملية إدخال بياناتها عبر منصة «الإنتاج الوطني»، في خطوة يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من إدارة السياسة الصناعية على أساس الأرقام الفعلية، بدل الاعتماد على القدرات النظرية أو التقديرات الجزئية.

وخلافًا لما ورد بشأن انتهاء العملية يوم 30 أوت، فإن وزارة الصناعة حددت يوم 31 أوت 2026 آخر أجل للتصريح بالإنتاج وتقديم تقارير النشاط، داعية المؤسسات المعنية إلى استكمال العملية قبل انقضاء مدتها القانونية. وأوضحت أن الإجراء يندرج ضمن دعم النظام الإحصائي الوطني، بما يسمح بتوفير معطيات شاملة وموثوقة تساعد على اتخاذ القرار وحماية الإنتاج الوطني.

وتستند العملية إلى القرار الوزاري المشترك المؤرخ في 26 أفريل 2025، الذي يحدد كيفيات تسليم المؤسسات الاقتصادية التابعة لقطاع الصناعة، والخاضعة للقانون الجزائري والممارسة لنشاط إنتاج السلع، بياناتها المتعلقة بالإنتاج المادي والعناصر الداخلة المستعملة، فضلًا عن إعداد تقارير نشاطها. وبذلك لا يقتصر التصريح على رقم الأعمال أو التسمية التجارية للمؤسسة، بل يمتد إلى صميم العملية الصناعية: ماذا تنتج المؤسسة، وبأي كمية، وبأي مدخلات، وما مستوى نشاطها الفعلي؟

وتحمل هذه التفاصيل قيمة اقتصادية أكبر من مجرد استكمال قاعدة إحصائية، لأن الفارق بين امتلاك الجزائر آلاف المؤسسات المسجلة وامتلاك جهاز إنتاجي قابل للقياس يكمن في معرفة ما يعمل منها فعلًا، ونسبة استخدام خطوطه، وحجم مساهمته في تلبية الطلب الوطني، وطبيعة المدخلات التي يعتمد عليها، ومدى ارتباطه بموردين محليين أو خارجيين.

فالطاقة الإنتاجية المعلنة لا تساوي بالضرورة الإنتاج المحقق. وقد تمتلك وحدة صناعية قدرة سنوية كبيرة، لكنها لا تستخدم سوى جزء منها بسبب نقص المواد الأولية أو صعوبات التموين أو أعطال التجهيزات أو ارتفاع كلفة النقل أو ضعف الطلب أو مشكلات التسويق. وفي المقابل، قد تعمل وحدات أخرى بالقرب من حدودها القصوى، بما يكشف حاجة السوق إلى توسعة خطوطها أو إنشاء استثمارات مكملة داخل الشعبة نفسها.

ومن هنا، تسمح مقارنة الطاقة المركبة بالإنتاج المحقق باحتساب معدل استغلال القدرات لكل مؤسسة وشعبة ومنطقة صناعية. كما تكشف الفجوة بين الرقمين مقدار العرض الذي يمكن إضافته إلى السوق من دون بناء مصانع جديدة، وذلك عبر معالجة الاختناق الذي يعطل الوحدة القائمة.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في المرحلة التي تقود فيها الجزائر، تحت إشراف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، تحولًا اقتصاديًا يستهدف رفع مساهمة القطاعات المنتجة، وتقليص التبعية للواردات، وتوسيع الصادرات خارج المحروقات. فالانتقال إلى صناعة أكثر تنافسية لا يبدأ دائمًا من تشييد وحدات جديدة، وإنما من معرفة الأسباب التي تمنع المصانع القائمة من العمل بكامل إمكاناتها.

وفي بعض الأنشطة، قد يكون رفع استغلال قدرة موجودة من 40% إلى 70% أسرع أثرًا وأقل تكلفة من إنشاء استثمار جديد يؤدي الوظيفة الإنتاجية نفسها. غير أن الوصول إلى هذا القرار يتطلب بيانات دقيقة تفسر مصدر التعطيل: هل يتعلق بالمواد الأولية، أم قطع الغيار، أم التمويل، أم العقار، أم الطاقة، أم النقل، أم صعوبة النفاذ إلى السوق؟

وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي والمستشار الدولي في التنمية الاقتصادية عبد الرحمان هادف أن الرهان الفعلي يبدأ بعد انتهاء مرحلة التصريح، مؤكدًا أن «قيمة اليقظة الصناعية لا تكمن في جمع البيانات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى معرفة، ثم إلى قرار».

ويعني ذلك أن نجاح المنصة لن يقاس فقط بعدد المؤسسات التي صرحت ببياناتها، بل بجودة المعلومات المودعة، ونسبة تغطيتها للنسيج الصناعي، وقدرة الوزارة على تدقيقها وتحيينها وربطها بمؤشرات التجارة الخارجية والاستثمار والتشغيل والتموين.

كما يرى هادف أن معرفة عدد المؤسسات لا تكفي لتكوين صورة حقيقية عن الصناعة الوطنية، إذا لم تقترن بمستويات الإنتاج الفعلية، والقدرات المتاحة، ومعدلات استغلالها، والتوزيع القطاعي والجغرافي للنشاط. فمؤسستان تعملان في النشاط نفسه قد تبدوان متشابهتين في السجل الإداري، بينما تختلفان جذريًا من حيث التكنولوجيا والإنتاجية ونسبة الإدماج وحجم العمالة والقدرة على التصدير.

ويمكن للتحليل الجغرافي للبيانات أن يضيف بدوره بُعدًا جديدًا إلى السياسة الصناعية، إذ يسمح بتحديد الولايات التي تضم تجمعات إنتاجية متكاملة، والمناطق التي تملك مصانع لكنها تفتقر إلى الموردين أو الخدمات اللوجستية، فضلًا عن رصد الفوارق في استغلال المناطق الصناعية ومناطق النشاط.

وعند إسقاط هذه المعلومات على شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ ومصادر الطاقة ومواقع المواد الأولية، يمكن الانتقال من توزيع إداري للاستثمار إلى تخطيط صناعي يقوم على الكلفة والجدوى والاقتراب من المدخلات والأسواق. كما تستطيع السلطات تحديد المواقع الأنسب لإقامة منصات التخزين والتحويل والمناولة، بدل تشتيت الاستثمارات من دون روابط إنتاجية بينها.

وتبرز القيمة الثانية للمنصة في تحديد الحلقات المفقودة داخل سلاسل القيمة الوطنية. فعندما تصرح المؤسسات بالمواد والعناصر الداخلة في عملياتها الإنتاجية، يمكن معرفة المكونات التي تُصنع محليًا، وتلك التي تعتمد المصانع في توفيرها على الاستيراد، والمواد التي يتسبب غيابها في تعطيل عدة فروع صناعية في الوقت نفسه.

وبذلك لا يعود ملف الإحلال محل الواردات قائمًا على قوائم عامة للسلع المستوردة، بل ينتقل إلى تحليل تقني يحدد المنتج المطلوب ومواصفاته والكميات التي يستهلكها النسيج الصناعي وعدد المشترين المحتملين وحجم السوق الذي ينتظر المستثمر.

وتسمح هذه القراءة بالتمييز بين سلعة يمكن تصنيعها محليًا بصورة تنافسية، ومدخل لا يزال إنتاجه يحتاج إلى تكنولوجيا أو حجم سوق أو استثمار لا تتوافر شروطه بعد. كما تساعد على تجنب إنشاء مشاريع لا تستند إلى طلب صناعي قابل للقياس، أو فرض بدائل محلية لا تستجيب لمعايير الجودة والسعر وآجال التسليم.

ويتوقف نجاح سياسة الإحلال على هذه الدقة، لأن تقليص الواردات بصورة مستدامة لا يتحقق بمجرد منع دخول منتج أجنبي، وإنما بتطوير عرض محلي قادر على ضمان الكمية والجودة والاستمرارية والتكلفة المقبولة. وإذا كشفت البيانات، على سبيل المثال، أن عددًا كبيرًا من المصانع يستورد مكوّنًا وسيطًا واحدًا، فإن تجميع الطلب الوطني عليه قد يحول إنتاجه محليًا إلى مشروع قابل للتمويل والتنفيذ.

وفي الاتجاه نفسه، تستطيع قاعدة الإنتاج الجديدة تحسين إدارة رخص وبرامج الاستيراد، عبر الفصل بين احتياجات حقيقية مرتبطة بخطوط تعمل وتنتج، وطلبات لا تتناسب مع مستويات النشاط المصرح بها. كما يمكن مطابقة كميات المدخلات المستوردة مع حجم الإنتاج المحقق، بما يعزز شفافية السوق ويحمي المنتجين الجادين من المنافسة غير المتكافئة ومن تحويل بعض الامتيازات الموجهة للإنتاج إلى نشاط تجاري مقنع.

غير أن هذا الاستخدام يتطلب منظومة ربط مؤسساتي لا تبقى فيها بيانات الصناعة معزولة داخل منصة واحدة. فالقيمة الاقتصادية القصوى تظهر عندما تُقاطع معلومات الإنتاج، ضمن الضوابط القانونية وحماية سرية المؤسسات، مع بيانات الجمارك والسجل التجاري والجباية والوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار والديوان الوطني للإحصائيات وهيئات التشغيل والتجارة.

ومن شأن هذا الربط أن يجيب عن أسئلة مركزية: ما الصناعات التي حصلت على استثمارات جديدة ورفعت إنتاجها فعلًا؟ ما أثر الامتيازات الممنوحة في حجم العرض والتشغيل؟ ما الشعب التي تستورد مدخلات كثيفة لكنها تحقق قيمة مضافة مرتفعة؟ وأي الأنشطة تملك فائضًا قابلًا للتصدير؟

كما تسمح المتابعة الدورية بقياس الفاصل الزمني بين دخول الاستثمار مرحلة الاستغلال وبلوغه طاقته المستهدفة، ورصد المشروعات التي تعطلت بعد حصولها على العقار أو التمويل أو الامتيازات. وعندها تتحول البيانات من وصف ساكن للنسيج الصناعي إلى أداة لمراقبة التنفيذ وقياس مردودية السياسات العمومية.

وتتسع القيمة الاستراتيجية للعملية إلى ملف التصدير، إذ يمكن تحديد المؤسسات التي تنتج بأقل من طاقتها رغم امتلاكها منتجات مطابقة وقابلة للتسويق خارجيًا، ثم توجيه المرافقة إليها بدل توزيع برامج الدعم بصورة أفقية. فقد تكون المشكلة في غياب الاعتماد التقني أو ضعف التغليف أو نقص المعلومات عن الأسواق أو ارتفاع كلفة النقل، وهي عراقيل تختلف جذريًا عن نقص القدرة الإنتاجية.

وعندما تعرف السلطات حجم الفائض الممكن داخل كل شعبة، تستطيع بناء برامج تصدير أكثر دقة، وربط المؤسسات بالأسواق المستهدفة، والتفاوض بشأن المسائل الجمركية والصحية والفنية على أساس عرض وطني محدد، بدل الترويج العام لمنتجات لا تتوافر عنها كميات منتظمة.

في المقابل، تستوجب مرحلة ما بعد غلق المنصة معالجة تحديات مرتبطة بجودة البيانات. فقد تستخدم المؤسسات منهجيات مختلفة في احتساب قدراتها، أو تقدم أرقامًا لا تسمح بالمقارنة المباشرة، أو تخلط بين الطاقة النظرية والإنتاج الممكن في ظروف التشغيل الفعلية. لذلك يتطلب بناء الخريطة الصناعية توحيد التعاريف، والتحقق من التناسق الداخلي للتصريحات، ومعالجة القيم غير المنطقية، ثم تحيين المعلومات دوريًا.

كما ينبغي ألا تتحول العملية إلى لقطة إحصائية تُلتقط مرة واحدة ثم تفقد صلاحيتها، لأن الإنتاج الصناعي يتغير تبعًا للطلب والأسعار والاستثمارات والصيانة وتوافر المدخلات. فقاعدة البيانات التي لا تُحدّث قد تقود إلى قرارات أكثر ضررًا من غياب المعلومة، خصوصًا عند تحديد حاجات الاستيراد أو توجيه رؤوس الأموال.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى لوحات قيادة قطاعية تُحدّث بانتظام، وتعرض مؤشرات الطاقة المركبة والإنتاج الفعلي ونسبة الاستغلال وحجم المدخلات المحلية والمستوردة والمبيعات والمخزون والعمالة والصادرات. كما يمكن تطوير نظام إنذار مبكر يرصد التراجع غير المعتاد في إنتاج سلعة استراتيجية، أو الارتفاع المفاجئ في استهلاك مدخل مستورد، أو ظهور اختناق مشترك بين عدد من المؤسسات.

ولا تعني مركزية المعلومات الكشف عن الأسرار التجارية للمؤسسات، بل تتطلب حوكمة دقيقة تحدد صلاحيات الوصول، وتحمي البيانات الفردية، وتنشر في المقابل مؤشرات مجمعة تساعد المستثمرين والباحثين والمنظمات المهنية على فهم اتجاهات السوق. فالمستثمر يحتاج إلى معرفة حجم الطلب والفجوات القائمة من دون الاطلاع على التفاصيل السرية لمنافسيه.

كما أن نشر مؤشرات صناعية مجمعة ومحيّنة يمكن أن يحسن جودة القرار الخاص، لا القرار العمومي فقط. فعندما تتوفر رؤية واضحة عن تطور الشعب والطاقات والطلب على المدخلات، يصبح بوسع البنوك تقييم المشاريع بصورة أفضل، وتستطيع المؤسسات بناء خطط توسع أكثر واقعية، بينما يحدد الموردون فرص إقامة صناعات مناولة جديدة.

وبهذه الصورة، تمثل منصة «الإنتاج الوطني» نواة محتملة لمرصد دائم لليقظة الصناعية، ينتقل بالقطاع من عدّ المؤسسات إلى قياس أدائها، ومن تسجيل النشاط إلى تحليل سلاسل القيمة، ومن معالجة طلبات الاستثمار فرادى إلى توجيه رأس المال وفق الفجوات الحقيقية في السوق.

لكن القيمة النهائية لن تتحدد بحجم البيانات المخزنة، بل بنوعية القرارات التي ستنتج عنها. فإذا استُخدمت الأرقام لتشغيل الطاقات المعطلة، وتطوير المناولة، وتوطين المدخلات القابلة للتصنيع، وتوجيه الاستثمارات إلى الحلقات الناقصة، وتحسين الجاهزية للتصدير، تكون الجزائر قد قطعت خطوة عملية نحو سياسة صناعية تقودها المعلومة.

أما الرهان الأكبر، فيتمثل في تحويل الجرد إلى دورة مستمرة تبدأ بالتصريح، ثم التدقيق والتحليل، وبعدها القرار والتنفيذ، وصولًا إلى قياس الأثر وإعادة تحيين المعطيات. وعندها لن تكون وزارة الصناعة أمام جدول جديد للمؤسسات، بل أمام لوحة قيادة تحدد بدقة ماذا تنتج الجزائر، وما الذي تستطيع إنتاجه سريعًا، وأين تهدر قدراتها، وأي الاستثمارات قادرة على تحقيق أعلى قيمة مضافة.

وهكذا يصبح انتهاء آجال التصريح في 31 أوت بداية فعلية لا نهاية إدارية؛ بداية بناء ذاكرة رقمية للإنتاج الوطني، قادرة على جعل الاستثمار أكثر عقلانية، والاستيراد أكثر دقة، والمرافقة العمومية أكثر استهدافًا، والصناعة الجزائرية أكثر قدرة على الاندماج والتوسع والمنافسة.

#الجزائر#الصناعة
شارك المقال
الكاتب
عبد الجبار.ب
أوروبا
شارك المقال

‏فرنسا والمغرب والإمارات في مناورة قذرة لإجهاض مشروع ⁧‫أنبوب الغاز العابر للصحراء!

‏فرنسا والمغرب والإمارات في مناورة قذرة لإجهاض مشروع ⁧‫أنبوب الغاز العابر للصحراء!

بوابة الجزائر الإخبارية : ساعات قليلة عقب مغادرة وفد رفيع المستوى من جمهورية ⁧‫النيجر،‬⁩ الجزائر، التي باشرت،في خطوات ميدانية لإنجاز مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي سيُنقل عبره الغاز النيجيري، مرورًا بالنيجر، وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومنها نحو أوروبا، ما يُعد انتصارًا وإنجازًا نوعيًا للجزائر، وتعزيزًا لأمنها الطاقوي، ودعمًا للاندماج الاقتصادي الإقليمي والتعاون القاري؛ تحرّك عشّ الدبابير لخلط أحجار الدومينو وإعادة رسم خريطة المنطقة في محاولة بائسة للتشويش على المشروع القاري الاستراتيجي.

