بوابة الجزائر الإخبارية: 2.1 مليار يورو بلغت قيمة الصادرات الألمانية إلى الجزائر خلال 2025، بينها 462 مليون يورو من الآلات والتجهيزات، بزيادة سنوية قدرها 23%، في وقت ارتفعت فيه الواردات الألمانية من السوق الجزائرية بنحو 11% إلى 1.4 مليار يورو. وتضع هذه الأرقام الاقتصاد والطاقة والمواد الأولية في صدارة زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى برلين، وسط مساعٍ ألمانية لتوسيع التعاون مع الجزائر من تجارة السلع والمحروقات إلى الغاز المسال والهيدروجين الأخضر والاستثمار الصناعي.

ووصل الرئيس تبون إلى برلين، الأربعاء 15 جويلية 2026، قبل برنامج رسمي يتضمن استقباله من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، ثم إجراء محادثات مع المستشار فريدريش ميرتس. وحددت الحكومة الألمانية رسميًا العلاقات الثنائية والاقتصاد والطاقة والمواد الخام بوصفها المحاور الأساسية للمباحثات، مع برمجة مؤتمر صحفي عقب اللقاء في المستشارية.
وتأتي الزيارة في ظرف تشهد فيه أسواق الطاقة ضغوطًا جديدة بفعل المواجهة الأميركية الإيرانية واضطرابات طرق الإمداد في الخليج. وجرى تداول خام برنت قرب 84.5 دولارًا للبرميل صباح الخميس، بعد مكاسب أسبوعية قاربت 11%، ما أعاد أمن الطاقة وتكاليف الإنتاج إلى مقدمة الاهتمامات الأوروبية والألمانية.
3.5 مليارات يورو مبادلات بين الجزائر وألمانيا
تكشف بيانات مؤسسة «ألمانيا للتجارة والاستثمار» أن حجم المبادلات السلعية بين البلدين بلغ نحو 3.5 مليارات يورو خلال 2025، بحساب الصادرات والواردات المعلنة. وحافظت الصادرات الألمانية على مستوى 2.1 مليار يورو، في حين ارتفعت الواردات من الجزائر إلى 1.4 مليار يورو، مدفوعة أساسًا بالنفط والمنتجات النفطية.
واستمر نمو الواردات الألمانية من الجزائر خلال الربع الأول من 2026 بنسبة 20%، بينما تراجعت الصادرات الألمانية نحو السوق الجزائرية بـ5.6%. ويعكس هذا التباين زيادة الوزن النسبي للطاقة في العلاقة التجارية، مقابل تباطؤ مؤقت في مبيعات السلع الألمانية مع بداية العام.
وتُعد ألمانيا سادس أكبر بلد مورد للجزائر، وتتمثل أبرز صادراتها في الآلات والمركبات وقطع الغيار والمواد الكيميائية والمنتجات الغذائية. كما تضم الغرفة الجزائرية الألمانية للصناعة والتجارة أكثر من 450 عضوًا، ما يوفر قاعدة مؤسساتية لتوسيع الشراكات والاستثمارات المشتركة.
أول شحنة غاز جزائري تصل إلى ألمانيا
سبقت زيارة تبون خطوة عملية لافتة في العلاقات الطاقوية، بعدما سلمت سوناطراك، في 2 جويلية 2026، أول شحنة جزائرية من الغاز الطبيعي المسال مباشرة إلى ألمانيا.
ووصلت الشحنة إلى محطة «فيلهلمسهافن 1» العائمة لإعادة التغويز، بعد تحميلها من مركب «GL2Z» في بطيوة، ونقلها على متن ناقلة «تسالة» التابعة لسوناطراك. وأكد المجمع أن العملية تندرج ضمن استراتيجية تنويع أسواق الغاز وتوسيع الحضور في الوجهات الأوروبية ذات الإمكانات المرتفعة.
وتمنح هذه الشحنة المباحثات في برلين بُعدًا تنفيذيًا، إذ لم تعد العلاقة الطاقوية مرتبطة بمشروعات مستقبلية فقط، بل بدأت ألمانيا فعليًا في استقبال الغاز الجزائري المسال.
