بوابة الجزائر الاخبارية: لم يعد المشهد السياسي في المغرب يحتمل كثيرا من التأويل، بعدما بلغ مستوى غير مسبوق من التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة. فداخل منظومة الحكم نفسها، تتكاثر الأصوات التي تنتقد سياسات عمومية هي في الأصل صنيعة أيديها، في سلوك يكشف عن نمط متجذر من الازدواجية السياسية، حيث تتحول السلطة إلى معارضة صورية، وتستعمل اللغة الاحتجاجية كأداة لتفريغ الاحتقان بدل معالجته.

وفي هذا السياق، جاء بيان حزب “الأصالة والمعاصرة” المشارك في الائتلاف الحكومي، ليقدّم نموذجا فاضحا لهذا الانفصام، حيث خرج بخطاب يبدو للوهلة الأولى منحازا للمواطن، منتقدا غلاء الأسعار، ومطالبا بإجراءات “جريئة” لمواجهة ارتفاع كلفة المحروقات.
غير أن القراءة المتأنية لهذا الموقف تكشف مفارقة لا يمكن تجاهلها: كيف لمن يشارك في صنع القرار أن يدّعي الوقوف ضده؟ وكيف يتحول الفاعل إلى ناقد دون أن يتحمل أي تبعات سياسية أو أخلاقية؟هذا السلوك لا يمكن فصله عن طبيعة بنية الحكم القائمة على تركيز القرار وتوزيع الأدوار بشكل يخدم استمرارية نفس النخب.
فالأحزاب في المغرب ، بدل أن تكون أدوات تمثيل حقيقي لإرادة المواطنين، تحولت إلى واجهات تستعمل لإعادة إنتاج نفس السياسات، مع هامش محسوب من “الانتقاد” الذي لا يتجاوز حدود المسموح به.
وهنا، لا يبدو بيان الحزب سوى حلقة جديدة في مسلسل امتصاص الغضب الشعبي، عبر تقديم خطاب يبدو معارضا في الشكل، لكنه منسجم في الجوهر مع منطق التدبير القائم.الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب يأتي في ظرفية اجتماعية دقيقة، تتسم بارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الأساسية والمحروقات، وتراجع القدرة الشرائية لفئات واسعة من المغاربة. ومع اقتراب عيد الأضحى، تتضاعف الضغوط على الأسر، في ظل اختلالات واضحة في سلاسل التوزيع وغياب رقابة فعالة على الأسواق.
ورغم ذلك، تكتفي مكونات الأغلبية بتبادل الأدوار بين التنديد والدعوة، دون اتخاذ قرارات حاسمة تمس جذور الأزمة.أما الدعوات حزب ” الأصالة و المعاصرة ” إلى صرف الأجور بشكل مبكر، أو تنظيم أسواق استثنائية لبيع الأضاحي، فهي إجراءات ترقيعية لا تعالج الاختلالات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد، ولا تضع حدا لهيمنة شبكات الريع والاحتكار التي تتحكم في مفاصل السوق.
بل إن الإقرار بوجود هذه الاختلالات، الصادر عن حزب مشارك في الحكومة، يعد في حد ذاته إدانة ضمنية لفشل السياسات المعتمدة.
























