بوابة الجزائر الإخبارية: تتجه العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وإسبانيا إلى اختبار جديد في 20 جويلية، مع الزيارة الرسمية المرتقبة لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، وفق ما كشفته مصادر دبلوماسية لصحيفة THE OBJECTIVE. الزيارة، في حال تأكدت رسميا، ستكون الأولى لسانشيز إلى الجزائر منذ أكتوبر 2020، وستتم ذهابا وإيابا في اليوم نفسه، بمرافقة وزيرين، بينهما نائبة رئيس الحكومة الثالثة ووزيرة الانتقال البيئي سارا آغيسين، ما يمنح الملف الطاقوي والاقتصاد الأخضر وزنا مباشرا في جدول الأعمال.

الملف الاقتصادي سيكون في قلب الزيارة. فالعلاقات بين الجزائر ومدريد لا تتحرك هذه المرة من زاوية بروتوكولية، بل من زاوية مصالح واضحة: الغاز، ميدغاز، التجارة، الشركات، الاستثمار، الطاقات المتجددة، الصناعات الغذائية، الصحة، الصيدلة، التكنولوجيا، والنقل البحري. ومن الناحية العملية، تحتاج إسبانيا إلى مورد طاقوي قريب ومستقر، بينما تملك الجزائر ورقة طاقة قوية، وسوقا قابلة لاستيعاب الشركات الإسبانية، وموقعا مباشرا على المتوسط، وقدرة تفاوضية أكبر بعد تعافي جزء من المبادلات التجارية خلال 2024 و2025.
وتكشف العودة إلى زيارة سانشيز السابقة في 7 و8 أكتوبر 2020 أن الاقتصاد كان دائما العمود الصلب في العلاقة الثنائية. يومها، وصفت رئاسة الحكومة الإسبانية الجزائر بأنها بلد جار وشريك استراتيجي، وذكرت أن البلدين يملكان قرابة 550 شركة مشتركة، مع حضور بارز في الطاقة، البتروكيمياء، المياه والنقل. كما تحدثت مونكلوا عن تشغيل كابل ألياف بصرية بحري يربط البلدين، وعن تطوير أحد أكبر مشاريع المصافي في حوض الحمراء، إضافة إلى إمكان توسيع التعاون نحو معالجة النفايات، الطاقات المتجددة، الصحة، الصناعة الصيدلانية، الصناعات الغذائية، والاستشارات التكنولوجية والاتصالية.
غير أن المشهد في 2026 مختلف عن 2020. فالعلاقات التجارية خرجت من مرحلة اضطراب طويلة، والشركات الإسبانية تبحث عن استعادة موقعها داخل السوق الجزائرية، في وقت تعيد فيه الجزائر ترتيب أولوياتها الاقتصادية وفق قاعدة أوضح: استثمار منتج، شراكات صناعية، نقل خبرة، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي. لذلك، لا تبدو زيارة سانشيز المحتملة مجرد استعادة لمسار قديم، بل محاولة لربط العلاقة الاقتصادية بمنطق جديد يضع الجزائر في موقع تفاوض أقوى.
انتعاش العلاقت الاقتصادية
في التجارة، تظهر الأرقام حجم الرهان. فحسب المعطيات التي أوردتها THE OBJECTIVE، عادت العلاقات التجارية بين البلدين إلى مسار التطبيع في 2024 بعد 28 شهرا من الأزمة الاقتصادية التي كلفت الشركات الإسبانية خسائر قدرت بنحو 3.2 مليارات يورو. وتراجعت الصادرات الإسبانية إلى الجزائر من نحو 1.9 مليار يورو في 2021 إلى 330 مليون يورو فقط في 2023، مع تسجيل 1.888 مليار يورو في 2021، ثم 1.017 مليار يورو في 2022، قبل الهبوط إلى 332 مليون يورو في 2023، وهو أدنى مستوى في السلسلة التاريخية.
هذا الانخفاض يفسر اندفاع قطاع الأعمال الإسباني نحو استعادة السوق الجزائرية. فإسبانيا لا تبحث فقط عن تصدير سلع إضافية، بل عن العودة إلى قطاعات كانت تقليديا مفتوحة أمام شركاتها: مواد البناء، التجهيزات الصناعية، المنتجات الكيميائية، التكنولوجيا الفلاحية، الخدمات الهندسية، المياه، النقل، والصناعات الغذائية. وفي المقابل، تستطيع الجزائر استخدام هذا الطلب الإسباني لاستقطاب استثمارات أكثر ارتباطا بالإنتاج المحلي، بدلا من العودة إلى نمط تجاري تقليدي قائم على الاستيراد وحده.