وسيُقاس نجاح هذا المسار بانتقال التوريد من شحنة أولى إلى عمليات منتظمة أو عقود متوسطة وطويلة الأجل، خصوصًا أن ألمانيا أنشأت خلال السنوات الأخيرة محطات عائمة لاستقبال الغاز المسال وتنويع إمداداتها بعد تراجع الغاز الروسي.
الجزائر ثاني مورد للغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا
تصف مؤسسة «ألمانيا للتجارة والاستثمار» الجزائر بأنها أكبر منتج للغاز الطبيعي في إفريقيا، مشيرة إلى أنها أصبحت خلال 2025 ثاني أكبر مورد للاتحاد الأوروبي بالغاز المنقول عبر الأنابيب. كما تقدر الاستثمارات الجزائرية المرتقبة في قطاع المحروقات بنحو 60 مليار دولار حتى 2030، بهدف دعم الاستكشاف وتثبيت الإنتاج وتلبية الطلب الدولي.
وتستفيد الجزائر من شبكة تصدير تربط حاسي الرمل بإيطاليا عبر خط «ترانسميد»، وبإسبانيا عبر «ميدغاز»، إلى جانب مركبات الإسالة في أرزيو وسكيكدة التي تسمح بتوجيه الشحنات إلى أسواق أوروبية أخرى.
ومن المنظور الألماني، توفر الجزائر مصدرًا قريبًا جغرافيًا من أوروبا، لا تعتمد صادراته على المرور عبر مضيق هرمز، وهي ميزة تزداد أهميتها مع اضطراب حركة الطاقة القادمة من الخليج وارتفاع المخاطر المحيطة بالشحنات القطرية.
30 مليار متر مكعب عبر خط الغاز العابر للصحراء
يشكل مشروع خط الغاز العابر للصحراء أحد أبرز الملفات التي ترفع الأهمية المستقبلية للجزائر داخل منظومة الطاقة الأوروبية.
وفي 4 جوان 2026، أطلقت سوناطراك رسميًا أشغال المقطع الجزائري من المشروع في أولف بولاية أدرار، بحضور ممثلين عن الجزائر ونيجيريا والنيجر. ويمتد المسار الجزائري من الحدود مع النيجر إلى مركز توزيع الغاز في حاسي الرمل، حيث يرتبط بالشبكة الوطنية ومنشآت التصدير نحو الأسواق الدولية.
ويفترض أن ينقل الخط ما بين 20 و30 مليار متر مكعب من الغاز النيجيري سنويًا عبر النيجر والجزائر إلى الأسواق الدولية، وخصوصًا أوروبا. ويطوره بصورة مشتركة كل من سوناطراك وشركة النفط الوطنية النيجيرية وشركة المنتجات النفطية النيجرية «سونيديب».
غير أن البيان الرسمي الصادر عند إطلاق الأشغال لم يحدد موعدًا نهائيًا لدخول الخط حيز الخدمة، ما يجعل الحديث عن تشغيله ابتداء من 2029 تقديرًا متداولًا في بعض التقارير، وليس موعدًا مثبتًا في الإعلان التنفيذي لسوناطراك.
وبالنسبة إلى ألمانيا، يمكن للخط أن يفتح على المدى الطويل قناة إضافية للوصول إلى الغاز الإفريقي عبر البنية الجزائرية، سواء بواسطة الأنابيب الأوروبية القائمة أو بعد تحويل الغاز إلى صورة مسالة في منشآت الساحل الجزائري.
الهيدروجين الأخضر في صدارة الشراكة الجديدة
لا تقتصر حسابات برلين على الغاز الطبيعي، إذ تضع ألمانيا الجزائر ضمن مصادرها المحتملة للهيدروجين الأخضر والأمونيا منخفضة الكربون.