ويبدو أن ذروة التقارب الاستراتيجي والديناميكية الاقتصادية غير المسبوقة على محور نيامي–الجزائر، تسببت في ارتباك وإزعاج غير مسبوقين لدى محور فرنسا والمغرب والإمارات، الذي لا ينظر إلى هذا المشروع باعتباره منافسًا اقتصاديًا فحسب، بل بوصفه تحولًا جيوسياسيًا يمس مصالح راسخة؛ وفي مقدمتها المسار الأطلسي الوهمي البديل الذي تقوده الرباط بدعم إماراتي، فضلًا عن النفوذ الفرنسي المتآكل في منطقة الساحل عقب القطيعة مع النيجر.

ما وقع في نيامي لا يُقرأ باعتباره حدثًا أمنيًا معزولًا، انفجارات في وقت مبكر من صباح السبت بعدة مناطق في العاصمة نيامي، في محاولة فاشلة لاستهداف مواقع حساسة في النيجر،يطرح توقيت هذه الأحداث، بالتزامن مع التسارع اللافت في التعاون الجزائري–النيجري، العديد من التساؤلات؛ إذ إن كل تقدم ملموس على هذا المحور من شأنه أن يحرّك قوى متضررة من إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.

https://twitter.com/algatedz/status/2093811044095266937?s=46

فإنجاز مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء سيجعله ممرًا سياديًا إفريقيًا للطاقة، وهو جوهر المعركة، التي تسعى قوى الشر إلى كسبها وعرقلة مسارها قبل أن يكتمل المشروع ويترسخ كواقع استراتيجي جديد في المنطقة.

وقد حملت السلطات في النيجر باريس بشكل صريح مسؤولية الوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة، التي تصفها بأنها عملية تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد وإضعاف أمنها واستقرارها.

وتأتي الضغوط المتزايدة المحيطة بالجزائر، وفق مراقبين، بحكم موقعها المتوسطي وامتدادها الأفريقي واستقلالية قرارها السياسي، ضمن معركة أوسع على الساحل وطرق التجارة والطاقة وموازين النفوذ فقد أصبحت الجزائر رقمًا صعبًا في أي إعادة رسم لخرائط التجارة والنفوذ في المنطقة، خصوصًا مع توجهها إلى توظيف موقعها الجغرافي وتحويله من مجرد حدود تفصل شمال أفريقيا عن الساحل إلى منصة استراتيجية تربط أفريقيا بالمتوسط، عبر تطوير البنى التحتية والطرق والموانئ وممرات الطاقة والتجارة العابرة للصحراء.

وفي المقابل، فإن المشروع المغربي الذي أجهض قبل إنجازه زاد من رغبة الرباط في الاستماتة لاستهداف المشروع الجزائري بكل الطرق، خصوصًا أن مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء يتقدم بخطوات عملية، في وقت يواجه فيه المشروع المغربي–النيجيري عراقيل وتحديات متزايدة.

وكان خبير الطاقة النيجيري دان كونلي قد حذّر سابقًا الرئيس النيجيري بولا تينوبو من المخاطر المرتبطة بمشروع خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب، داعيًا إلى تعليق أي التزامات إضافية بشأن المشروع، الذي تُقدّر قيمته بنحو 25 مليار دولار، قبل أن يتحول إلى “كارثة اقتصادية”.

وحذّر كونلي كذلك من أن مشروع خط أنابيب الغاز النيجيري–المغربي يواجه تحديات كبيرة، مشيرًا إلى أن خط أنابيب الغاز العابر للصحراء يختلف عنه من حيث الهيكل، إذ يضم ثلاث دول فقط هي نيجيريا والنيجر والجزائر، بينما يمر مشروع خط أنابيب الغاز الأطلسي الأفريقي عبر أكثر من اثنتي عشرة دولة في غرب أفريقيا أو يربط بينها، ولكل منها أنظمة تنظيمية ونظم مالية ومشهد سياسي ومصالح مختلفة.

وبذلك، فإن المعركة لا تتعلق بخط أنابيب غاز فحسب، بل بصراع أوسع حول من يمتلك مفاتيح الطاقة والتجارة وممرات الربط بين أفريقيا والمتوسط، ومن يملك القدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى نفوذ اقتصادي وسيادي طويل الأمد

#الجزائر، المغرب، فرنسا، الإمارات، أنبوب الغاز العابر للصحراء
شارك المقال
الكاتب
لخلف أمينة
إيكونوميست
شارك المقال

جازي تطلق مبادرة تضامنية لفائدة المتضررين من الحرائق.. مكالمات ورسائل نصية وإنترنت مجاني!

جازي تطلق مبادرة تضامنية لفائدة المتضررين من الحرائق..  مكالمات ورسائل نصية وإنترنت مجاني!

بوابة الجزائر الإخبارية: أطلق متعامل الهاتف النقال “جازي” مبادرة تضامنية مستعجلة لفائدة سكان المناطق المتضررة إثر الحرائق الأخيرة.

ولتمكين المواطنين من البقاء على اتصال مع ذويهم، قدمت جازي أحجامًا مجانية من المكالمات، الرسائل النصية والإنترنت، حيث سيتلقى الزبائن المعنيون رسالة نصية قصيرة خلال اليوم لتأكيد تفعيل هذه المزايا.

وتندرج هذه المبادرة، وفق بيان الشركة، في إطار توجيهات وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، ودعمًا لجهود التضامن التي تبذلها الحكومة لمواجهة هذا الوضع الاستثنائي.

وبصفتها شركة مواطنة، أكدت جازي إلتزامات بتجنيد كافة وسائلها لضمان استمرارية الاتصالات ودعم الهبة الوطنية لتجاوز هذه المحنة.

#الحرائق#جازي
شارك المقال
الكاتب
سارة معمري
إيكونوميست
شارك المقال

أنبوب الغاز العابر للصحراء خط أحمر.. الجزائر تحصّن مصالحها وتفرض معادلتها في الساحل

أنبوب الغاز العابر للصحراء خط أحمر.. الجزائر تحصّن مصالحها وتفرض معادلتها في الساحل

بوابة الجزائر الإخبارية: لم يعد أنبوب الغاز العابر للصحراء مشروعًا اقتصاديًا يمكن فصله عن الأمن القومي الجزائري، بعدما أصبح استقرار النيجر وحماية الممر الممتد من نيجيريا إلى حاسي الرمل شرطين مباشرين لتعزيز موقع الجزائر بوصفها بوابة الطاقة الإفريقية نحو البحر المتوسط. فكل تهديد للمقطع النيجري، أو محاولة لإغراق نيامي في الفوضى، أو تعطيل الربط بين الحقول النيجيرية والشبكة الجزائرية، يستهدف مصلحة جزائرية استراتيجية تتقاطع فيها الطاقة والحدود والنفوذ الإقليمي.

وتتعامل الجزائر مع المشروع باعتباره أحد أعمدة تموقعها المستقبلي في الساحل، لا مجرد أنبوب يدر عائدات عبور. إذ سيصل الغاز النيجيري، مرورًا بالنيجر، إلى مركز حاسي الرمل، قبل دمجه في شبكة النقل الوطنية وتوجيهه نحو خطوط التصدير ومنشآت التمييع على الساحل. وبذلك تصبح الجزائر الحلقة التي تمنح الغاز الإفريقي طريقه الأقصر والأكثر جاهزية نحو الأسواق العالمية.

ومن هذا المنطلق، تملك الجزائر كامل الحق في الدفاع عن حدودها ومصالحها ومشروعاتها بكل الأدوات المشروعة التي تقتضيها سيادتها، وفق تقديرها للمخاطر وتحولات المنطقة. ولا يعني ذلك التدخل في شؤون دول الجوار، بل حماية فضاء استراتيجي يرتبط أمنه باستقرار الجزائر، مثلما يمثل الاستقرار الجزائري ضمانة أساسية للنيجر وبقية دول الساحل.

4128 كيلومترًا تعيد رسم خريطة الغاز

يمتد أنبوب الغاز العابر للصحراء على نحو 4128 كيلومترًا، انطلاقًا من نيجيريا، مرورًا بالنيجر، وصولًا إلى الجزائر، بطاقة تصميمية قد تبلغ 30 مليار متر مكعب سنويًا. وتتولى المشروع سوناطراك الجزائرية، والشركة الوطنية النيجيرية للبترول «NNPC»، والشركة النيجرية للمنتجات البترولية «سونيديب».

ولا تكمن أهمية الأنبوب في حجمه فقط، بل في طبيعته السيادية. فالدول الإفريقية الثلاث هي صاحبة المشروع، ومؤسساتها الوطنية هي التي تقود تطويره، ما يقلص قدرة القوى الخارجية على التحكم في شروط التمويل والتشغيل والتسويق.

وقد أطلقت سوناطراك، خلال جوان 2026، الأشغال الخاصة بالمقطع الجزائري الممتد من الحدود الجزائرية–النيجرية إلى المركز الوطني لتوزيع الغاز في حاسي الرمل. ويعبر المسار بمحاذاة الطريق العابر للصحراء للاستفادة من شبكات النقل والغاز والبنية التحتية القائمة، بما يخفض التكاليف وييسر الأشغال والصيانة والحماية.

ومن حاسي الرمل، سيتصل الأنبوب بالشبكة الوطنية ومنظومة التصدير نحو أوروبا والأسواق الأخرى. وهنا تتجسد أفضلية الجزائر التي يصعب تجاوزها: منشآت قائمة، وخبرة تشغيلية تمتد لعقود، وموقع متوسطي، وخطوط أنابيب دولية، ومصانع لتسييل الغاز، وشركة وطنية تمتلك وزنًا تجاريًا وتقنيًا معتبرًا.

تبون يحوّل المشروع من وعد إلى سيادة

استعاد المشروع زخمه في ظل الرؤية التي يقودها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بعدما انتقل من الاجتماعات والدراسات إلى التنفيذ الفعلي. فقد أعادت الجزائر تنشيط التنسيق مع نيجيريا والنيجر، وساهمت في تحيين دراسة الجدوى، وتسريع المشاورات الفنية، وتحديد المسؤوليات بين الشركات الوطنية، قبل إطلاق الأشغال في المقطع الجزائري.

ويعكس هذا التحول حنكة الدولة الجزائرية في اختيار مشروعات تتجاوز عائداتها المالية المباشرة. فالأنبوب يمنح الجزائر إيرادات وخدمات هندسية وفرصًا تجارية، لكنه يضيف قبل ذلك عمقًا استراتيجيًا جديدًا ويضعها في قلب معادلة أمن الطاقة الإفريقي والأوروبي.

كما أنه يحول الموقع الجغرافي للجزائر إلى أصل اقتصادي وسيادي. فالبلاد لا تنتظر وصول الطاقة إلى حدودها، بل تبني الممر الذي يجمع موارد غرب إفريقيا بخبرتها وشبكتها ومنافذها المتوسطية، لتصبح نقطة الارتكاز في أكبر محور غازي بري بين خليج غينيا وأوروبا.

وهذه هي قيمة الرؤية التي فرضها الرئيس تبون: الجزائر لا تنافس بالعناوين ولا بوعود النفوذ، بل تبني الأنابيب والطرق وشبكات الاتصال، وتربط حضورها الإقليمي بمصالح ملموسة تجعلها شريكًا لا يمكن تجاوزه.

أمن النيجر من أمن الجزائر

يمثل استقرار النيجر الحلقة الأكثر حساسية في المشروع، لأن الأنبوب يعبر أراضيها قبل الوصول إلى الحدود الجزائرية. وأي اضطراب أمني طويل الأجل داخل هذا البلد قد يرفع تكاليف الإنجاز والتأمين، ويهدد فرق العمل والمنشآت، ويؤثر في التمويل وآجال التشغيل.

لذلك لم يعد ما يجري في النيجر بعيدًا عن الحسابات الجزائرية. فأمن نيامي، واستقرار مؤسساتها، وقدرتها على حماية أراضيها، عوامل تدخل مباشرة في حماية مشروع سيادي جزائري–إفريقي بهذا الحجم.

غير أن الجزائر لا تبني أمن الأنبوب على القوة العسكرية وحدها. فالمقاربة الأكثر فاعلية تبدأ بترسيخ الدولة النيجرية، وتكوين كفاءاتها، وتوسيع استفادتها الاقتصادية، وربط المشروع بالتشغيل والطاقة المحلية والطرق والخدمات.

وكلما أصبح الأنبوب مصدرًا للعمل والدخل والتنمية بالنسبة إلى المجتمعات التي يمر عبرها، اتسعت دائرة حمايته الاجتماعية. أما ترك المنشأة معزولة عن محيطها، فيحولها إلى هدف يحتاج إلى حراسة دائمة، ويمنح الجماعات المسلحة فرصة استغلال التهميش المحلي.

ومن هنا، تختلف المقاربة الجزائرية عن سياسات قوى أجنبية بنت نفوذها في الساحل على ضعف الدولة وشراء الولاءات وتمويل الشبكات الموازية. فالجزائر تحتاج إلى نيجر قوية ومستقرة حتى تنجح مشروعاتها؛ أما القوى التي تتغذى على الفوضى، فتخسر كلما استعادت نيامي قرارها وربطت اقتصادها ببنية إقليمية مستقلة.

سوناطراك تتقدم من الأنبوب إلى النفط

لا يقتصر الحضور الجزائري في النيجر على نقل الغاز. فقد أعادت سوناطراك تنشيط أعمالها في الرقعة النفطية «كافرا» شمال البلاد، التي تتجاوز تقديرات احتياطيات اكتشافاتها 260 مليون برميل، مع إعداد برامج جديدة للحفر والتطوير ونقل الخبرة.

ويمنح هذا الحضور الجزائر موقعًا داخل قطاع الطاقة النيجري من مرحلة التنقيب إلى الإنتاج والتسويق. كما يسمح لسوناطراك بتوسيع نشاطها القاري، وتحويل الخبرة الجزائرية إلى صادرات هندسية وتقنية وتكوينية.

وفي 14 أوت 2026، أنجزت سوناطراك و«سونيديب» أول عملية مشتركة لتسويق النفط النيجري، عبر تحميل شحنة من خام «ميليك» من محطة سيمي في بنين. وبذلك وضعت الجزائر شبكاتها وخبرتها التجارية في خدمة قدرة النيجر على الوصول إلى الأسواق الدولية وتحسين شروط تسويق مواردها.

وتحمل هذه العملية رسالة واضحة: الجزائر لا تدخل النيجر للاستحواذ على النفط، بل لبناء شراكة بين مؤسستين وطنيتين تساعد نيامي على امتلاك أدوات الاستكشاف والتطوير والتسويق، بدل إبقائها رهينة للشركات الأجنبية.

كما يشمل التعاون مشروع إنشاء ثلاثة مراكز لتعبئة غاز البوتان عبر «نفطال»، إلى جانب إمكان تصدير البنزين الخالي من الرصاص ووقود الطائرات والبيتومين، وتكوين الإطارات النيجيرية في التخزين والتوزيع والتسويق.

وهكذا يتحول التقارب إلى سلسلة مصالح متكاملة: أنبوب غاز، وتنقيب نفطي، وتسويق مشترك للخام، وطاقة منزلية، ومشتقات بترولية، وخدمات تقنية وتكوين. وهي منظومة تمنح الجزائر حضورًا اقتصاديًا طويل الأجل، وتتيح للنيجر بناء قدراتها الوطنية.

طريق وطاقة وألياف بصرية

يتكامل الأنبوب مع الطريق العابر للصحراء والربط بالألياف البصرية بين الجزائر ونيجيريا عبر النيجر. وعند جمع المشاريع الثلاثة، يظهر أن الجزائر لا تبني خطًا لنقل الغاز فقط، بل تؤسس ممرًا قاريًا للطاقة والتجارة والبيانات.

يسهل الطريق حركة المعدات والسلع وفرق الصيانة، فيما توفر الألياف البصرية الاتصال الرقمي ومراقبة المنشآت وتبادل البيانات. أما الأنبوب، فينقل الطاقة ويمنح الدول الثلاث موردًا ماليًا وموقعًا أكبر داخل سوق الغاز.

وبالنسبة إلى النيجر، تساعد هذه الشبكة على كسر عزلتها الجغرافية بوصفها دولة حبيسة، وتمنحها منفذًا نحو المتوسط عبر الجزائر. كما تجعل موقعها الصحراوي أصلًا اقتصاديًا يدر عائدات العبور ويجذب مشروعات مرتبطة بالطاقة والنقل والخدمات.

