بقلم عبدالرحمان هادف – مستشار دولي في التنمية الاقتصادية
بوابة الجزائر الإخبارية: تشهد الشراكة بين الجزائر وعدد من الدول الإفريقية، على غرار النيجر والتشاد، ديناميكية متسارعة تعكس تحوّلا نوعيا في الرؤية الاستراتيجية الجزائرية تجاه عمقها الإفريقي.
هذه الديناميكية لا تقتصر على البعد الدبلوماسي، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وتنموية ترمي إلى تحقيق اندماج قاري فعلي، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتنافس متزايد على النفوذ والموارد والأسواق.
في هذا الإطار، تبرز أهمية المشاريع وبرامج التعاون التي تم إطلاقها أو التخطيط لها مع هذين البلدين، باعتبارها أدوات عملية لترجمة الإرادة السياسية إلى نتائج ملموسة. وتكتسي هذه المشاريع أهمية استراتيجية لعدة أسباب:أولًا، تمثل مشاريع البنى التحتية، وعلى رأسها مشروع الطريق العابر للصحراء، رافعة أساسية لربط الجزائر بعمقها الإفريقي، بما يعزز حركة التجارة وتدفق السلع والخدمات.
ففك العزلة عن المناطق الحدودية يساهم في خلق أقطاب تنموية جديدة ويدعم التكامل الاقتصادي الإقليمي.ثانيًا، في مجال الطاقة، تبرز مشاريع الربط الكهربائي وتطوير الطاقات المتجددة كآليات لتعزيز الأمن الطاقوي للدول الشريكة، خاصة في ظل الطلب المتزايد على الطاقة في إفريقيا. كما تفتح هذه المشاريع آفاقا لتصدير الخبرة الجزائرية في مجال إنتاج وتوزيع الطاقة.
ثالثًا، في قطاع الصناعة التحويلية، تمثل الشراكات الصناعية فرصة لتثمين الموارد المحلية في النيجر والتشاد، بدل تصديرها في شكل مواد خام. وهو ما يتماشى مع التوجهات الإفريقية الرامية إلى خلق قيمة مضافة محلية وتعزيز التصنيع.

رابعا، في المجال الفلاحي، يمكن للتعاون أن يساهم في تحقيق الأمن الغذائي، من خلال استغلال الأراضي الزراعية الواسعة في دول الساحل، ونقل الخبرات والتقنيات الجزائرية في الري والإنتاج الزراعي.
خامسًا، يبرز الاقتصاد الرقمي كقطاع واعد يمكن أن يلعب دورًا محوريًا في تسريع الاندماج، من خلال تطوير البنى التحتية الرقمية، وتعزيز الابتكار، ودعم الشركات الناشئة، بما يخلق منظومة اقتصادية حديثة ومترابطة.
أما فيما يتعلق بتشديد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، على ضرورة تسريع تجسيد هذه المشاريع، فيعود إلى عدة اعتبارات جوهرية:أولًا، إدراك أن الفجوة بين الإرادة السياسية والتنفيذ الميداني تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه التعاون الإفريقي، وهو ما يستدعي الانتقال من منطق التصريحات إلى منطق الإنجاز.ثانيًا، الحاجة إلى تحقيق نتائج سريعة وملموسة تعزز مصداقية الجزائر كشريك موثوق في القارة، خاصة في ظل تنافس قوى دولية أخرى تسعى إلى تعزيز حضورها في إفريقيا.
ثالثًا، السياق الجيوسياسي والاقتصادي الحالي، الذي يفرض تسريع وتيرة الاندماج الإفريقي لمواجهة التحديات المشتركة، مثل الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والتغيرات المناخية.رابعًا، استغلال الفرص التي تتيحها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، والتي تتطلب بنية تحتية فعالة ومشاريع تكاملية جاهزة للاستفادة من هذا الفضاء الاقتصادي.خامسا، البعد الأمني، حيث أن التنمية الاقتصادية في مناطق الساحل تساهم في معالجة جذور عدم الاستقرار، من خلال خلق فرص اقتصادية وتحسين الظروف المعيشية.

في المحصلة، يمكن القول الديناميكية الجديدة للشراكة الجزائرية مع الدول الإفريقية على غرار النيجر والتشاد تعكس تحوّلًا استراتيجيًا نحو تبني مقاربة قائمة على التنمية المشتركة والمصالح المتبادلة، بدل الاكتفاء بالأطر التقليدية للتعاون.
وينتظر أن تشكل هذه المقاربة نموذجًا قابلًا للتوسيع ليشمل دولًا إفريقية أخرى، بما يعزز من موقع الجزائر كفاعل محوري في القارة.غير أن نجاح هذا التوجه يبقى مرهونا بمدى القدرة على تجاوز التحديات المرتبطة بالتنفيذ، وعلى رأسها التمويل، والحوكمة، والتنسيق بين مختلف الفاعلين. كما أن تحقيق الأثر المطلوب يتطلب اعتماد مقاربة شاملة تدمج بين البعد الاقتصادي والاجتماعي، مع إشراك القطاع الخاص كفاعل أساسي في تجسيد المشاريع.
في الأخير، فإن تسريع وتيرة إنجاز هذه المشاريع لا يمثل فقط استجابة لضرورات ظرفية، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل القارة الإفريقية، يعزز من فرص الاندماج الاقتصادي، ويؤسس لشراكة إفريقية أكثر توازنا واستدامة، قادرة على مواجهة التحديات العالمية واغتنام الفرص التنموية المتاحة.






