وتشير مؤسسة ICEX الإسبانية إلى أن العلاقات التجارية مع الجزائر بدأت منذ نوفمبر 2024 في التسارع بوتيرة قوية، وربطت ذلك بفرص جديدة أمام الشركات الإسبانية، خصوصا في التكنولوجيا الزراعية والماشية. هذا التطور مهم للجزائر، لأن التعاون الزراعي لم يعد ملفا ثانويا، بل يدخل ضمن أمن الغذاء، تحسين الإنتاجية، تقنيات الري، التجهيزات، سلاسل التبريد، التحويل الغذائي، والخدمات البيطرية.

الطاقة أول الملفات
لكن الطاقة تبقى الرقم الأول في المعادلة. في مارس 2026، أعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس من الجزائر أن البلدين اتفقا على تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مجال الطاقة، بالتزامن مع محادثات لرفع إمدادات الغاز الجزائري نحو إسبانيا عبر ميدغاز. وذكرت رويترز، نقلا عن مصادر مطلعة، أن المحادثات شملت إمكانية زيادة الإمدادات عبر الأنبوب بما يصل إلى 10 بالمائة. كما أشارت إلى أن ناتورجي الإسبانية تستورد نحو 5 مليارات متر مكعب سنويا من الغاز الجزائري، وأن سوناطراك تملك 51 بالمائة من خط ميدغاز، إضافة إلى حصة تقارب 4 بالمائة في ناتورجي.
وتمنح بيانات Enagás لشهر ماي 2026 صورة أدق عن وزن الجزائر داخل أمن الطاقة الإسباني. فقد بلغ إجمالي واردات الغاز إلى إسبانيا في ذلك الشهر 31.397 غيغاواط/ساعة، وجاءت الجزائر في الصدارة بحصة 42.6 بالمائة عبر الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال، منها 10.365 غيغاواط/ساعة عبر الغاز الطبيعي و3.002 غيغاواط/ساعة عبر الغاز المسال. كما بلغ تراكم الإمدادات الجزائرية عبر خط ألميريا خلال الفترة من جانفي إلى ماي 2026 نحو 49.657 غيغاواط/ساعة، بزيادة 10.9 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة، بينما ارتفعت التدفقات عبر ألميريا في ماي وحده بنسبة 27.3 بالمائة على أساس سنوي.
هذه الأرقام تجعل ميدغاز أكثر من مجرد بنية تحتية لنقل الغاز. فهو رابط طاقوي مباشر بين الجزائر والسوق الإسبانية، وأداة تمنح الجزائر أفضلية جغرافية وتجارية مقارنة بمصادر الغاز البعيدة التي تعتمد على الشحن البحري. ومع تقلب سوق الغاز المسال عالميا، تصبح الإمدادات الجزائرية عبر الأنبوب أكثر أهمية من زاوية السعر، الاستقرار، سرعة التسليم، وتقليص مخاطر الشحن.
الجزائر أول المصدرين للغاز
وبحسب تقرير Enagás حول النظام الغازي الإسباني، أصبحت الجزائر في 2025 المورد الرئيسي للنظام الغازي الإسباني، بحصة بلغت 35 بالمائة من الإمدادات. هذا الرقم يضع الجزائر في قلب معادلة أمن الطاقة الإسباني، خصوصا أن الغاز لا يدخل فقط في الاستهلاك المنزلي، بل في الصناعة، الكهرباء، التكرير، الكيمياء، النقل البحري، وبعض القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ومن هنا، تحمل مرافقة وزيرة الانتقال البيئي الإسبانية لسفر سانشيز المرتقب دلالة اقتصادية واضحة. فالملف لم يعد محصورا في الغاز التقليدي، بل يمتد إلى الطاقات المتجددة، النجاعة الطاقوية، البيئة، النفايات، والهيدروجين الأخضر. وإسبانيا، التي تريد أن تتحول إلى منصة أوروبية للطاقة النظيفة، تعرف أن الجزائر تملك المساحة، الإشعاع الشمسي، البنية الغازية، القرب من أوروبا، وشبكات الشراكة التي تسمح بتحويل التعاون الطاقوي إلى مرحلة أوسع من مجرد عقود توريد.
كما أن الجزائر يمكن أن تستفيد من هذا التوجه عبر فرض شراكات أكثر عمقا في الصناعات المرتبطة بالطاقة: معدات الطاقة الشمسية، خدمات الصيانة، الهندسة، التخزين، الربط، تحلية المياه بالطاقة المتجددة، وخفض الانبعاثات في المنشآت الصناعية. وفي هذا الإطار، لا تكون إسبانيا زبونا للغاز فقط، بل شريكا محتملا في مسار صناعي جديد إذا نجحت الجزائر في ربط المشاريع بنسب إدماج محلية وبمناولة وطنية.