أما الجزائر، فتترسخ بوابة طبيعية لدول الساحل نحو الأسواق الدولية. ولا يستند هذا الدور إلى خطاب سياسي مجرد، بل إلى طرق قائمة وشبكات طاقة وموانئ ومنشآت تصدير وخبرة مؤسساتية لا تمتلكها المشاريع المنافسة.

فرنسا تفقد السيطرة على الممرات

يحمل تقدم المشروع خسارة مباشرة للقوى التي اعتادت التحكم في موارد الساحل ومساراته. فنجاح الأنبوب يعني أن الغاز الإفريقي سيتحرك عبر مشروع تقوده شركات وطنية إفريقية، ويصل إلى البحر المتوسط من خلال الجزائر، من دون أن تكون باريس مركز القرار أو بوابة التمويل والتسويق.

كما يؤكد المشروع قدرة دول الساحل على إنشاء شراكات استراتيجية خارج منظومة الوصاية الفرنسية. فالنيجر التي أعادت النظر في علاقاتها القديمة تستطيع توجيه مواردها نحو ممر يخدم تنميتها ويقوي مؤسساتها، بدل إعادة إنتاج نموذج يصدّر الثروة ويترك الدولة ضعيفة.

ويفسر ذلك حساسية أي اضطراب أمني قرب مسار المشروع. فكل تأخير في المقطع النيجري يمنح القوى الخاسرة وقتًا لاستعادة النفوذ، بينما يقرب كل تقدم في الأشغال المنطقة من معادلة جديدة تقودها الجزائر ونيجيريا والنيجر.

ولا يعني ذلك اتهام دولة بعينها بتدبير كل حادث أمني، فمثل هذا الحكم يحتاج إلى أدلة وتحقيقات. غير أن المصالح المتضررة واضحة، مثلما تبقى الجزائر مطالبة بالتعامل مع المخاطر باعتبارها جزءًا من معركة حماية مشروعها القاري.

المغرب يصطدم بحقائق الجغرافيا

كما يشكل الأنبوب ردًا عمليًا على محاولات المخزن تقديم نفسه بوابةً وحيدةً لدول الساحل نحو المحيط الأطلسي. فالجزائر لا تعرض على النيجر وعودًا بعيدة، وإنما ممرًا متكاملًا نحو المتوسط تدعمه حدود مشتركة وطريق عابر للصحراء وشبكة ألياف بصرية وأنبوب غاز ومنشآت طاقوية قائمة.

وتنتصر الجزائر في هذه المعادلة بقوة الجغرافيا والبنية التحتية والخبرة، لا بالحملات الدعائية. فالمسافة أقصر، والمرافق متاحة، وحاسي الرمل قادر على استقبال الغاز، وسوناطراك تملك القدرة التقنية والتجارية، بينما توفر الموانئ المتوسطية صلة مباشرة بالأسواق الدولية.

كما أن المقاربة الجزائرية لا تشترط على دول الساحل اصطفافًا سياسيًا أو تبعية مقابل الوصول إلى البحر. إنها تعرض شراكة قائمة على السيادة والمصلحة المتبادلة، وهو ما يمنحها مصداقية أكبر داخل منطقة سئمت الوعود والمشاريع التي تخفي خلفها أجندات النفوذ.

الجزائر تحمي ولا تستعمر

تستمد الجزائر قوتها في الساحل من عقيدة سياسية ثابتة تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها ورفض تقسيمها. وهي عقيدة تنسجم مع مصالحها، لأن الدولة المستقرة والقوية تحمي حدودها وتواجه الإرهاب، بينما تصدّر الدولة المفككة التهديدات إلى جيرانها.

ولهذا، فإن دفاع الجزائر عن الأنبوب لن يقوم على فرض الوصاية على النيجر، بل على تطوير التعاون الأمني، وحماية الحدود، وتبادل المعلومات، ودعم مؤسسات الدولة، وتسريع التنمية والاستثمار.

كما تملك الجزائر كامل الحق في اتخاذ ما تراه مناسبًا لحماية أمنها ومصالحها، ضمن القانون واحترام سيادة الجوار. فالأنبوب سيتصل بالشبكة الوطنية ويمس موقع البلاد الطاقوي ومداخيلها التصديرية، ما يجعل استهدافه أو تعطيله تهديدًا يتجاوز حدود مشروع تجاري عادي.

ولا توجد دولة جادة تترك منشأة بهذا الحجم رهينة لتحركات الجماعات المسلحة أو مناورات القوى الخارجية. والجزائر، بما تملكه من خبرة أمنية وعسكرية ودبلوماسية، لن تقف متفرجة أمام أي محاولة لتهديد عمقها الجنوبي أو استهداف مصالحها الاستراتيجية.

لكن القوة الجزائرية لا تحتاج إلى استعراض. فهي تظهر في القدرة على منع التهديد قبل وصوله، وتكوين التحالفات، وبناء المصالح المشتركة، وامتلاك المعلومات، وتأمين الحدود، وجعل استقرار الجوار مصلحة متبادلة.

حاسي الرمل عاصمة الغاز الإفريقي

يمثل وصول الأنبوب إلى حاسي الرمل جوهر التفوق الجزائري. فالمركز ليس نقطة نهاية جغرافية، وإنما قلب منظومة الغاز الوطنية، ومنه تتفرع الشبكات نحو الاستهلاك الداخلي وخطوط التصدير والمنشآت الساحلية.

وسيمنح دمج الغاز القادم من نيجيريا في هذه المنظومة الجزائر مرونة في النقل والمعالجة والتسويق، ويزيد أهمية شبكة أنابيبها بالنسبة إلى أوروبا. كما يعزز قدرة سوناطراك على التحول إلى شركة تقود مشروعات الطاقة الإفريقية خارج الحدود الوطنية.

ولا تصبح الجزائر، بذلك، دولة عبور فقط، بل مركزًا للتجميع والتثمين والخدمات الهندسية والتجارية. فالقيمة المضافة ستشمل النقل والتشغيل والصيانة والتكوين والدراسات والتسويق، إلى جانب المنافع الجيوسياسية الناتجة عن تحول حاسي الرمل إلى ملتقى لغاز شمال إفريقيا وغربها.

كما يمنح المشروع الجزائر ورقة أقوى في علاقاتها مع الأسواق الأوروبية، خصوصًا في ظل اضطراب الممرات البحرية والحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة. غير أن الجزائر تدخل هذه العلاقة بوصفها شريكًا سياديًا يحدد مصالحه وشروطه، لا مجرد طريق لخدمة أمن الطاقة الخارجي.

تبون يعيد صياغة العمق الاستراتيجي

يكشف أنبوب الغاز العابر للصحراء التحول الذي أحدثه الرئيس عبد المجيد تبون في إدارة العمق الإفريقي للجزائر. فبدل الاكتفاء برد الفعل على الأزمات، انتقلت الدولة إلى صناعة فضاء مصالح يربط الساحل بالجزائر عبر الطاقة والنقل والاتصالات والاستثمار.

وتمنح هذه الرؤية الدبلوماسية الجزائرية مضمونًا اقتصاديًا ملموسًا. فاستعادة الحوار مع النيجر ومالي لا تبقى حبيسة البيانات، وإنما تترجم إلى مشروعات تجعل استقرار المنطقة ضرورة اقتصادية وسياسية للجميع.

كما تؤكد أن الجزائر لا تبحث عن جوار تابع، وإنما عن دول قوية تشاركها حماية الحدود والممرات والمصالح. وهذا هو المعنى الحقيقي للعمق الاستراتيجي: ألا تنتظر الدولة وصول الخطر إلى حدودها، بل تبني حولها بيئة استقرار وتنمية وتعاون تمنع إنتاجه.

إن أنبوب الغاز العابر للصحراء خط أحمر للأمن القومي الجزائري، لأنه يجمع في مشروع واحد مستقبل الطاقة ومكانة سوناطراك وأمن الحدود وتموقع الجزائر في إفريقيا. وكل محاولة لتعطيله أو زعزعة الدول التي يعبرها تمس مصالح الجزائر بصورة مباشرة.

وستدافع الجزائر عن مصالحها بكل قوة، وفق ما تراه مناسبًا وما تتيحه سيادتها وأدواتها السياسية والأمنية والاقتصادية. غير أن أقوى دفاع سيظل تسريع الإنجاز، وتوسيع استفادة النيجر، وربط الأنبوب بالطريق والألياف البصرية، وتحويله إلى مشروع لا تستطيع أي قوة تعطيله من دون الاصطدام بمصالح دول ومجتمعات كاملة.

وبقيادة الرئيس تبون، لم تعد الجزائر تتعامل مع الساحل باعتباره حزام مخاطر ينبغي احتواؤه، بل فضاءً استراتيجيًا يجب بناؤه. ومن نيجيريا إلى النيجر، ثم إلى حاسي الرمل والبحر المتوسط، يتشكل ممر جديد للطاقة الإفريقية، مركزه الجزائر، وحارسه الاستقرار، وقراره في يد الدول التي تملك الأرض والغاز والبنية التحتية.

#الجزائر#النيجر#انوب الغز العابر للصحراء
شارك المقال
الكاتب
عبد الجبار.ب
إيكونوميست
شارك المقال

البرازيل تتوّج الجزائر أكبر شريك لها في إفريقيا.. سوق بـ2.3 مليار دولار تتحول إلى قوة تفاوضية بيد تبون

البرازيل تتوّج الجزائر أكبر شريك لها في إفريقيا.. سوق بـ2.3 مليار دولار تتحول إلى قوة تفاوضية بيد تبون

بوابة الجزائر الإخبارية: لم يعد موقع الجزائر في الحسابات التجارية البرازيلية يُقاس بحجم مشترياتها من السكر والحبوب واللحوم فحسب، بل تحوّل إلى مكانة استراتيجية كرّستها برازيليا رسميًا: أكبر شريك تجاري للبرازيل في القارة الإفريقية، وثالث أكبر شريك لها في العالم العربي. ويأتي هذا التصنيف في وقت تعمل فيه الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، على الانتقال من إدارة الواردات لتغطية حاجات السوق إلى توظيف ثقلها الشرائي وانتزاع استثمارات ونقل للتكنولوجيا وشراكات إنتاجية تعزز أمنها الغذائي.

وحدّثت وزارة الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلية، يوم 26 أوت 2026، ملفها الرسمي المخصص للجزائر، مؤكدة أن الصادرات البرازيلية إلى السوق الوطنية قاربت 2.3 مليار دولار خلال 2024. كما أظهرت بيانات لاحقة مستندة إلى قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية استمرار الصادرات عند نحو 2.33 مليار دولار خلال 2025، بما يعكس رسوخ المبادلات عند مستويات مرتفعة، وليس تسجيل طفرة تجارية معزولة مرتبطة بسنة واحدة.

وتعني هذه المكانة أن الجزائر أصبحت أكبر منفذ إفريقي لقطاعات أساسية داخل واحدة من أضخم القوى الزراعية في العالم. فالبرازيل ليست موردًا هامشيًا للمنتجات الغذائية، وإنما قوة عالمية بلغ إجمالي صادراتها الزراعية نحو 169 مليار دولار، بحسب تقديرات حديثة، وتحتل مواقع متقدمة في تجارة السكر والصويا والذرة واللحوم والقهوة. ومع ذلك، تتصدر الجزائر جميع شركائها الأفارقة، ما يمنحها وزنًا تفاوضيًا قادرًا على إعادة تشكيل العلاقة بما يخدم الاقتصاد الوطني.

أربعة منتجات تصنع 83% من الصادرات

تكشف الأرقام البرازيلية أن أربع سلع فقط استحوذت على 1.902 مليار دولار من الصادرات المتجهة إلى الجزائر خلال 2024، أي نحو 82.7% من الإجمالي. وجاء سكر القصب في المقدمة بقيمة 953 مليون دولار، بما يعادل قرابة 41.4% من كامل المبيعات البرازيلية إلى السوق الوطنية.

وحلت الذرة ثانيًا بـ407 ملايين دولار، أو نحو 17.7% من الإجمالي، ثم الصويا بـ336 مليون دولار، بحصة تقارب 14.6%، تلتها اللحوم بـ206 ملايين دولار، بما يعادل نحو 9%. أما المنتجات الأخرى، فتقاسمت قرابة 398 مليون دولار، أو ما يزيد قليلًا على 17% من الصادرات.

وتوضح هذه التركيبة أن الجزائر ليست مجرد سوق استهلاكية للمنتجات النهائية، بل مشترٍ رئيسي لمدخلات تدخل مباشرة في منظومة الأمن الغذائي. فالذرة والمواد الصويية تمثلان مكونين أساسيين في صناعة الأعلاف وتربية الدواجن وإنتاج اللحوم والبيض، بينما يرتبط السكر بتموين الاستهلاك المنزلي والصناعات الغذائية والتحويلية.

كما تكشف مقارنة القيم أن السكر وحده تجاوز مجموع صادرات الذرة والصويا بنحو 210 ملايين دولار. وعلى الرغم من هيمنة هذا المنتج، فإن الوزن المجمع للحبوب والمواد البروتينية واللحوم يؤكد أن العلاقة التجارية تمس عدة حلقات داخل السلسلة الغذائية الجزائرية، من مدخلات الإنتاج الحيواني إلى المنتجات الموجهة مباشرة للمستهلك.

ولا ينبغي قراءة هذه الواردات باعتبارها مؤشر تبعية، وإنما ضمن سياسة تموين تديرها الجزائر وفق حجم الطلب والمخزون الوطني والإنتاج المحلي وتقلبات الأسواق الدولية. فقد أظهرت الأزمات العالمية الأخيرة أن الأمن الغذائي لا يقوم على الانغلاق، بل على الجمع بين زيادة الإنتاج الوطني وتنويع المناشئ وبناء مخزون استراتيجي يمنع تحول الاضطرابات الخارجية إلى ندرة داخلية.

وتبرز في هذا السياق الحنكة التي طبعت توجه الدولة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة. فسياسة الرئيس عبد المجيد تبون لم تتعامل مع الاستيراد باعتباره غاية دائمة، بل باعتباره أداة مرحلية لضبط السوق وحماية القدرة الشرائية، بالتوازي مع توسيع المساحات الزراعية، وتشجيع الزراعات الاستراتيجية، ورفع قدرات التخزين والتحويل، وجذب الاستثمارات الكبرى إلى الجنوب.

ويمنح الجمع بين قوة الشراء وبرامج الإنتاج الوطني الجزائر قدرة أكبر على التفاوض مع الموردين. فالسوق التي تستوعب صادرات بمليارات الدولارات ليست متلقيًا سلبيًا، وإنما شريك يملك حق المطالبة بأسعار أفضل، وشروط صحية دقيقة، واستثمارات محلية، ونقل للخبرة، وإدماج للمنتج الجزائري داخل سلاسل القيمة الجديدة.

قفزة بمليار دولار في ثلاث سنوات

وتظهر المقارنة الزمنية سرعة صعود الجزائر داخل خريطة الصادرات البرازيلية. فقد ارتفعت المبيعات البرازيلية الموجهة إليها من نحو 1.3 مليار دولار في 2021 إلى ما بين 2.2 و2.3 مليار دولار خلال 2024، أي بزيادة قاربت مليار دولار في ثلاث سنوات.

وتعادل هذه الزيادة نموًا يناهز 77% عند اعتماد 2.3 مليار دولار أساسًا للمقارنة، وهو تطور يصعب تفسيره بارتفاع الأسعار وحده. فقد تزامن مع اتساع الكميات، وتنويع المنتجات، وفتح مسارات صحية وتجارية جديدة، إلى جانب ارتفاع حاجات بعض سلاسل الإنتاج الجزائرية إلى المواد الأولية.

أما استمرار الصادرات البرازيلية في حدود 2.33 مليار دولار خلال 2025، وفق بيانات «UN Comtrade»، فيشير إلى أن التدفقات حافظت على قاعدة مرتفعة بعد قفزة السنوات السابقة. وبذلك لم تعد الجزائر سوقًا ترتفع مشترياتها في سنة ثم تتراجع سريعًا، بل شريكًا ثابتًا يستحق تخصيص أجهزة متابعة رسمية داخل الإدارة الزراعية البرازيلية.

وقد تجسد ذلك في تخصيص وزارة الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلية صفحة مستقلة للجزائر، إلى جانب تعيين ملحقة زراعية في السفارة البرازيلية بالجزائر العاصمة. ولا يتعلق هذا الحضور بوظيفة بروتوكولية، إذ يتولى متابعة القواعد الصحية والجمركية، ورصد فرص السوق، وتسهيل نفاذ المنتجات، وإعداد دراسات قطاعية تخدم المصدرين البرازيليين.