وبدأ المسار المؤسساتي باتفاق شراكة الطاقة الجزائرية الألمانية في 2015، قبل إنشاء فريق عمل مشترك لممر الهيدروجين الجنوبي وتوقيع إعلان نوايا للتعاون في فيفري 2024. ويستهدف هذا الممر نقل الهيدروجين المنتج في شمال إفريقيا إلى ألمانيا عبر تونس وإيطاليا والنمسا.
وفي أكتوبر 2024، وقعت سوناطراك وسونلغاز اتفاقًا مع شركات ألمانية وإيطالية ونمساوية لإجراء الدراسات اللازمة عبر سلسلة قيمة الهيدروجين، قبل أن تعلن حكومات الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا، في جانفي 2025، دعمها السياسي للمشروع. كما صنفت المفوضية الأوروبية مشروعات الممر ضمن مشروعات البنية التحتية ذات الاهتمام المشترك.
وفي نوفمبر 2025، اجتمعت الشركات المعنية في برلين لمراجعة تقدم تحالف الهيدروجين بين الجزائر وأوروبا ومشروع «SoutH2 Corridor»، الذي يستهدف إنتاج الهيدروجين في الجزائر وتصديره نحو السوق الأوروبية.
وجاء أحدث تطور في 17 جوان 2026، حين وقعت سوناطراك والشركة الألمانية «VNG AG» مذكرة تفاهم جديدة لدراسة مشروعات ملموسة في الهيدروجين الأخضر والأمونيا وخفض انبعاثات الميثان. وتستكمل الوثيقة محادثات بدأت بمذكرة أولى في ديسمبر 2022.

ألمانيا تبحث عن طاقة أقل كلفة لصناعتها
تفسر الضغوط التي تواجه الصناعة الألمانية جانبًا من الاهتمام المتزايد بالجزائر. فرغم إجراءات تخفيض تكاليف الكهرباء والغاز، ما تزال أسعار الطاقة وقدرة الشركات على المنافسة من الملفات الأساسية لدى حكومة المستشار ميرتس.
وقد خصصت الحكومة الألمانية إجراءات دعم للطاقة بقيمة 10 مليارات يورو سنويًا، إلى جانب إعفاءات وتخفيضات أخرى، فيما تراجعت أسعار الكهرباء للعملاء الصناعيين بأكثر من 12% في بداية 2026. وتقول برلين إن الهدف هو حماية الوظائف وإعادة الاقتصاد إلى مسار النمو.
ويعني ذلك أن ألمانيا لا تبحث عن كميات إضافية من الغاز فقط، بل عن مصادر مستقرة وقريبة ومتنوعة تسمح بتقليص التعرض للصدمات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف النقل.
ويكتسب الهيدروجين الجزائري أهمية خاصة للصناعات الألمانية كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصلب والكيماويات والأسمدة، التي تحتاج إلى بدائل منخفضة الكربون للحفاظ على نشاطها والامتثال للسياسات المناخية الأوروبية.
الآلات الألمانية تستفيد من المشروعات الجزائرية
في الاتجاه المقابل، تمنح المشروعات الصناعية والمنجمية والطاقوية الجزائرية فرصًا واسعة للشركات الألمانية المصنعة للتجهيزات.
وارتفعت صادرات الآلات الألمانية إلى الجزائر بنسبة 23% خلال 2025، لتبلغ 462 مليون يورو، رغم استقرار الصادرات الإجمالية عند 2.1 مليار يورو. وفي المقابل، تراجعت صادرات المركبات وقطع الغيار بنسبة 36%، وسط استمرار القيود المنظمة لاستيراد السيارات.
وتنشط في السوق الجزائرية شركات ألمانية معروفة، بينها «سيمنس» و«ليبهر» و«باسف» و«كناوف»، فيما تفتح برامج السكك الحديدية والمناجم وتحلية المياه والطاقة والصناعات الغذائية مجالًا إضافيًا لموردي الآلات والتقنيات والخدمات الهندسية.
غير أن الجزائر تسعى إلى الانتقال من استيراد المعدات الجاهزة إلى استقطاب مشروعات إنتاج وشراكات صناعية تتضمن المناولة المحلية والتكوين ونقل المعرفة.