إلى جانب الطاقة، يمكن أن يتحول ملف النقل واللوجستيك إلى أحد محركات العلاقة خلال المرحلة المقبلة. فالقرب البحري بين الموانئ الجزائرية والموانئ الإسبانية يمنح التجارة الثنائية ميزة واضحة في الكلفة والآجال، خصوصا مع استئناف الاهتمام بخطوط الشحن والعبّارات وحركة البضائع بين الضفتين. وكلما تسارعت المبادلات، زادت حاجة الشركات إلى خدمات التخليص، التأمين، النقل المبرد، الموانئ الجافة، المناطق اللوجستية، والربط الرقمي.

الكابل البحري والألياف البصرية
كما أن الكابل البحري للألياف البصرية، الذي أشارت إليه مونكلوا في سياق زيارة 2020، يمنح العلاقة بعدا رقميا قابلا للتطوير. فالجزائر لا تحتاج فقط إلى شراكات في الطاقة والسلع، بل أيضا إلى تعاون في مراكز البيانات، الأمن السيبراني، الخدمات الرقمية، الدفع الإلكتروني، الاتصالات، وربط المؤسسات. وهذه الملفات يمكن أن تدخل تدريجيا ضمن جدول التعاون الاقتصادي إذا انتقلت العلاقة من منطق استعادة المبادلات إلى منطق بناء مشاريع مشتركة.
في القطاع الصحي والصيدلاني، يبرز مجال آخر للتعاون. فقد سبق لسانشيز أن شجع التعاون في الصحة والصناعة الصيدلانية خلال زيارته السابقة، وهو ملف يتقاطع مع توجه الجزائر إلى تقليص الواردات، توطين صناعة الدواء، وتوسيع الإنتاج المحلي. ويمكن للشركات الإسبانية أن تجد في الجزائر سوقا واعدة، لكن بشروط مختلفة عن السابق: شراكة، إنتاج، نقل معرفة، وليس مجرد تصدير منتجات نهائية.
أما في الصناعات الغذائية والزراعة، فإن الحاجة الجزائرية إلى رفع الإنتاج وتحسين سلاسل القيمة تفتح مجالا واسعا أمام التكنولوجيا الإسبانية، خصوصا في الري، البيوت الزراعية، التخزين، البذور، الآلات، التحويل، والتعليب. هذا القطاع قابل لأن يصبح أحد أسرع مسارات استعادة المبادلات، لأنه يجمع بين الطلب الجزائري الكبير وخبرة الشركات الإسبانية في تقنيات الزراعة المتوسطية.
رسائل سياسية
ومن الناحية السياسية الاقتصادية، تحمل زيارة 20 جويلية، إذا تمت، رسالة إلى الشركات الإسبانية بأن العودة إلى الجزائر أصبحت خيارا عمليا، لا مجرد رغبة دبلوماسية. فقد عانت هذه الشركات من انهيار المبادلات خلال فترة الاضطراب، وتحتاج الآن إلى إشارات رسمية حتى تعيد بناء شبكاتها التجارية. غير أن الجزائر تدخل هذه المرحلة من موقع أقوى، لأن السوق الجزائرية أصبحت أكثر انتقائية، والإدارة الاقتصادية باتت توجه المستثمرين نحو القطاعات ذات الأولوية.
لذلك، لن يكون نجاح الزيارة مرهونا بعدد التصريحات. بل بمدى تحويلها إلى قرارات قابلة للقياس: عقود غاز أو تمديد إمدادات، مشاريع في الطاقات المتجددة، اتفاقيات بين مؤسسات الأعمال، عودة الصادرات الإسبانية وفق حاجات السوق الجزائرية، شراكات في الصناعات الغذائية والصيدلانية، وتسهيلات لوجستية ومصرفية تخدم المبادلات دون الإضرار بأولويات الإنتاج الوطني.
كما تخلص الصحافة الإسبانية الجزائر تملك اليوم الورقة الأقوى في العلاقة مع إسبانيا: الطاقة أولا، ثم السوق، ثم الموقع، ثم القدرة على انتقاء الشراكات. وبالنسبة إلى مدريد، لم تعد الجزائر مجرد جار جنوبي أو مورد غاز تقليدي، بل شريك اقتصادي لا يمكن تجاوزه في أمن الطاقة، التجارة المتوسطية، والاستثمار المنتج. أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن الرهان هو تحويل العودة الإسبانية إلى قيمة مضافة داخلية: مصانع، عقود مناولة، تكنولوجيا، خدمات، وظائف، وتوازن تجاري أكثر خدمة للاقتصاد الوطني