ويعني اهتمام برازيليا المؤسسي بالسوق الجزائرية أن مركز الثقل لم يعد في يد المورد وحده. فحين تنشئ قوة زراعية عالمية أدوات دائمة لفهم السوق الوطنية ومتابعة تشريعاتها، فإن ذلك يعكس إدراكًا بأن الوصول إلى الجزائر والمحافظة على حصتها التجارية فيها أصبحا هدفًا استراتيجيًا للشركات البرازيلية.

تبون يحوّل قوة الاستيراد إلى نفوذ اقتصادي

تكتسب المرتبة الجزائرية معناها الأعمق عند ربطها بالتحول الذي تشهده السياسة الاقتصادية الوطنية. فالرؤية التي يقودها الرئيس تبون لا تفصل بين حماية القدرة الشرائية وبناء السيادة الإنتاجية، ولا تتعامل مع تأمين الأسواق باعتباره نقيضًا لتطوير الزراعة المحلية.

ويظهر هذا التوازن في الأدوات التي استخدمتها الدولة لضبط الأسعار، ومنها الإعفاءات والتسهيلات الجبائية والجمركية المرتبطة ببعض المنتجات الغذائية، بالتوازي مع فرض رسوم على سلع أخرى لحماية التوازنات الإنتاجية الوطنية. وأشارت الوزارة البرازيلية إلى ترتيبات مست واردات اللحوم البيضاء المجمدة والبقول والأرز، فضلًا عن رسم جمركي بنسبة 5% على واردات الأبقار والأغنام الحية وبعض أنواع اللحوم.

غير أن بعض الإعفاءات الواردة في الصفحة البرازيلية كان محددًا زمنيًا إلى غاية 31 ديسمبر 2025، ولذلك لا يمكن تقديمها باعتبارها تدابير نافذة تلقائيًا خلال 2026 من دون الرجوع إلى التشريع الجزائري المحدّث. أما أهميتها الاقتصادية، فتتمثل في إظهار قدرة الدولة على استخدام السياسة الجمركية بصورة مرنة: تخفيف الرسوم عندما يتطلب تموين السوق ذلك، وإعادة ضبطها عندما تستدعي حماية الإنتاج الوطني تدخلًا مختلفًا.

وتعكس هذه المرونة مقاربة أكثر نضجًا في إدارة الأمن الغذائي. فالجزائر لا تسعى إلى استبدال الإنتاج الوطني بالاستيراد، كما لا تخضع تموين السوق لشعارات منفصلة عن الواقع؛ بل تستخدم المشتريات الخارجية لامتصاص الصدمات، مع الحفاظ على مسار استراتيجي يهدف إلى رفع الإنتاج المحلي وتقليص الفاتورة في المنتجات القابلة للزراعة أو التحويل داخل البلاد.

كما تمنح المرتبة الأولى إفريقيًا الجزائر ورقة قوية للانتقال من مجرد شراء الحبوب واللحوم إلى فرض محتوى استثماري داخل العلاقة. فالسوق التي توفر للبرازيل عائدات تتجاوز ملياري دولار سنويًا تستطيع أن تفاوض على إقامة وحدات لإنتاج الأعلاف، ومشروعات لتخزين الحبوب، ومصانع للتحويل الغذائي، وشراكات في تحسين السلالات والجينات النباتية والحيوانية.

فتح سوق الأغنام الحية

انتقل التعاون بين البلدين خلال 2025 إلى مرحلة جديدة بعد استكمال التفاوض بشأن الشهادة الصحية لتصدير الأغنام الحية من البرازيل إلى الجزائر. وصنفت وزارة الزراعة البرازيلية هذا الاتفاق بوصفه السوق رقم 101 التي فتحتها أمام منتجاتها خلال السنة، ورقم 401 منذ بداية 2023.

ولا يعني فتح المسار الصحي أن الجزائر أصبحت ملزمة باستيراد كميات ثابتة، بل يضيف منشأً جديدًا إلى قائمة الخيارات المتاحة، ويزيد القدرة على المفاضلة بين الأسعار والجودة وتكاليف النقل والشروط الصحية. وكلما اتسعت قاعدة الموردين، تحسنت قوة المشتري الجزائري وتراجعت مخاطر الارتهان لسوق واحدة.

كما ينسجم تنويع المناشئ مع سياسة ضبط السوق خلال فترات ارتفاع الطلب، خصوصًا المواسم التي تشهد زيادة استهلاك اللحوم. فوجود بروتوكول صحي جاهز يسمح بالتحرك عند الحاجة من دون بدء مفاوضات طويلة، بينما تظل الكميات الفعلية مرتبطة بقرار الجزائر وتقديرها لحاجات السوق الوطنية.

وسبق الاتفاق تنظيم وزارة الزراعة والثروة الحيوانية البرازيلية مهمة رسمية إلى الجزائر بين 26 و29 ماي 2025، ركزت على فرص التعاون في الجينات الحيوانية والنباتية والأسمدة والمواد الغذائية المحولة. ويوضح اتساع جدول الأعمال أن برازيليا تسعى إلى تجاوز السلع الأربع المهيمنة، والدخول في قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى.

لكن هذا التوسع يمكن أن يتحول بدوره إلى فرصة جزائرية إذا ارتبط الاستثمار بنقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي. فاستيراد الجينات الحيوانية أو النباتية يكتسب قيمة أكبر عندما يرفع مردودية القطعان والمحاصيل داخل الجزائر، بينما يصبح التعاون في الصناعات الغذائية أكثر جدوى إذا قاد إلى إنشاء وحدات تحويل وتشغيل يد عاملة جزائرية وتطوير سلسلة موردين محلية.

الجزائر تردّ بالأسمدة والنفط

لا تسير المبادلات في اتجاه واحد، رغم تفوق الصادرات البرازيلية في الميزان التجاري. فالجزائر تمد البرازيل بمنتجات استراتيجية يحتاج إليها اقتصادها الزراعي، وفي مقدمتها النفط والأسمدة، إلى جانب مواد معدنية وكيميائية أخرى.

وبلغت واردات البرازيل من الجزائر 413.8 مليون دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2025. واستحوذ النفط على 340.02 مليون دولار منها، ليظل أكبر منتج جزائري مبيعًا في السوق البرازيلية، رغم تراجع قيمته 29.9% وحجمه 24.9% مقارنة بالفترة نفسها من 2024.

أما الأسمدة الجزائرية، فقفزت قيمتها إلى 54.6 مليون دولار بين جانفي وأفريل 2025، بزيادة سنوية قدرها 44.2%. وجاءت في المرتبة الثانية بين أهم السلع الجزائرية التي تستوردها البرازيل بعد النفط، ما يكشف موقعًا قابلًا للتوسع داخل أحد أكبر أسواق الأسمدة عالميًا.

كما ارتفعت مشتريات البرازيل من مجموعة تضم الملح والكبريت والأحجار والإسمنت والجير إلى 10.6 ملايين دولار خلال الفترة نفسها، محققة نموًا بلغ 175.8%. وشمل الارتفاع أيضًا منتجات كيميائية غير عضوية والزجاج والفلين، بما يؤكد وجود قاعدة أولية لتنويع الصادرات الجزائرية خارج المحروقات.

وتكتسب الأسمدة أهمية استراتيجية خاصة لأن البرازيل، رغم قوتها الزراعية، تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتغطية حاجات حقولها الواسعة. وفي المقابل، تمتلك الجزائر الغاز الطبيعي والفوسفات والخبرة الصناعية اللازمة لتطوير إنتاج الأمونيا واليوريا والأسمدة الفوسفاتية.

ويحوّل هذا التكامل العلاقة من معادلة بسيطة تستورد فيها الجزائر الغذاء وتصدر الطاقة، إلى دائرة إنتاجية أوسع: الجزائر تزود البرازيل بالطاقة والأسمدة التي تدعم زراعتها، والبرازيل توفر منتجات زراعية ومدخلات غذائية تحتاج إليها السوق الجزائرية. غير أن المكسب الأكبر للجزائر سيأتي من توسيع صادراتها ذات القيمة المضافة، حتى لا تبقى المبادلات مختلة لمصلحة المنتجات البرازيلية.

ويعكس اهتمام وزارة الزراعة البرازيلية هذا التحول؛ إذ أدرجت خلال ماي 2026 دراسة بعنوان «الجزائر خيارًا لتوريد مدخلات الأسمدة»، ما يكشف أن البرازيل لم تعد تنظر إلى الجزائر باعتبارها سوقًا لمنتجاتها فقط، وإنما موردًا محتملًا لمدخلات استراتيجية يحتاج إليها قطاعها الزراعي.

كما نشرت الوزارة في أفريل 2026 دراسة حول «الاستخبارات السوقية ومسارات دخول المادة الوراثية للدواجن إلى الجزائر»، وأخرى في جوان حول استخدام تونس واجهةً للمنتجات البرازيلية الموجهة إلى المستهلك الجزائري. وتكشف هذه المتابعة الشهرية الدقيقة حجم المنافسة التي تخوضها المؤسسات البرازيلية للحفاظ على موقعها في السوق الوطنية، كما تعزز حاجة الجزائر إلى استثمار هذا الاهتمام للحصول على شروط تجارية وصناعية أفضل.

من فاتورة توريد إلى مصانع داخل الجزائر

يفتح حجم المبادلات الحالي مجالًا واسعًا لنقل العلاقة من التجارة إلى الاستثمار. فالجزائر التي اشترت سكرًا برازيليًا بقيمة 953 مليون دولار خلال سنة واحدة تملك حجم طلب يكفي لدعم مشروعات في التكرير والتخزين والتوزيع، بما يزيد القيمة المضافة المتحققة داخل الاقتصاد الوطني.

وينطبق الأمر ذاته على الذرة والصويا. فبدل الاقتصار على استيراد المواد الخام، يمكن توجيه الشراكة نحو إنتاج الأعلاف المركبة محليًا، وتطوير التخزين والنقل، وربط التوريد بعقود استثمار في تربية الدواجن وإنتاج اللحوم. وبذلك تتحول كل كمية مستوردة إلى حلقة داخل سلسلة صناعية جزائرية بدل بقائها فاتورة نهائية تغادر قيمتها نحو الخارج.

كما يمكن توظيف الخبرة البرازيلية في الزراعة المدارية وشبه الجافة، وتحسين السلالات، والزراعة الدقيقة وإدارة المزارع الكبرى، لخدمة المشاريع الجزائرية في الجنوب. ولا يتعلق ذلك بنقل نموذج جاهز، بل باختيار التقنيات التي تتلاءم مع الموارد المائية والمناخ والتربة والأهداف الإنتاجية الوطنية.

وتمنح المشاريع الزراعية الكبرى التي شجعتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة قاعدة عملية لهذا الانتقال. فالدولة لم تعد تكتفي بإدارة العجز الغذائي، وإنما تعمل على بناء إنتاج واسع في الحبوب والذرة والمواد الزيتية والحليب واللحوم، مع استقطاب رؤوس الأموال والخبرات التي تقبل التصنيع والإنتاج داخل البلاد.

وفي هذا الإطار، تستطيع العلاقة مع البرازيل أن تخدم استراتيجية الإحلال محل الواردات بدل تكريسها. فالخبرة البرازيلية في البذور والجينات وإدارة الإنتاج يمكن أن ترفع المردودية الجزائرية، بينما تضمن السوق الوطنية عائدًا استثماريًا للمشروعات المشتركة، وتوفر الجزائر بدورها مدخلات الطاقة والأسمدة والبنية التحتية والموقع الجغرافي.

الجزائر بوابة برازيلية نحو إفريقيا

لا تقتصر جاذبية الجزائر على حجم استهلاكها، إذ يمنحها موقعها المتوسطي وامتدادها الإفريقي وقاعدتها الصناعية وشبكات النقل الجاري تطويرها قيمة تتجاوز السوق المحلية. وبالنسبة إلى الشركات البرازيلية، يمكن أن تصبح الجزائر منصة لإنتاج وتخزين وتحويل سلع موجهة إلى شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والأسواق العربية.

غير أن هذا الدور ينبغي أن يُبنى وفق المصلحة الجزائرية، بحيث لا تتحول البلاد إلى مجرد معبر لإعادة تصدير المنتجات البرازيلية، بل إلى قاعدة تصنيع تولد الوظائف وتدمج المؤسسات الوطنية وتستخدم المدخلات المحلية. وهنا يظهر الفارق بين فتح السوق وبناء الشراكة: الأولى تزيد التدفقات التجارية، بينما الثانية تترك داخل الجزائر رأس مال صناعيًا ومعرفة تقنية وقيمة مضافة.

وتملك الجزائر، بقيادة الرئيس تبون، عناصر قوية لفرض هذا التحول. فهي أكبر شريك إفريقي للبرازيل، وسوق مستقرة تتجاوز مشترياتها ملياري دولار، ومورد للطاقة والأسمدة، إلى جانب امتلاكها بنى مينائية وطرقًا وخطوط سكك حديدية تتوسع باتجاه الجنوب.

وبذلك تستطيع الجزائر التفاوض من موقع الشريك الذي يمنح البرازيل منفذًا إلى إفريقيا، لا من موقع السوق التي تنتظر ما يعرضه المورد. كما يمكن ربط الامتيازات التجارية بإنشاء وحدات إنتاج، وتكوين الكفاءات، ونقل التكنولوجيا، ورفع نسبة الإدماج المحلي، وفتح السوق البرازيلية أمام المنتجات الجزائرية.

ولا يخلو الهيكل الحالي من مخاطر، إذ إن استحواذ السكر والذرة والصويا واللحوم على أكثر من أربعة أخماس الصادرات البرازيلية يجعل التجارة عرضة لتقلب أسعار المحاصيل وتكاليف الشحن وأسعار الصرف وحجم الإنتاج. كما قد يؤدي التركّز في منشأ واحد إلى ارتفاع درجة التعرض لأي اضطراب مناخي أو لوجستي داخل البرازيل.

لكن الجزائر تملك القدرة على إدارة هذه المخاطر عبر تنويع الموردين، وتوسيع المخزون، وزيادة الإنتاج المحلي، والتفاوض على عقود طويلة الأجل بشروط سعرية مستقرة. كما يمنحها حجم السوق القدرة على توزيع المشتريات بين عدة مناشئ من دون التفريط في الشراكات التي أثبتت موثوقيتها.

وفي المقابل، يشكل توسيع الصادرات الجزائرية إلى البرازيل أولوية لتحقيق توازن أكبر. ولا تبدأ هذه العملية من الصفر، إذ دخل النفط والأسمدة والمواد الكيميائية والمعدنية بالفعل إلى السوق البرازيلية. ويتمثل المطلوب في الانتقال من تدفقات متقطعة إلى عقود مستقرة، وإضافة منتجات بتروكيماوية وفوسفاتية وصناعية جديدة.

ويؤكد التصنيف الرسمي البرازيلي، في المحصلة، أن الجزائر أصبحت لاعبًا محوريًا داخل التجارة الإفريقية–اللاتينية، وليست مجرد سوق ضمن قائمة طويلة من وجهات التصدير. فقد قفزت مشترياتها من 1.3 مليار دولار إلى قرابة 2.3 مليار خلال ثلاث سنوات، واستقرت الصادرات البرازيلية عند مستويات مرتفعة، فيما ارتفعت صادرات الأسمدة الجزائرية 44.2% خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2025.

أما المرحلة المقبلة، فلن تُقاس فقط بحجم السكر والذرة والصويا واللحوم التي تعبر الأطلسي، وإنما بما تستطيع الجزائر توطينه من مصانع وخبرات وسلاسل إنتاج. فالقيمة الحقيقية لمكانتها بوصفها أكبر شريك للبرازيل في إفريقيا تكمن في تحويل القوة الشرائية إلى نفوذ تفاوضي، والنفوذ إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج وطني.

وهنا تتجلى أهمية الرؤية الاقتصادية للرئيس عبد المجيد تبون، التي أعادت للدولة موقعها في توجيه الشراكات الكبرى وربطها بالسيادة الاقتصادية والأمن الغذائي. فالجزائر لا تريد أن تبقى زبونًا كبيرًا للبرازيل، بل تتقدم لتصبح شريكها الإنتاجي والاستراتيجي في إفريقيا؛ دولة تشتري حين تقتضي حاجة السوق، وتنتج حين تتوافر الجدوى، وتفاوض بحجمها، وتحوّل كل علاقة تجارية إلى رافعة لبناء اقتصاد وطني أقوى وأكثر استقلالًا.

