مقال رأي بقلم محمد قنديل : مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية : ما حدث للمؤرخ المعطي منجب يوم أمس السبت 02 ماي 2026، ليس حادثًا معزولًا ولا زلة عابرة في سلوك جهاز أمني، بل هو إنعكاس دقيق لبنية سلطة مختلة تُدار من خلف الستار بأشخاص لا يملكون أي شرعية أخلاقية أو سياسية، وعلى رأسهم ذلك الإسم الذي بات يتردد في كواليس التحكم والبطش.. ( علي الحمة ولد آسية الشوافة ).

حين يُمنع رجل فكر من دخول معرض كتاب، فالمسألة لا تتعلق بمنع شخص، بل بمحاصرة فكرة، وخنق ذاكرة، وتخويف كل من يعتقد أن للكلمة وزنًا في بلد يُراد له أن يعيش في صمت القبور.
إن منجب، الذي نال عفوًا ملكيًا قبل عام، يُفترض أن يكون اليوم مواطنًا كامل الحقوق، لكن الواقع يكشف أن ( العفو ) في هذا السياق ليس سوى إجراء تجميلي، يُستخدم لتلميع صورة نظام يواصل في العمق سياسة الإنتقام، فكيف يمكن تفسير إستمرار منعه من السفر، وتجميد أمواله، ومصادرة ممتلكاته، ومنعه من العمل؟ بأي منطق قانوني أو إنساني تُفرض هذه القيود؟ الجواب بسيط ومخيف في آن واحد.. لا قانون هنا، بل إرادة أشخاص، وشبكات نفوذ ( مافيا ) تتحكم في مصائر الناس، بعيدا عن شيء مفقود إسمه ( المؤسسات ) التي تحولت إلى أدوات بيد ( العصابة ).
في قلب هذه المنظومة، لا يظل النفوذ مجرد فكرة مجردة، بل يتجسد في أسماء بعينها.. إن علي الحمة الرحماني يجسّد نموذجًا صارخًا لسلطة تُمارَس خارج أي مساءلة، حيث تتحول الدولة إلى إمتداد لإرادة فرد لا يعترف بحدود القانون ولا بقيمة الكرامة الإنسانية. بدل أن تكون السلطة تكليفًا يفرض التواضع والإنضباط، تُستعمل كأداة لإخضاع الأصوات الحرة وتصفية الحساب مع من يختلفون، ولو كانوا أكثر منه تجربةً وعلمًا ونضجًا… هذا التعالي على المجتمع، والإستخفاف بعقول الناس، لا يعكسان قوة بقدر ما يكشفان هشاشة من يختبئ خلف الأجهزة ويظن أن النفوذ دائم، غير أن التاريخ لا يرحم من يسيء إستعمال السلطة، والشرعية لا تُبنى بالخوف، بل بالعدل، وما عدا ذلك ينهار عند أول إختبار حقيقي.
الأخطر من ذلك أن هذا النفوذ لا يخضع لأي رقابة أو مساءلة، ما يحوله إلى سلطة فوق الدولة نفسها، وعندما تجتمع السلطة المطلقة مع غياب المحاسبة، تكون النتيجة حتمًا هذا الشكل الفج من القمع الذي تعرض له منجب، حيث تُستباح الحقوق وتُداس الكرامة دون أدنى إعتبار لأي قانون أو إلتزام.
أما المدعوا محمد السادس، الذي يُفترض أنه الضامن الأول للحقوق والحريات، فيبدو في هذا المشهد إما عاجزًا عن كبح هذه التجاوزات أو متواطئًا معها بشكل أو بآخر، وفي الحالتين، فإن الرسالة التي تصل إلى المغاربة واضحة.. لا حماية لكم خارج دائرة الولاء، ولا عدالة لمن يجرؤ على التفكير بصوت عالٍ.
هذا الفراغ في القيادة الفعلية هو ما سمح لأسماء مثل علي الحمة ولد الشوافة، بأن تتحول إلى مراكز قوة غير رسمية، تدير البلاد بمنطق الولاءات والصفقات، وبالحديد والنار، لا بمنطق القانون والمؤسسات الغائبين تماما.
إن العنف الذي مورس على منجب لا يمكن فصله عن سياق أوسع، حيث يتم إخضاع المجال العام بالكامل لرقابة أمنية مشددة، ويُعاد تشكيله بما يخدم إستقرار سلطة لا تقبل النقد، فالمعارض يُشوَّه، الصحفي يُلاحق، والناشط يُحاصر، وكل ذلك تحت غطاء ( الإستقرار ) الذي يُستخدم كشعار لتبرير كل الإنتهاكات، لكن أي إستقرار هذا الذي يقوم على الخوف؟ وأي دولة تلك التي ترى في مفكر خطرًا يفوق خطر الفساد والإستبداد؟
ثم هناك البعد الخارجي، حيث يستفيد هذا النمط من التحكم من دعم دولي مبني على المصالح لا القيم، فحين تغض قوى كبرى الطرف عن هذه الإنتهاكات، أو تكتفي ببيانات خجولة، فإنها عمليًا تمنح الضوء الأخضر لإستمرار القمع، وهنا تتحول السيادة إلى مجرد واجهة، بينما تُدار التوازنات الحقيقية وفق حسابات جيوسياسية لا مكان فيها لحقوق الإنسان إلا كشعار للإستهلاك.
ما جرى ليس فقط إعتداءً على شخص، بل رسالة موجهة لكل من يفكر في الخروج عن الصف؛ لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشة هذا البناء القمعي، لأن السلطة التي تخاف من كتاب، ومن مؤرخ، ومن كلمة، هي سلطة تدرك في قرارة نفسها أن شرعيتها مهزوزة، والتاريخ الذي حاولوا منعه من دخول معرض الكتاب، سيبقى شاهدًا على أن القمع قد يؤخر الحقيقة، لكنه لا يستطيع إلغائها.
علي الحمة ولد الشوافة تتصرف كأن السلطة ملك شخصي لك، وكأن الدولة أداة طيّعة في يدك، وكأن الناس مجرد تفاصيل يمكن تجاهلها أو سحقها دون ثمن؛ هذا ليس نفوذًا… هذا وهم القوة عندما ينفصل عن الواقع.
إعلم أن كل نظام ( قطاع الطرق ) يقوم على القهر يظن أنه محصّن، لكنه في الحقيقة يراكم عوامل إنهياره بصمت.. الغضب المكبوت، الإذلال اليومي، وإنكسار الثقة بين المجتمع والسلطة، هذه ليست شعارات، بل قوانين سياسية ثابتة لا تُلغى بالتجاهل ولا بالقمع.
قد تنجح اليوم في إسكات الأصوات، لكنك لا تستطيع إسكات النتائج، فالتاريخ لا يحتاج إذنًا ليفرض حكمه، ولا ينتظر لحظة مناسبة ليكشف الحقيقة.
ما تفعله يا إبن الرائعة ليس إدارة نفوذ، بل إدارة تراكم خطير سينقلب عليك في لحظة غير متوقعة، حين تتغير المعادلة ويصبح ما كنت تعتبره قوة مجرد عبئ ثقيل.