ومن ثم، يُرجح أن تركز المباحثات على تحسين شروط دخول الشركات الألمانية، مقابل رفع مساهمتها في الاستثمار المباشر وتوطين النشاط بدل الاكتفاء بالتصدير إلى السوق الجزائرية.
الاقتصاد الجزائري يجذب اهتمام برلين
تأتي الزيارة بينما تتوقع مؤسسات دولية استمرار نمو الاقتصاد الجزائري خلال 2026، مدعومًا بإيرادات الطاقة والاستهلاك والاستثمار العمومي.
وتشير تقديرات منشورة من «ألمانيا للتجارة والاستثمار» إلى نمو متوقع قدره 3.8% وفق صندوق النقد الدولي و3.7% وفق البنك الدولي، بينما تضعه وحدة «إيكونوميست إنتليجنس» عند نحو 4.5%.
كما تتيح عائدات الطاقة تمويل مشروعات في المناجم والسكك الحديدية والصناعات الغذائية والأدوية والسيارات والبنية التحتية، وهي قطاعات تملك فيها الشركات الألمانية قدرات تكنولوجية وتمويلية.
في المقابل، تشير التقييمات الألمانية إلى استمرار تحديات إدارية وإجراءات استيراد معقدة وقواعد حمائية تحد أحيانًا من دخول المستثمرين، رغم التحسينات التي شهدها قانون الاستثمار منذ 2022.
الطاقة والمواد الخام تتقدمان على الملفات السياسية
يحيط بالزيارة عدد من الملفات السياسية، بينها الهجرة وتصنيف الجزائر ضمن بلدان المنشأ الآمنة في ألمانيا، إضافة إلى قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر.
غير أن الحكومة الألمانية أوضحت قبل الزيارة أن التركيز الأساسي للمحادثات سيكون على تعميق العلاقات الاقتصادية وتوسيع التعاون في الطاقة والمواد الخام، مع احتمال مناقشة موضوعات ثنائية أخرى.
وتؤكد هذه الأولوية أن برلين تتعامل مع الجزائر باعتبارها شريكًا اقتصاديًا وطاقويًا تتجاوز أهميته الظرف الحالي، خصوصًا مع إعادة تشكيل طرق إمداد الغاز والطاقة النظيفة والمواد الأساسية للصناعة الأوروبية.
برلين تختبر انتقال الشراكة من الاتفاقات إلى العقود
تدخل العلاقات الجزائرية الألمانية الزيارة الحالية بعد سلسلة من المذكرات والإعلانات والمشروعات التي امتدت من شراكة الطاقة إلى الهيدروجين والغاز المسال وخط الغاز العابر للصحراء.
ويتمثل الاختبار الاقتصادي الآن في تحويل هذه المسارات إلى عقود قابلة للتنفيذ، وشحنات غاز منتظمة، وتمويلات صناعية، ومشروعات مشتركة تخلق قيمة داخل الجزائر.
كما ستراقب الشركات الألمانية ما إذا كانت المباحثات ستؤدي إلى تسهيلات أو ضمانات إضافية في مجالات الاستثمار وتحويل الأرباح والاستيراد والعقار الصناعي، بينما ستبحث الجزائر عن التزامات تتعلق بنقل التكنولوجيا والتكوين والتصنيع المحلي.
هذا و تعكس زيارة تبون إلى ألمانيا تحولًا في نظرة برلين إلى الجزائر، من سوق تضم أكثر من 450 مؤسسة مرتبطة بالغرفة التجارية ومورد تقليدي للطاقة، إلى منصة محتملة للغاز والهيدروجين والمواد الخام والاستثمارات الصناعية الموجهة إلى أوروبا وإفريقيا.
وسيكون الإعلان عن اتفاقات تنفيذية أو عقود جديدة، عقب المباحثات، المؤشر الأهم على ما إذا كانت الزيارة ستفتح مرحلة اقتصادية جديدة، أم ستبقى ضمن إطار الحوار السياسي ومذكرات التعاون.