#البرازيل#الجزائر
شارك المقال
الكاتب
عبد الجبار.ب
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر تقتحم عمالقة سوق الطاقة الهندية.. سوناطراك تقفز إلى ثالث أكبر مورّد بـ110 آلاف طن

الجزائر تقتحم عمالقة سوق الطاقة الهندية.. سوناطراك تقفز إلى ثالث أكبر مورّد بـ110 آلاف طن

بوابة الجزائر الاخبارية: رفعت الجزائر صادراتها من غاز البترول المسال إلى الهند بأكثر من خمسة أضعاف خلال شهر واحد، لتنتقل مباشرة إلى المرتبة الثالثة بين أكبر موردي السوق الهندية خلال أوت 2026، بعد الولايات المتحدة والإمارات. ولم تعد القفزة الجزائرية مجرد استجابة عابرة لنقص الإمدادات الذي أحدثته أزمة مضيق هرمز، بل تحولت إلى اختراق تجاري قابل للاستدامة داخل ثاني أكبر سوق مستوردة لغاز الطهي في العالم، بالتزامن مع اقتراب سوناطراك من إبرام عقد سنوي قد يضمن تصدير ما يصل إلى 660 ألف طن خلال 2027.

وبلغت الشحنات الجزائرية الموجهة إلى الهند 110,711 طنًا خلال أوت، مقابل 22,244 طنًا في جوان و21,642 طنًا في جويلية، ما يعكس انتقالًا سريعًا من مرحلة اختبار السوق إلى تزويدها بكميات تجارية كبيرة. وارتفعت الصادرات بنحو 398% مقارنة بجوان وبأكثر من 411% قياسًا بجويلية، بينما تجاوزت كمية أوت وحدها مجموع صادرات الشهرين السابقين، البالغ 43,886 طنًا، بأكثر من مرتين ونصف.

وتحمل هذه الأرقام دلالة تتجاوز ترتيب الموردين، لأنها تكشف قدرة الجزائر على تحويل اضطراب عالمي في سلاسل الإمداد إلى حصة فعلية داخل سوق بعيدة وشديدة التنافس. كما تعكس نجاعة التوجه الاقتصادي الذي يقوده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون نحو تنويع منافذ الصادرات الجزائرية، وتوسيع الحضور التجاري لسوناطراك خارج الأسواق الأوروبية التقليدية، وبناء شراكات طويلة الأجل مع القوى الاقتصادية الآسيوية الصاعدة.

قفزة بـ411% إلى المركز الثالث

وأظهرت بيانات شركة تتبع الشحنات والسلع «Kpler»، التي أوردتها صحيفة «Mint» الهندية في تقريرها الصادر يوم الجمعة 28 أوت، أن الهند استوردت قرابة 1.08 مليون طن من غاز البترول المسال خلال الشهر حتى تاريخ إعداد الإحصاءات. وتصدرت الولايات المتحدة قائمة الموردين بـ622,536 طنًا، تلتها الإمارات بـ140,266 طنًا، ثم الجزائر بـ110,711 طنًا.

وبحساب الكميات المعلنة، استحوذت الجزائر على نحو 10.25% من إجمالي الواردات الهندية خلال الفترة، مقابل 57.6% للولايات المتحدة وقرابة 13% للإمارات. واستأثرت الدول الثلاث مجتمعة بنحو 81% من الإمدادات، في وقت أعادت فيه نيودلهي رسم خريطة تموينها بوتيرة متسارعة بعد اضطراب الشحنات التقليدية القادمة من الخليج.

ويمنح تجاوز الحصة الجزائرية عتبة 10% خلال ثالث شهر فقط من استئناف التوريد مؤشرًا قويًا على مرونة المنظومة التصديرية الوطنية. فسوناطراك لم تدخل السوق الهندية بحجم رمزي، وإنما رفعت إمداداتها إلى مستوى يعادل حمولة ناقلتين كبيرتين للغاز تقريبًا، مؤكدة قدرتها على الاستجابة السريعة لطلبات إحدى أضخم أسواق الطاقة المنزلية في العالم.

كما يبرز هذا الأداء ثمرة الخبرة الجزائرية المتراكمة في إنتاج البروبان والبيوتان ومعالجتهما وتسويقهما، فضلًا عن امتلاك منشآت تصدير على الساحل المتوسطي وشبكة تجارية قادرة على إعادة توجيه الشحنات وفق تحولات الطلب العالمي. وبدل البقاء رهينة سوق جغرافية واحدة، عززت الجزائر قدرتها على التحرك بين أوروبا وإفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، مستفيدة من حنكة سوناطراك في اقتناص الفرص التي تحدثها التحولات الجيوسياسية.

أزمة هرمز تفتح أبواب الهند

وجاء الاختراق الجزائري في ظرف تواجه فيه الهند واحدة من أعقد أزمات تموين غاز الطهي خلال السنوات الأخيرة. فقبل اندلاع الحرب مع إيران يوم 28 فيفري 2026 واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، كانت البلاد تستورد نحو مليوني طن شهريًا، يأتي قرابة 90% منها من الشرق الأوسط، ولا سيما السعودية والإمارات وقطر والكويت.

غير أن تعطل جزء من التدفقات عبر المضيق أدى إلى هبوط الواردات الهندية إلى 696 ألف طن في أفريل، قبل أن تتعافى إلى 1.15 مليون طن خلال ماي بفضل مشتريات استثنائية من الولايات المتحدة وموردين جدد. وأصبح أمن الإمدادات قضية داخلية حساسة بالنسبة إلى نيودلهي، نظرًا إلى ارتباط غاز البترول المسال بتموين ملايين الأسر الهندية بقارورات الطهي.

وتستهلك الهند سنويًا ما بين 31 و32 مليون طن من هذه المادة، وتغطي الواردات نحو 60% إلى 65% من احتياجاتها، ما يجعلها ثاني أكبر مستورد عالمي. ولذلك لم يكن البحث عن بدائل لمسارات الخليج خيارًا تجاريًا اعتياديًا، بل ضرورة لحماية السوق الداخلية وتفادي اتساع نقص التموين.

وقد اضطرت الحكومة الهندية إلى منح الأولوية للاستهلاك المنزلي، وتقييد بعض المشتريات التجارية، وتعليق توصيلات جديدة مؤقتًا، إلى جانب تسريع الاعتماد على الغاز الطبيعي الموزع عبر الأنابيب. وداخل هذه الأزمة، ظهرت الجزائر موردًا قادرًا على الجمع بين توافر الكميات، وجودة المنتج، والتنافسية السعرية، والأهم امتلاك مسار تصدير مستقل عن مضيق هرمز.

فالشحنة الجزائرية لا تحتاج إلى عبور نقطة الاختناق التي تتحكم في جزء معتبر من تجارة الطاقة العالمية، وهو ما يمنحها قيمة استراتيجية تتجاوز سعر الطن. وبينما أصبحت الإمدادات الخليجية معرضة لمخاطر التأخير وارتفاع أقساط التأمين واضطراب حركة الناقلات، تخرج الشحنات الجزائرية من الموانئ المتوسطية نحو المحيط الهندي من دون المرور عبر المضيق.

صحيح أن المسافة بين الجزائر والهند أطول مقارنة بموردي الخليج، غير أن استقلال المسار البحري عن هرمز، إلى جانب السعر التنافسي للغاز الجزائري، يحدان من أثر الكلفة اللوجستية الإضافية. ويكشف نجاح سوناطراك في رفع صادراتها إلى أكثر من 110 آلاف طن خلال أوت أن عامل المسافة لم يمنع المنتج الجزائري من فرض نفسه تجاريًا داخل السوق الهندية.

سوناطراك تجتاز اختبار السوق

وبدأ هذا المسار بشحنة بلغت 22,243.79 طنًا خلال جوان، أعقبتها كمية قدرها 21,642.23 طنًا في جويلية، قبل أن تقفز التدفقات إلى 110,711 طنًا في أوت. ويشير هذا التسلسل إلى أن الهند لم تتعامل مع الجزائر باعتبارها مورد إنقاذ لشحنة واحدة، بل وسعت مشترياتها بعد اختبار القدرة على التسليم ونوعية المنتج ومدى ملاءمته لاحتياجاتها.

ويؤكد تجاوز صادرات أوت مجموع كميات جوان وجويلية بأكثر من مرتين ونصف أن العلاقة التجارية تخطت مرحلة جس النبض. كما يبرهن تسارع الشحنات خلال مدة قصيرة على جاهزية سوناطراك لتعبئة الكميات وتوجيهها نحو وجهة بعيدة عندما تفتح الأسواق نافذة تجارية مواتية.

وتمثل هذه القدرة عنصرًا حاسمًا في سوق غاز البترول المسال، حيث لا تكفي وفرة المنتج وحدها للفوز بالعقود، بل تتطلب المنافسة انتظام التحميل، واحترام آجال التسليم، ومرونة المزج بين البروبان والبيوتان، وسرعة الاستجابة لتحولات الطلب.

ويعكس الوصول إلى المركز الثالث خلال أوت نجاحًا أوليًا لهذه العناصر مجتمعة. فالأسواق الكبرى لا تمنح حصة تتجاوز 10% لمورد جديد اعتمادًا على الخطاب، وإنما بناءً على قدرته الفعلية على توفير الكمية المناسبة، بالمواصفات المطلوبة، وفي التوقيت الذي تحتاج إليه السوق.

عقد 2027 يرسّخ الحضور الجزائري

كما تزامنت القفزة مع تقدم المفاوضات بين سوناطراك ومؤسسة النفط الهندية «Indian Oil Corporation»، أكبر شركة تكرير في البلاد، بشأن عقد توريد يغطي سنة 2027. ووفق معلومات نشرتها وكالة «رويترز»، يُنتظر أن يتضمن الاتفاق شحنة شهرية من مزيج البروبان والبيوتان تتراوح حمولتها بين 45 ألفًا و55 ألف طن، وفق صيغة التسليم على ظهر السفينة «FOB».

وفي حال تنفيذ العقد عند الحد الأدنى، ستصدر الجزائر نحو 540 ألف طن إلى الهند خلال سنة واحدة، بينما ترتفع الكمية إلى 660 ألف طن عند الحد الأعلى. ويمنح هذا الحجم سوناطراك منفذًا منتظمًا وقابلًا للتوقع، بدل الاقتصار على الصفقات الفورية التي تتغير تبعًا للأسعار والطلب وتوافر الناقلات.

أما بالنسبة إلى الهند، فيوفر العقد موردًا ضخمًا خارج منطقة الخليج ومسارات هرمز، بما يعزز تنويع الإمدادات ويقلص درجة تعرض السوق الهندية للصدمات الجيوسياسية. ومن ثم، لا يتعلق الأمر بصفقة بيع عادية، بل ببناء علاقة تجارية تحقق للجزائر استقرار الطلب، وتمنح نيودلهي هامشًا أكبر لحماية أمنها الطاقوي.

وتكشف مقارنة حجم أوت بالكميات المتوقعة في العقد السنوي مدى التقدم الذي حققته سوناطراك قبل بداية الالتزام الرسمي. فقد صدرت الجزائر خلال شهر واحد أكثر من ضعف الحد الأعلى للشحنة الشهرية المتداولة في مفاوضات 2027، ما يعني أن قدرتها على توفير الكميات وتسريع التحميل خضعت عمليًا لاختبار واسع داخل السوق.

وكانت «Indian Oil» قد تعاملت سابقًا مع سوناطراك ضمن عقد منتظم، قبل أن تحول جزءًا من مشترياتها إلى موردي الشرق الأوسط. غير أن أزمة هرمز أعادت إبراز القيمة الاستراتيجية للجزائر، وأثبتت أن تنويع الموردين لا يقاس فقط بفروق الأسعار، وإنما أيضًا بسلامة المسارات وقدرة المنتج على الوفاء بالتزاماته عند تعطل مصادر أخرى.

السعر والمسار يحسمان المنافسة

كما أفادت المصادر التجارية التي نقلتها «رويترز» بأن الغاز الجزائري عُرض بسعر يقل عن السعر التعاقدي المرجعي لشركة أرامكو السعودية. وتمثل هذه الميزة عنصرًا حاسمًا لتعويض طول المسافة البحرية، وتؤكد قدرة سوناطراك على إدارة معادلة دقيقة تجمع بين حماية هامشها التجاري وتقديم عرض جذاب للمشتري الهندي.

وتنص صيغة «FOB» على تسليم سوناطراك الكميات على متن الناقلة في ميناء التحميل، بينما يتولى المشتري توفير السفينة ودفع تكاليف النقل والتأمين إلى الهند. وتحد هذه الآلية من تعرض الجانب الجزائري لتقلب أجور الشحن على رحلة طويلة، وتتيح لـ«Indian Oil» التحكم في الناقلات ومواعيد الاستلام وفق مستوى المخزونات وحاجة السوق.

ويعكس اختيار هذه الصيغة خبرة تفاوضية جزائرية تحمي تنافسية المنتج من دون تحميل المصدر مخاطر لوجستية مفتوحة. كما يسمح لسوناطراك بالتركيز على انتظام الإنتاج والتحميل، في حين يدير الطرف الهندي الشحن باعتباره يمتلك قدرة تفاوضية كبيرة مع ملاك الناقلات بحكم ضخامة مشترياته السنوية.

وخلال أوت، حددت سوناطراك أسعار البيع الرسمية للبروبان عند 540 دولارًا للطن والبيوتان عند 570 دولارًا، بارتفاع شهري بلغ 100 دولار للأول و90 دولارًا للثاني، وفق بيانات وكالة تسعير الطاقة «Argus». وجاءت الزيادة عقب انخفاضات قوية خلال جويلية، في انعكاس مباشر لنقص الإمدادات وارتفاع الطلب الآسيوي وإعادة تسعير المخاطر اللوجستية.

ولا تكفي الأسعار الرسمية وحدها لاحتساب القيمة الدقيقة للشحنات الجزائرية إلى الهند، لأن العائد النهائي يتأثر بنسبة البروبان إلى البيوتان داخل كل شحنة، والخصومات التجارية، وتاريخ التسعير، وبقية الشروط التعاقدية. غير أن رفع الكمية من 21,642 طنًا في جويلية إلى 110,711 طنًا في أوت يعني بالضرورة توسعًا كبيرًا في رقم الأعمال المتولد من السوق الهندية.

وإذا استُخدمت الأسعار الرسمية لشهر أوت مؤشرًا تقريبيًا فقط، فإن القيمة النظرية للكمية المصدرة قد تدور في نطاق يقترب من 60 مليون دولار، تبعًا إلى تركيبة الشحنات. غير أن هذا التقدير لا يمثل رقمًا تعاقديًا نهائيًا، ولا يمكن اعتماده بوصفه إيرادًا فعليًا قبل معرفة تفاصيل المزيج والأسعار المتفق عليها.

وتكتسب زيادة العائدات أهميتها من كونها جاءت عبر توسيع جغرافي حقيقي لمحفظة الزبائن، وليس بفعل ارتفاع الأسعار وحده. فكل عقد جديد في آسيا يقلص تركز الصادرات داخل السوق الأوروبية، ويزيد قدرة سوناطراك على المفاضلة بين الوجهات وفق العائد والكلفة والطلب.

تبون يقود التوسع نحو آسيا

كما يضيف التوجه نحو الهند بعدًا جديدًا إلى الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية التي تعمل، بتوجيه من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، على نقل العلاقات مع الشركاء الكبار من المبادلات التقليدية إلى شراكات إنتاج وطاقة واستثمار. وتوفر الهند، بما تمثله من قوة اقتصادية وديمغرافية متصاعدة، سوقًا واسعة يمكن أن تتجاوز فيها العلاقة غاز البترول المسال إلى النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والأسمدة والبتروكيمياء والخدمات الهندسية.

ووفق صحيفة «Mint»، تُعد سوناطراك ثاني أكبر مصدر لغاز البترول المسال عالميًا بعد أرامكو السعودية. وتستمد هذا الموقع من قاعدة إنتاج متكاملة تشمل معالجة الغاز الطبيعي وتكرير النفط، ومن منشآت ساحلية قادرة على تحميل البروبان والبيوتان وتوجيههما إلى أسواق متعددة.

ولا يُختزل هذا التصنيف في وفرة الموارد، بل يرتبط بخبرة جزائرية تمتد لعقود في إدارة الحقول والمنشآت والوحدات الصناعية وسلاسل التصدير. وقد حافظت سوناطراك على مكانتها باعتبارها ذراعًا سيادية للاقتصاد الوطني، وفي الوقت نفسه طورت مرونتها التجارية بما يسمح لها بدخول أسواق بعيدة عندما تفتح التحولات الدولية فرصًا جديدة.

وتظهر هذه المرونة بوضوح عند مقارنة الأداء الجزائري بتراجع بعض الموردين التقليديين. فقد هبطت واردات الهند من الإمارات إلى نحو 140 ألف طن خلال أوت، بينما بلغت الإمدادات القطرية قرابة 60 ألف طن، في حين لم تسجل الهند أي شحنة سعودية خلال جويلية وأوت، وفق بيانات «Kpler».

وفي المقابل، تصدرت الولايات المتحدة موردي الهند بـ622,536 طنًا خلال أوت، بعدما كثفت نيودلهي مشترياتها من السوق الأميركية لتعويض النقص الخليجي. غير أن طول الرحلة من السواحل الأميركية وارتفاع كلفة النقل دفعا الشركات الهندية إلى البحث عن بدائل إضافية، برزت بينها الجزائر إلى جانب نيجيريا وأنغولا وعُمان.

من فرصة ظرفية إلى حصة دائمة

ومن شأن هذا التنويع أن يزيد المنافسة داخل السوق الهندية بعد عودة تدفقات الخليج إلى مستوياتها الطبيعية. ولذلك لن يكون التحدي الحقيقي أمام الجزائر الوصول إلى المرتبة الثالثة فقط، بل تحويل الحصة التي انتزعتها في زمن الأزمة إلى موطئ قدم دائم بعد تراجع الاضطرابات.

وتملك سوناطراك عناصر تدعم هذا الطموح، في مقدمتها القدرة الإنتاجية، والخبرة الفنية، والتسعير التنافسي، ومرونة منشآت التصدير، إلى جانب مسار بحري لا يرتبط بمضيق هرمز. ويضاف إليها عقد 2027 المرتقب، الذي يمكن أن ينقل العلاقة من المبيعات الفورية إلى برنامج إمداد شهري منتظم.

وفي حال استقرت الكمية السنوية عند 660 ألف طن، فستحجز الجزائر حصة معتبرة داخل مشتريات شركة «Indian Oil»، وقد يفتح انتظام التدفقات المجال أمام شركات هندية أخرى لإدراج سوناطراك ضمن عقودها المتوسطة والطويلة الأجل. كما يمكن لهذا النجاح أن يعزز موقع الشركة الجزائرية عند التفاوض مع أسواق آسيوية أخرى تبحث عن تنويع مصادر غاز الطهي.

وتؤكد القفزة من 22 ألف طن في جوان إلى أكثر من 110 آلاف طن في أوت أن الجزائر لم تراقب أزمة الإمدادات من الهامش، بل تحركت بسرعة وحولت الاختناق الجيوسياسي إلى منفذ تجاري جديد. كما برهنت على أن المورد الموثوق لا يُقاس بقربه الجغرافي فقط، وإنما بقدرته على إيصال الكميات في الوقت الذي يعجز فيه الآخرون عن ذلك.

وبذلك، تشكل المرتبة الثالثة نتيجة مباشرة لسياسة طاقوية أكثر انفتاحًا على الأسواق العالمية، تقودها رؤية رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لترسيخ الجزائر قوة طاقوية موثوقة، وتنفذها سوناطراك بخبرة تفاوضية وتجارية أثبتت قدرتها على حماية مصالح البلاد واقتناص التحولات الدولية.

فالجزائر لم تدخل السوق الهندية كبديل اضطراري ينتظر انتهاء أزمة هرمز، بل دخلتها بمنتج تنافسي، وقدرة تصديرية مثبتة، ومسار آمن، ومفاوضات متقدمة بشأن عقد سنوي. وما بدأ بشحنة محدودة في جوان أصبح، خلال أقل من ثلاثة أشهر، حصة تفوق 10% ومرتبة ثالثة بين الموردين، لتتحول الأزمة التي أربكت كبار مصدري الخليج إلى نافذة وسعت من خلالها الجزائر خريطة نفوذها الطاقوي وفتحت لسوناطراك أحد أكبر أبواب النمو في آسيا

#الجزائر#الهند#سوناطراك
شارك المقال
الكاتب
عبد الجبار.ب
إيكونوميست
شارك المقال

الأوفشور الجزائري يدخل مرحلة التقييم الاستثماري.. SLB تعيد رسم 130 ألف كلم² من المجال البحري

الأوفشور الجزائري يدخل مرحلة التقييم الاستثماري.. SLB تعيد رسم 130 ألف كلم² من المجال البحري

بوابة الجزائر الإخبارية: دخل الأوفشور الجزائري مرحلة جديدة من التقييم بعدما أعادت شركة SLB، بالشراكة مع الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات «ألنفط»، معالجة قاعدة واسعة من البيانات الزلزالية البحرية، بما سمح بإعادة بناء صورة أكثر دقة للنظام البترولي على امتداد أكثر من 130 ألف كيلومتر مربع من المجال البحري الذي ظل لعقود من أقل المناطق استكشافًا في الجزائر.

وتشمل العملية نحو 15 ألف كيلومتر خطي من المسوحات الزلزالية ثنائية الأبعاد الممتدة على طول الساحل، في وقت لا يتجاوز فيه عدد الآبار الاستكشافية المحفورة في المجال البحري، وفق معطيات SLB، ثلاثة آبار فقط. وهو تفاوت يبرز حجم المساحة التي بقيت خارج الاختبار المباشر بالحفر رغم امتلاك الجزائر واحدًا من أقدم وأكبر القطاعات النفطية والغازية في المنطقة.

وتضع SLB النتائج الجديدة ضمن مستوى مختلف من الجاذبية الاستثمارية، بعدما سمحت تقنيات إعادة التصوير العميق بتحسين رؤية التكوينات الجيولوجية فوق الطبقات الملحية وداخلها وتحتها، ورفع مستوى الثقة في تحديد المصائد والأهداف المحتملة والخزانات.

ولا تعني هذه النتائج اكتشاف احتياطات تجارية جديدة في البحر، لكنها تقلص أحد أهم عناصر المخاطر التي تسبق قرار الحفر، وهو ضعف المعرفة الجيولوجية الدقيقة. فكلما تحسنت جودة الصورة تحت السطح، أصبح المستثمر قادرًا على تقييم احتمال النجاح وتحديد الهدف وكلفة البئر بدرجة أكبر من الدقة قبل الالتزام ببرنامج استكشاف بحري مرتفع التكاليف.

ويأتي هذا العمل في إطار مشروع EXALT – Explore Algeria Today، الذي أطلقته «ألنفط» وSLB سنة 2023 بهدف إعادة معالجة وتجميع بيانات باطن الأرض الجزائرية ورفع قيمتها التقنية والتجارية، بحيث تتحول الأرشيفات الجيولوجية القديمة إلى قاعدة حديثة قابلة للاستخدام من طرف الشركات الراغبة في تقييم فرص الاستكشاف.

وتشير القراءة الجديدة، وفق العرض الذي نشرته SLB، إلى وجود وحدتين محتملتين للصخور المصدرية، إلى جانب مؤشرات تدعم احتمال وجود نظام بترولي فعال من حيث توليد المحروقات وهجرتها واحتجازها، فضلًا عن مجموعة من الأهداف الاستكشافية موزعة على مستويات طبقية وتراكيب جيولوجية مختلفة.

وتتقاطع هذه النتائج مع التقسيم الجيولوجي الذي تعتمده «ألنفط» للمجال البحري الجزائري، الموزع بين حوض ألبوران غربًا والحوض الجزائري–البروفنسالي في الوسط والشرق، في بيئة جيولوجية معقدة مرتبطة بتقارب الصفيحتين الإفريقية والأوروبية.

وتصل أعماق المياه في أجزاء من هذا المجال إلى أكثر من ثلاثة آلاف متر، مع جرف قاري ضيق وانحدارات بحرية حادة، ما يجعل الاستثمار في المياه العميقة وفائقة العمق أكثر تعقيدًا من الاستكشاف في معظم الأحواض البرية الجزائرية، لكنه في المقابل يفتح مجالًا واسعًا أمام شركات تمتلك التكنولوجيا والخبرة المالية اللازمة للعمل في البيئات البحرية المعقدة.

من ملف جيولوجي إلى أصل قابل للتسويق

تكمن أهمية EXALT في أنه ينقل الملف البحري من مرحلة تجميع المعلومات إلى مرحلة إعداد مادة تقنية قابلة للتسويق أمام المستثمر.

فالمستثمر لا يدخل منطقة بحرية بناءً على حجمها فقط، بل على جودة البيانات المتعلقة بالصخور المصدرية والخزانات والمصائد وسلامة الأغطية ومسارات الهجرة البترولية. وكل نقص في هذه العناصر يرفع كلفة عدم اليقين ويؤثر مباشرة في قرار الحفر.

ومن هنا يأتي توصيف SLB للأوفشور الجزائري باعتباره فرصة يمكن أن تكون جذابة تجاريًا مع مخاطر جيولوجية قابلة للإدارة، بعد تحسين جودة البيانات وإعادة تفسيرها.

غير أن المرحلة الحاسمة ستبقى مرتبطة بالحفر. فالنماذج الزلزالية والمؤشرات الجيوفيزيائية يمكن أن تحدد أهدافًا واعدة، لكنها لا تتحول إلى احتياطيات مؤكدة قبل اختبارها بآبار استكشافية وعمليات تقييم وقياس اقتصادي للمكمن.

ويبرز هذا التحدي بوضوح في العدد المحدود للآبار التي حُفرت حتى الآن. فثلاثة آبار فقط في مجال يتجاوز 130 ألف كيلومتر مربع تعني أن نسبة كبيرة من الأوفشور الجزائري ما تزال غير مختبرة مباشرة، وهو ما يفسر وصف SLB له بأنه من المقاطعات الهيدروكربونية الحدودية القليلة الاستكشاف.

ولا يبدأ اهتمام الجزائر بالأوفشور من البرنامج الحالي. ففي أكتوبر 2018، دخلت سوناطراك في اتفاقات مع Eni وTotal لدراسة إمكانات الاستكشاف البحري، وكانت Eni قد وصفت المجال في ذلك الوقت بأنه شبه غير مستكشف.

لكن التطور الحالي يختلف من حيث المقاربة، لأن EXALT لا يرتبط برقعة واحدة أو شركة واحدة، بل يبني قاعدة بيانات أوسع تستطيع «ألنفط» استخدامها لاحقًا في إعداد فرص استثمارية مفتوحة أمام عدد أكبر من المشغلين.

كما جاء عام 2026 ليمنح هذا التوجه بعدًا إضافيًا، بعدما خصصت «ألنفط» والجمعية الأوروبية لعلماء ومهندسي الجيولوجيا EAGE ورشة دولية للأوفشور الجزائري العميق وفائق العمق، عقدت في الجزائر بين 11 و13 ماي، وركزت على الإمكانات الجيولوجية وتقنيات اقتناء ومعالجة البيانات وفرص الاستثمار.

وتزامن ذلك مع إطلاق Algeria Bid Round 2026 في أفريل، في استمرار لسياسة إعادة تنشيط جولات التراخيص بعد الجولة السابقة التي انتهت بتوقيع خمسة عقود محروقات جديدة.

غير أن الرقع المطروحة في جولة 2026 الحالية برية، ولا تشمل مناطق بحرية، ما يعني أن نتائج EXALT لا تمثل إعلانًا عن جولة أوفشور جديدة ولا عن بدء الحفر في البحر.

وتكمن قيمتها في إعداد الأرضية التقنية التي يمكن أن تستند إليها «ألنفط» إذا قررت في مرحلة لاحقة طرح مناطق بحرية أمام المستثمرين.

كما يعزز فتح غرف البيانات الافتراضية خلال 2026 هذا المسار، بعدما أصبح بإمكان الشركات تحليل ملفات الرقع والمعلومات التقنية عن بعد ضمن بيئة رقمية مؤمنة، وهو توجه يتكامل مباشرة مع هدف EXALT في رفع قيمة البيانات الجيولوجية وتحويلها إلى أداة جذب لرأس المال الاستكشافي.

الرهان ينتقل إلى قرار الحفر

تصل الجزائر اليوم إلى مرحلة يصبح فيها السؤال أقل ارتباطًا بوجود مؤشرات جيولوجية وأكثر ارتباطًا بمدى استعداد المستثمر لتحويلها إلى بئر.

فالحفر البحري، خاصة في المياه العميقة وفائقة العمق، يحتاج إلى استثمارات كبيرة، وسفن ومنصات متخصصة، وخدمات لوجستية وتقنية عالية الكلفة، ما يجعل جودة المعلومات السابقة للحفر عاملًا حاسمًا في جذب الشركات.

ولهذا يمثل مشروع إعادة معالجة 15 ألف كيلومتر من البيانات خطوة اقتصادية بقدر ما هو عملية تقنية.

فالجزائر لا تضيف احتياطيات جديدة بمجرد تحسين الصور الزلزالية، لكنها ترفع القيمة الاستثمارية للمعلومة نفسها، وتقلل نسبة المخاطر التي يتحملها المستثمر قبل أن يتخذ قراره.

ويأتي هذا التحرك ضمن سياسة أوسع لتجديد موارد المحروقات ورفع جهود الاستكشاف، في وقت تؤكد فيه سوناطراك أن المجال المنجمي الجزائري يمتد على نحو 1.5 مليون كيلومتر مربع وأن أجزاء معتبرة منه ما تزال غير مستكشفة بالكامل.

وقد ظهر هذا التوجه بالفعل في الأحواض البرية، حيث سمحت جولة 2024 بإبرام عقود جديدة مع شركات دولية، بينها رخصة Ahara التي دخلت فيها TotalEnergies وQatarEnergy إلى جانب سوناطراك.

كما سبقت جولة 2026 عملية Nomination Process شملت مجموعة من المشاريع وأتاحت للشركات إبداء اهتمامها والمساهمة في تحديد المناطق الأكثر جاذبية قبل طرح الرقع رسميًا.

وفي هذا السياق، يمثل EXALT امتدادًا بحريًا للمنطق نفسه: تحسين المعلومات أولًا، خفض المخاطر الفنية، ثم تقديم فرصة أكثر وضوحًا للمستثمر.

وبذلك، فإن الرقم الأهم في الأوفشور الجزائري اليوم لا يتعلق باحتياطي نفطي أو غازي معلن، بل بمساحة بحرية تتجاوز 130 ألف كيلومتر مربع أُعيدت قراءتها على أساس تقني جديد بعد معالجة 15 ألف كيلومتر من البيانات، في مقابل سجل حفر لا يتجاوز ثلاثة آبار.

وتمنح هذه المعادلة الجزائر أصلًا استكشافيًا واسعًا لم يُختبر بعد بالقدر الذي يتناسب مع حجمه، بينما تمثل البيانات المحسنة أول خطوة عملية نحو تحويله من مجال جيولوجي غير مكتشف نسبيًا إلى فرصة استثمار يمكن عرضها بصورة أكثر تنافسية أمام شركات الطاقة الدولية.

أما الانتقال الحقيقي إلى مرحلة جديدة فسيبدأ عندما تتحول إحدى هذه الفرص من شاشة التفسير الزلزالي إلى منصة حفر، لأن البئر الأولى الناجحة وحدها قادرة على نقل الأوفشور الجزائري من خانة الإمكانات إلى خانة الموارد القابلة للتقييم والتطوير.

#الأوفشور الجزائري#الجزائر
شارك المقال
الكاتب
عبد الجبار.ب
إيكونوميست
شارك المقال

3 مشاريع استراتيجية كبرى تتصدر محادثات جزائرية نيجرية على أعلى مستوى!

3 مشاريع استراتيجية كبرى تتصدر محادثات جزائرية نيجرية على أعلى مستوى!

بوابة الجزائر الإخبارية : أجرى الوزير الأول الجزائري سيفي غريب، اليوم بقصر الحكومة محادثات ثنائية مع الوزير الأول لجمهورية النيجر ، علي محمد الأمين زين، الذي يقوم بزيارة عمل إلى الجزائر على رأس وفد رفيع المستوى.

https://twitter.com/algeriagateplus/status/2092904456035635532?s=46

وأعقب هذه المحادثات،وفقا لما أوردته الوزارة الأولى، لقاء موسّع ضم وفدي البلدين، تم خلاله استعراض مختلف أوجه التعاون بين الجزائر والنيجر، وتبادل وجهات النظر حول عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وبهذه المناسبة، ذكّر الطرفان بعمق علاقات الأخوّة والتضامن وحسن الجوار التي تجمع البلدين، وأثنيا على الديناميكية غير المسبوقة التي تطبع هذه العلاقات، والتي تشهد مرحلة متسارعة من التطور والتوسع في شتى المجالات، بفضل الإرادة السياسية القوية لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، وأخيه الفريق أول عبد الرحمان تياني، رئيس جمهورية النيجر الشقيقة.

وفي هذا السياق، أشار الجانبان إلى الدفعة النوعية التي منحها قائدا البلدين للعلاقات الثنائية منذ شهر فبراير الماضي، بمناسبة زيارة رئيس جمهورية النيجر إلى الجزائر، والتي سمحت بالمضي قدماً في مسار الارتقاء بهذه العلاقات إلى مستوى تطلعات الشعبين الشقيقين.

كما أعرب الطرفان عن ارتياحهما للتقدم الملموس في تنفيذ الاتفاقيات والمشاريع المشتركة التي تم إبرامها خلال الدورة الثانية للجنة الكبرى المشتركة الجزائريةالنيجرية في مارس المنصرم، والتي تُرجمت على أرض الواقع بإنجاز العديد من المشاريع، مؤكدين عزمهما على مواصلة العمل الحثيث لتسريع وتيرة إنجاز ما تبقى منها.

وتطرق الجانبان، بهذه المناسبة، إلى سبل ضمان استدامة هذه الشراكة المتوازنة والمثمرة، واستكشاف آفاق جديدة لتعميقها وتوسيعها، من خلال استغلال الإمكانيات الكبيرة التي يزخر بها البلدان، بما يخدم المصالح المتبادلة لشعبيهما، ويحقق أهداف التنمية والاستقرار في منطقة الساحل برمتها.

كما جدّد الطرفان عزمهما على مواصلة جهودهما لتجسيد المشاريع القارية الاندماجية، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، والطريق العابر للصحراء، والوصلة المحورية للألياف البصرية العابرة للصحراء.

#الجزائر،النيجر
شارك المقال
الكاتب
لخلف أمينة
إيكونوميست
شارك المقال

هرمز اختنق والغاز الجزائري عبر بأمان.. كيف حوّلت الجزائر الجغرافيا إلى مكسب بـ18.1 مليار دولار؟

هرمز اختنق والغاز الجزائري عبر بأمان.. كيف حوّلت الجزائر الجغرافيا إلى مكسب بـ18.1 مليار دولار؟

دراسة دولية تضع الجزائر ضمن أكبر أربعة مستفيدين أفارقة من صدمة الطاقة.. إنتاج الغاز عند أعلى مستوى في ثلاث سنوات والأنابيب المباشرة تكشف استشرافًا سبق الأزمة

بوابة الجزائر الإخبارية: عندما ضاقت حركة الطاقة العالمية داخل مضيق هرمز وارتفعت كلفة كل برميل وشحنة غاز تعبر الممر المضطرب، كانت الجزائر تبيع جزءًا مهمًا من غازها إلى أوروبا عبر طريق آخر لا تمر فيه ناقلة واحدة بالخليج. فمن الحقول الجزائرية إلى الساحل التونسي، ثم تحت المتوسط وصولًا إلى جزيرة صقلية، حافظ خط «ترانسميد» على تدفقاته نحو السوق الإيطالية، فيما واصل «ميدغاز» ربط الجزائر بإسبانيا مباشرة، لتتحول بنية شُيدت على مدى عقود إلى حصانة جغرافية واستراتيجية في واحدة من أعقد أزمات الطاقة العالمية.

هذه الأفضلية لم تصنعها أزمة مضيق هرمز، بل كشفت قيمتها. فالجزائر لم تدخل اضطراب 2026 منتظرةً ارتفاع الأسعار، وإنما دخلته بإنتاج غازي متصاعد، ومحفظة تجمع النفط والغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، ومسارين ثابتين عبر الأنابيب نحو أوروبا، واستثمارات ضخمة لتوسيع الاحتياطيات والإنتاج. لذلك، لم يكن وجودها ضمن أكبر أربعة مستفيدين أفارقة من صدمة الأسعار مكسبًا ظرفيًا منفصلًا عن الخيارات الوطنية، بل نتيجة مباشرة لخبرة طاقوية جزائرية راكمت القدرة على الإنتاج والنقل والوفاء بالعقود قبل أن يحتاجها السوق تحت ضغط الحرب.

ووضعت دراسة أصدرها مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف «CREA» في 26 أغسطس 2026 الجزائر إلى جانب نيجيريا وأنغولا وليبيا ضمن الرباعي الإفريقي الذي حقق إيرادات إضافية مجمعة بلغت 18.1 مليار دولار بين مارس وأغسطس، نتيجة ارتفاع أسعار النفط والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال فوق المستويات التي كانت أسواق العقود الآجلة تتوقعها قبل الحرب على إيران واضطراب مضيق هرمز.

ويمثل الرقم نحو 84 بالمائة من إجمالي 21.6 مليار دولار حصدتها تسع دول إفريقية مصدرة للوقود الأحفوري خلال ستة أشهر، بينما تقاسمت الدول الخمس الأخرى قرابة 3.5 مليارات دولار فقط. ويكشف هذا التركز أن مكاسب الصدمة لم تتوزع بالتساوي بين المنتجين، وإنما ذهبت أساسًا إلى الدول التي تمتلك قاعدة تصديرية واسعة وقدرة فعلية على إيصال النفط والغاز إلى الأسواق في لحظة ارتفعت فيها قيمة الإمداد الموثوق.

غير أن الدراسة لم تحدد المكسب المنفرد للجزائر، إذ فصلت رقم نيجيريا عند 7.5 مليارات دولار، وتركت الجزائر وأنغولا وليبيا ضمن مجموع قدره نحو 10.6 مليارات دولار. ولذلك لا تسمح البيانات المنشورة بترتيب الدول الثلاث أو نسبة مبلغ محدد إلى الجزائر، لكنها تثبت وجود البلاد داخل الدائرة الإفريقية الأكثر استفادة من إعادة تسعير الطاقة.

وتبدأ القراءة الجزائرية الحقيقية من النقطة التي توقف عندها حساب «CREA». فالمركز اعتمد على الشحنات البحرية من النفط والمنتجات النفطية والغاز المسال، ولم يدرج الغاز الذي يصل إلى أوروبا عبر الأنابيب. وهذا الاستثناء لا يقلل المكسب الجزائري، بل يكشف أن الدراسة رصدت جزءًا فقط من منظومة التصدير الوطنية، بينما ظل الممر الأكثر استقرارًا والأشد ارتباطًا بالسوق الأوروبية خارج حساباتها.

استشراف حوّل الأنبوب إلى درع

في أسواق الطاقة، لا تكفي ملكية الاحتياطي لصناعة النفوذ. فالمورد الموجود تحت الأرض لا يحقق إيرادًا، والإنتاج المعزول عن شبكات النقل لا ينقذ سوقًا عند اندلاع أزمة، أما الشحنة التي تصل في موعدها عبر مسار محمي فتكتسب قيمة تفوق سعرها التجاري.

وتتجلى الخبرة الجزائرية في أنها لم تحصر خياراتها في نمط تصدير واحد. فالنفط والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال تمنحها مرونة الوصول إلى أسواق متعددة، بينما توفر الأنابيب اتصالًا مباشرًا ومستقرًا مع جنوب أوروبا. وعندما أصيبت صادرات الخليج بالاختناق، ظهرت قيمة هذا التنويع: الناقلات أصبحت أكثر كلفة وعرضة للتأخير والمخاطر، في حين استمر الغاز الجزائري بالتدفق عبر المتوسط من دون المرور بالمضيق.

ولا يمكن فصل هذه الأفضلية عن الاستشراف الذي أعاد، بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وضع قطاع الطاقة في قلب الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية. فقد حافظت الجزائر على مكانتها موردًا موثوقًا، ورفضت إدارة علاقاتها الطاقوية بمنطق البيع الآني وحده، ووسعت شراكاتها على أساس عقود طويلة واستثمارات مشتركة ورفع الإنتاج، بالتوازي مع تأكيد قدرتها على احترام التزاماتها حتى في أكثر الظروف الدولية اضطرابًا.

وقد ظهرت قيمة هذا النهج عندما زارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الجزائر في مارس 2026، في خضم تعطل إمدادات الغاز المسال القطري، بحثًا عن زيادة التدفقات وتنويع مصادر الإمداد. وأكد الرئيس تبون آنذاك استعداد الجزائر للوفاء بالتزاماتها تجاه إيطاليا، بينما اتفق البلدان على توسيع التعاون إلى الاستكشاف البحري والغاز غير التقليدي ومشروعات جديدة بين سوناطراك و«إيني».

لم تكن روما تتجه إلى الجزائر مجاملةً سياسية، بل لأنها احتاجت إلى مورد يمتلك الغاز والمنشآت والمسار الجغرافي والقدرة المؤسسية على التنفيذ. فالأزمات لا تمنح الدول وقتًا لبناء الأنابيب من الصفر، وإنما تفرز بين من امتلك رؤية طويلة المدى ومن اكتفى بالاعتماد على سوق الشحنات الفورية.

54 مليار متر مكعب قبل اكتمال العام

تزامن ارتفاع الأسعار مع تحسن فعلي في قاعدة الإنتاج الجزائرية. فقد بلغ إنتاج الغاز الطبيعي 54.01 مليار متر مكعب خلال النصف الأول من 2026، مقابل 51.81 مليار متر مكعب في الفترة نفسها من 2025، بزيادة قدرها 2.2 مليار متر مكعب ونمو سنوي نسبته 4.2 بالمائة.

ويمثل ذلك أعلى إنتاج تسجله الجزائر خلال النصف الأول منذ ثلاث سنوات، بعدما بلغ 54.72 مليار متر مكعب في 2023، ثم تراجع إلى 53.61 مليارًا في 2024 و51.81 مليارًا في 2025. ويؤكد التعافي أن الاستفادة الجزائرية لم تُبنَ على السعر وحده، بل جاءت في وقت كانت فيه سوناطراك تستعيد جزءًا من زخم الإنتاج وتوسع قدرتها على تلبية السوق الداخلية والحفاظ على الصادرات.

كما ارتفع إجمالي صادرات الغاز، عبر الأنابيب وفي صورة غاز طبيعي مسال، إلى 23.97 مليار متر مكعب خلال الأشهر الستة الأولى، مقابل 23.40 مليارًا قبل عام، بزيادة 570 مليون متر مكعب ونمو 2.4 بالمائة.

ولا يبدو الفارق ضخمًا عند عزله عن السياق، لكنه يكتسب وزنًا أكبر لأن الجزائر حققته في وقت ارتفع فيه الاستهلاك المحلي بوتيرة أسرع، ونفذت بعض منشآت التمييع عمليات صيانة خفضت صادرات الغاز المسال. أي أن منظومة الإنتاج استطاعت امتصاص نمو الطلب الداخلي، والمحافظة في الوقت نفسه على زيادة إجمالية في الصادرات.

وبلغت صادرات الغاز المسال 4.47 ملايين طن، بما يعادل نحو 6.1 مليارات متر مكعب، متراجعة 6.5 بالمائة. ومن خلال خصم هذه الكميات من إجمالي الصادرات الغازية، تقترب التدفقات الموجهة أساسًا عبر الأنابيب من 17.87 مليار متر مكعب، بما يعني أن قرابة ثلاثة أرباع الغاز المصدر انتقلت عبر الخطوط المباشرة، مقابل نحو الربع بحرًا.

وتعيد هذه المعادلة تعريف موقع الجزائر داخل تقرير «CREA». فالدراسة التقطت أثر ارتفاع الأسعار في الصادرات البحرية، لكنها لم تحتسب معظم الغاز الجزائري المصدر خلال الفترة. ومن ثم، فإن رقم الرباعي الإفريقي لا يشمل كامل الانكشاف الإيجابي للجزائر على صعود أسعار الغاز الأوروبي.

ولا يعني ذلك إمكان إضافة مداخيل الأنابيب آليًا إلى تقديرات المركز؛ لأن عقود الغاز تختلف في آجالها وصيغ مراجعة الأسعار وارتباطها بالمؤشرات الفورية أو النفطية. إلا أن الاستثناء يثبت أن قاعدة استفادة الجزائر أوسع من النطاق البحري الذي قاسه التقرير، وأن بنيتها التصديرية تمنحها مصدر دخل لا يتوقف على حركة الناقلات.

إيطاليا تختار الغاز الذي يصل

تقدم السوق الإيطالية الدليل الأكثر وضوحًا على أن المكسب الجزائري لم يكن مجرد علاوة سعرية فرضتها الحرب. فقد ارتفعت تدفقات الغاز القادمة عبر نقطة مازارا ديل فالو، المرتبطة بخط «ترانسميد»، 4.3 بالمائة خلال النصف الأول من 2026، لتبلغ نحو 11.4 مليار متر مكعب، وتغطي 34.7 بالمائة من الطلب الإيطالي على الغاز.

وبذلك حافظت الجزائر على موقعها أكبر مورد لإيطاليا عبر الأنابيب، في سوق لم يرتفع طلبها إلا 0.2 بالمائة إلى 32.9 مليار متر مكعب، بينما تراجعت وارداتها الإجمالية 0.6 بالمائة. وهذا التفصيل بالغ الأهمية؛ لأن تدفقات الجزائر لم ترتفع فوق موجة توسع عامة، وإنما كسبت مساحة إضافية داخل سوق شبه مستقرة تتقلص وارداتها.

فحين تنخفض الواردات الكلية ويرفع مورد واحد كمياته، لا يعود الأمر زيادة مبيعات فحسب، بل انتقالًا في الحصة والوزن داخل أمن الطاقة للدولة المستوردة. وقد أصبحت الجزائر توفر لإيطاليا، عبر مسار واحد، أكثر من ثلث احتياجاتها، متجاوزة بفارق واسع مساهمة الإنتاج المحلي الإيطالي.

وفي مارس 2026، أظهرت بيانات شركة «سنام» أن الجزائر كانت المورد الأول للغاز إلى إيطاليا، بحصة تقارب 34 بالمائة من الواردات اليومية، بعدما حل المحور الجنوبي المتوسطي تدريجيًا محل الإمدادات الروسية التي هيمنت سابقًا على السوق.

ولا تعتمد هذه المكانة على قرب جغرافي فقط، بل على عقود من الخبرة التشغيلية الجزائرية في إدارة الحقول والضغط داخل الشبكات والصيانة والتنسيق التجاري. فخط الغاز ليس أنبوبًا فولاذيًا جامدًا، وإنما منظومة تبدأ من الإنتاج والمعالجة، وتمر بمحطات الضغط والقياس، وتنتهي بالتسليم داخل الشبكة الأوروبية وفق معايير يومية صارمة.

وفي يونيو وحده، ارتفعت صادرات الغاز عبر الأنابيب إلى 3.06 مليارات متر مكعب، مقابل 2.95 مليار في يونيو 2025، في حين تراجعت صادرات الغاز المسال إلى 899 مليون متر مكعب، من نحو مليار متر مكعب. ويظهر ذلك مجددًا أن الأنابيب أدت دور المثبت عندما خفضت الصيانة أداء منشآت التمييع.

أما في الربع الثاني، فبلغت شحنات الغاز المسال 2.43 مليون طن، مقابل 2.04 مليون طن في الربع الأول، قبل أن تنخفض في يوليو إلى 495 ألف طن، وهو ثالث أدنى مستوى شهري منذ 2013 على الأقل. ولا تلغي هذه التقلبات قوة الجزائر، لكنها تحدد بدقة الجبهة التي تحتاج إلى رفع الجاهزية حتى تستطيع البلاد الجمع بين استقرار الأنابيب ومرونة السوق البحرية.

حنكة المزيج لا رهان السلعة الواحدة

تكمن قوة المحفظة الجزائرية في أنها لا تعتمد على الغاز وحده. فتقرير «CREA» أظهر أن النفط الخام كان أكبر مصدر للكلفة الإضافية على الدول المستوردة، بعدما أضاف 164.1 مليار دولار إلى فواتيرها خلال ستة أشهر، يليه الديزل والغازوال بـ73.8 مليار دولار، ثم الغاز الطبيعي المسال في الحوضين الأطلسي والهادئ بـ38 مليارًا، والبنزين بـ35.7 مليارًا ووقود الطائرات بـ20 مليار دولار.

وقياسًا إلى توقعات الأسواق قبل الحرب، ارتفع متوسط سعر النفط الخام 35 بالمائة، بينما قفز الغاز المسال في الحوض الأطلسي، الذي تتجه عبره الصادرات الجزائرية إلى أوروبا، نحو 60 بالمائة، وصعد الغاز المسال الآسيوي 75 بالمائة والديزل 59 بالمائة.

وتعني هذه التركيبة أن الجزائر تعرضت إيجابيًا لعدة موجات سعرية في الوقت نفسه: النفط الخام، والمنتجات المكررة، والغاز المسال، إلى جانب الغاز عبر الأنابيب خارج نطاق الدراسة. وهذه ليست مصادفة تجارية، بل ثمرة منظومة طاقوية تجمع الإنتاج والتكرير والتسييل والنقل البري والبحري.

كما تزامنت الأشهر التي شملها التقرير مع زيادات تدريجية في إنتاج النفط ضمن قرارات «أوبك+». وقررت الجزائر وست دول أخرى رفع الإنتاج الجماعي 188 ألف برميل يوميًا ابتداء من أغسطس، ثم إقرار زيادة مماثلة لشهر سبتمبر. ووفق جدول أغسطس، ارتفع هدف الإنتاج الجزائري بنحو 6 آلاف برميل يوميًا إلى 1.001 مليون برميل.

وتبدو الزيادة محدودة حسابيًا، إلا أن كل برميل إضافي يكتسب وزنًا أكبر عندما يرتفع السعر. كما أن إدارة الإنتاج داخل «أوبك+» لا تقوم على ضخ أقصى كمية في كل وقت، بل على موازنة الإيراد والاستقرار والحفاظ على الحقول والتنسيق مع المنتجين، وهي خبرة دبلوماسية وتقنية اكتسبتها الجزائر عبر عقود من المشاركة في إدارة السوق.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الإيراد الإضافي والربح الصافي. فالأرقام التي قدرها «CREA» تمثل زيادة في القيمة الإجمالية للصادرات مقارنة بمسار سعري مفترض قبل الحرب، ولا تعادل تلقائيًا أرباح سوناطراك أو الإيرادات النهائية للخزينة. إذ تتدخل تكاليف الإنتاج والمعالجة والنقل، وصيغ العقود، وحصص الشركاء، والضرائب، وتوقيت تحميل الشحنات، والاستهلاك المحلي.

وتمنح هذه الدقة التحليلية المكسب الجزائري قيمته الحقيقية؛ لأنه لا يحتاج إلى تضخيم. فالجزائر موجودة بالفعل ضمن أكبر أربعة مستفيدين في إفريقيا، وإنتاجها الغازي ارتفع، وصادراتها الإجمالية نمت، وحصتها الإيطالية توسعت، وممراتها لم تمر بهرمز. وهذه الوقائع أقوى من نسبة رقم منفرد إليها لا تتيحه الدراسة.

الجبهة الداخلية تستهلك نصف الإنتاج

لا تخفي حصيلة 2026 التحدي الذي يواجه قطاع الغاز. فقد ارتفع الاستهلاك المحلي 6.3 بالمائة خلال النصف الأول، من 26.81 مليار متر مكعب إلى 28.49 مليارًا، مستحوذًا على نحو 53 بالمائة من الإنتاج.

ويعكس ذلك نمو الطلب على الكهرباء والصناعة والاستهلاك المنزلي، لكنه يضغط في الوقت نفسه على الكميات المتاحة للتصدير. فكل متر مكعب يذهب إلى السوق الداخلية لا يمكن تسويقه في الخارج، ما لم يرتفع الإنتاج بالسرعة نفسها أو تنخفض كثافة استهلاك الغاز في توليد الكهرباء.

ولهذا، يتجاوز الاستشراف الجزائري مجرد حفر آبار جديدة إلى إعادة تشكيل المزيج الطاقوي. فالتوسع في الطاقة الشمسية لا يمثل ملفًا بيئيًا منفصلًا عن المحروقات، بل وسيلة لتحرير جزء من الغاز المستخدم في الكهرباء وتوجيهه إلى الصناعات التحويلية أو التصدير، حيث يحقق قيمة أعلى.

كما تصبح الكفاءة الطاقوية مسألة مالية وسيادية. فخفض الفاقد في الشبكات، وتحسين أداء محطات الكهرباء، وترشيد الاستهلاك الصناعي، يمكن أن ينتج «كميات افتراضية» من الغاز المتاح من دون استخراج متر مكعب إضافي. وفي اقتصاد طاقة عالمي يعاقب الهدر ويكافئ المرونة، قد تكون الكمية التي لا تُستهلك داخليًا مساوية في قيمتها لاحتياطي جديد.

ومن هنا تظهر حكمة عدم التعامل مع مكاسب هرمز باعتبارها ريعًا متاحًا للإنفاق، بل فرصة لتمويل القدرات التي تسمح باستدامة الإيراد: الاستكشاف، وتطوير الحقول، وتجديد منشآت التمييع، والطاقة المتجددة، والصيانة، والتكنولوجيا، وتكوين الموارد البشرية.

60 مليار دولار لما بعد علاوة الحرب

خصصت سوناطراك 75 بالمائة من برنامجها الاستثماري للفترة 2026-2030، والمقدر بنحو 60 مليار دولار، لأنشطة الاستكشاف والإنتاج. ويكشف هذا التوجيه أن الجزائر تدرك الفارق بين الاستفادة من سعر مرتفع وبناء قدرة مستدامة على الاستفادة من الأسواق.

فالسعر لا يخضع لقرار المنتج منفردًا، أما الاحتياطي والإنتاج والجاهزية فيمكن بناؤها بالاستثمار. وعندما تتراجع علاوة الحرب، تبقى الحقول الجديدة والمنشآت المجددة والأنابيب والكوادر الوطنية أصولًا منتجة. لذلك، تتجه الحنكة الجزائرية إلى استخدام الظرف المالي لتقوية العرض المستقبلي، لا إلى بناء التوازنات على فرضية استمرار الأزمة.

وفي هذا السياق، أطلقت الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات «Alnaft» جولة «Algeria Bid Round 2026»، التي تعرض سبع رقع للاستكشاف والتطوير في أحواض ورقلة وإليزي وتوقرت والبيض. وحددت 26 نوفمبر موعدًا لإيداع العروض، على أن توقع العقود في أجل أقصاه 31 يناير 2027. (رويترز)

وتأتي الجولة بعد نجاح دورة 2024 في إسناد خمس رقع، باستثمارات أولية للاستكشاف والتطوير بلغت 606 ملايين دولار. كما وقعت سوناطراك عقد تقاسم إنتاج مع «ميداد للطاقة» السعودية بقيمة تقارب 5.4 مليارات دولار لتطوير محيط إليزي جنوب، بعمر تعاقدي يصل إلى 30 عامًا وإنتاج متوقع يعادل 993 مليون برميل نفط مكافئ، بينها نحو 125 مليار متر مكعب من الغاز. (رويترز)

ويضاف إلى ذلك عقد بنحو 850 مليون دولار مع «سينوبك» الصينية، بما يعكس سياسة تنويع الشركاء والتمويل والخبرة التقنية، مع بقاء سوناطراك محور القرار والإنتاج. فالجزائر لا تفتح قطاعها للتنازل عن موارده، بل تستقطب رأس المال والتكنولوجيا لتسريع تثمينها ضمن إطار يحفظ السيادة الوطنية.

هذه هي النقطة التي تفصل بين الاستفادة العارضة والاستراتيجية. فدولة قد تحقق إيرادًا مرتفعًا خلال ستة أشهر بسبب الحرب، ثم تعود إلى نقطة البداية عندما تنخفض الأسعار. أما الجزائر فتعمل على تحويل الإيراد الاستثنائي إلى احتياطي جديد وإنتاج إضافي ومنشآت أكثر جاهزية، حتى تدخل الأزمة المقبلة بقدرة أكبر مما دخلت به أزمة هرمز.

الجزائر تربح والمستوردون يدفعون

يكشف التقرير، في المقابل، حجم الفاتورة التي تحملتها الدول الإفريقية غير المنتجة أو غير القادرة على تلبية احتياجاتها. فقد دفعت 32 دولة من أصل 41 شملها التحليل كلفة إضافية بلغت 21.9 مليار دولار، مقابل 21.6 مليارًا من الإيرادات الإضافية التي حققتها تسع دول مصدرة.

وجاءت مصر في صدارة المتضررين بفارق تكلفة قدره 5.2 مليارات دولار، تلتها جنوب إفريقيا بـ3.5 مليارات، ثم المغرب بـ2.2 مليار. ويكشف هذا التوزيع أن الموقع داخل أزمة الطاقة لا يحدده الانتماء الجغرافي، بل القدرة الإنتاجية والبنية التحتية ودرجة الاعتماد على الواردات.

فالجزائر والمغرب يقعان في الفضاء المغاربي نفسه ويطلان على المتوسط، لكن الأول دخل الأزمة منتجًا ومصدرًا متعدد القنوات، فيما دخلها الثاني مستوردًا يدفع علاوة الحرب. وهذا الفارق لا تصنعه الجغرافيا وحدها، بل تراكم عقود من الاستثمار في الحقول والتكرير والتسييل والأنابيب والكفاءات الوطنية.

وعالميًا، دفعت الدول المستوردة نحو 330 مليار دولار إضافية مقابل شحنات النفط والمنتجات النفطية والغاز المسال بين مارس وأغسطس، بمتوسط شهري بلغ 55.3 مليار دولار. وتحمل الاتحاد الأوروبي الفاتورة الأعلى بنحو 78 مليار دولار، مقابل 35 مليارًا للصين و22 مليارًا للهند.

وقارن المركز الأسعار الفعلية بمنحنيات العقود الآجلة المسجلة خلال الأيام الاثني عشر السابقة لاندلاع الحرب، حتى يعزل أثر الصدمة عن التحركات الموسمية التي كانت الأسواق قد احتسبتها. كما اعتمد، من مارس إلى يوليو، على الشحنات التي وصلت فعليًا وفق بيانات تتبع السفن من «Kpler»، ثم قدر حركة أغسطس بسبب عدم اكتمالها عند إغلاق التقرير.

وتمنح هذه المنهجية الرقم الجزائري معنى أكثر دقة: فهو لا يمثل القيمة الكلية للصادرات، وإنما الزيادة التي تحققت لأن الأسعار تجاوزت ما كان السوق يتوقعه قبل اندلاع الأزمة. وبالتالي، فإن الرباعي الإفريقي لم يحقق 18.1 مليار دولار من الصادرات فقط، بل حقق هذا المبلغ فوق خط الإيرادات الذي كان مرجحًا في غياب الحرب واضطراب المضيق.

المضيق كشف قوة النموذج الجزائري

قد تبدو أزمة هرمز في ظاهرها هدية سعرية للدول المنتجة، لكن الأسعار المرتفعة لا تفيد من يعجز عن زيادة إنتاجه أو إيصال صادراته. وقد كشفت الأشهر الستة أن الجزائر جمعت العناصر الثلاثة التي تحدد الفائز في أسواق الأزمات: المورد، والقدرة التشغيلية، والمسار الآمن.

فالإنتاج الغازي ارتفع إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات، وإجمالي الصادرات سجل نموًا، وتدفقات الأنابيب توسعت، والحصة داخل السوق الإيطالية تعززت، بينما منحت خطوط المتوسط البلاد طريقًا مستقلًا عن المضيق. وفي الوقت نفسه، وفر النفط والمنتجات النفطية والغاز المسال قنوات بحرية إضافية للاستفادة من القفزات السعرية التي أحصاها «CREA».

وهذه المنظومة هي ثمرة مدرسة جزائرية في الطاقة لا تختزل في شركة أو حقل. فسوناطراك راكمت خبرة في الاستكشاف والإنتاج والمعالجة والتسييل والنقل والتسويق، والجزائر راكمت حضورًا داخل «أوبك» ومنتدى الدول المصدرة للغاز، وعلاقات طويلة مع الأسواق الأوروبية، وقدرة على إدارة العقود في فترات الوفرة والندرة.

كما أثبتت قيادة الرئيس تبون أن موثوقية المورد أصل اقتصادي وسياسي لا يقل أهمية عن الاحتياطي. فعندما تعرضت الإمدادات الأوروبية لضربات متلاحقة، لم تكتفِ الجزائر بتذكير شركائها بما تملكه تحت الأرض، بل حافظت على التدفقات وأعادت توسيع التعاون والاستكشاف، وهو ما عزز مكانتها شريكًا لا يُستدعى عند الرخاء فقط، بل تعتمد عليه الأسواق عند الأزمة.

غير أن الامتحان الأكبر يبدأ بعد الإيراد. فالحفاظ على المكسب يتطلب إنتاجًا ينمو أسرع من الاستهلاك المحلي، ومنشآت تسييل تتجاوز آثار الصيانة، وتسريع تطوير الرقع الجديدة، ورفع كفاءة الطاقة، وتوسيع الشمسية لتحرير الغاز، ثم توجيه جزء أكبر من المحروقات إلى البتروكيمياء والأسمدة والصناعات ذات القيمة المضافة بدل تصدير المادة الخام وحدها.

وعندئذ فقط تتحول علاوة هرمز من إيراد مؤقت إلى قوة اقتصادية دائمة. فالجزائر لا تتحكم في موعد اندلاع الأزمات ولا في منحنيات الأسعار العالمية، لكنها تتحكم في جاهزية حقولها، وكفاءة منشآتها، وتنوع أسواقها، وقوة أنابيبها، وحجم استثماراتها.

ولهذا، لا تختصر دراسة «CREA» قصة الجزائر في حصة من 18.1 مليار دولار. الرقم هو عنوان الظرف، أما القصة الأعمق فهي أن دولة استطاعت، بخبرة سوناطراك وحنكة سياستها الطاقوية واستشراف قيادتها، أن تجعل غازها يصل إلى أوروبا بينما كان أحد أهم ممرات الطاقة في العالم يختنق.

لقد رفعت الحرب الأسعار للجميع، لكنها لم تمنح الجميع الموقع نفسه. الجزائر دخلت الأزمة وفي يدها الغاز، وتحت المتوسط أنابيبها، وأمامها سوق أوروبية تحتاج إلى مورد موثوق، وخلفها برنامج استثماري يتهيأ لما بعد الحرب. وبين هذه العناصر، تحولت الجغرافيا من موقع على الخريطة إلى عائد اقتصادي، وتحولت الخبرة من تاريخ مهني إلى نفوذ، وأثبتت الأزمة أن أمن الطاقة لا يُبنى عندما يغلق المضيق، بل قبل ذلك بسنوات.

#افريقيا#الجزائر#الغاز الجزائري#مضيق هرمز
شارك المقال
الكاتب
عبد الجبار.ب
إيكونوميست
شارك المقال

مصنع لشركة هيونداي في الجزائر ..العملاق الكوري يضرب موعدا للجزائريين في 2027

مصنع لشركة هيونداي في الجزائر ..العملاق الكوري يضرب موعدا للجزائريين في 2027

بوابة الجزائر الإخبارية: أعلنت مجموعة Hyundai Motor عن الانطلاق الرسمي في تجسيد مشروع مصنع جديد لتجميع السيارات في الجزائر، على أن يبدأ إنجاز المشروع سنة 2027، في خطوة تندرج ضمن استراتيجية الشركة الكورية لتوسيع حضورها الصناعي عالميًا.

وجاء الإعلان خلال اجتماع الرؤساء التنفيذيين للمجموعة، المنعقد في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، حيث تم إدراج المشروع الجزائري ضمن خريطة التوسع الصناعي لشركة Hyundai Motor Company.

ويتمثل المشروع في استثمار مباشر يجمع بين الشركة الكورية الأم ومجموعة بهوان العُمانية، بما يعكس توجهًا نحو إقامة قاعدة صناعية للعلامة في الجزائر وتعزيز حضورها في السوق المحلية.

وأكدت المعطيات المقدمة أن المشروع لم يعد مجرد مفاوضات أو اعتماد أولي داخل الجزائر، بل أصبح مشروعًا معلنًا ضمن استراتيجية الشركة الأم، وهو ما يمنحه طابعًا أكثر رسمية أمام المستثمرين والأسواق المالية.

ومن المنتظر أن يساهم المصنع، عند دخوله مرحلة التجسيد، في دعم نشاط صناعة السيارات في الجزائر، وتعزيز الاستثمار الصناعي، وفتح المجال أمام تطوير شبكة المناولة وخلق فرص عمل مرتبطة بالقطاع.

ويأتي هذا المشروع في إطار توجه Hyundai Motor نحو توسيع خريطة عملياتها الصناعية عالميًا، مع إدراج الجزائر ضمن مشاريعها المستقبلية، بما قد يعزز مكانة البلاد كوجهة للاستثمارات في قطاع السيارات.

https://twitter.com/algeria3new/status/2092662295067296112?s=46

#الجزائر#صناعة السيارات
شارك المقال
الكاتب
زين الدين بن شابي