مقال رأي بقلم محمد قنديل: مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: تواجه مؤسسات الإتحاد الأوروبي، من البرلمان إلى الحكومات والمنظومة الإعلامية المستقلة، لحظة كاشفة تفرض قطعاً نهائياً مع سياسة المداهنة تجاه العصابة الملكية المافيوزية في المغرب، إذ لم يعد كافياً إدراج السلوك التخريبي لأجهزة الإستخبارات المغربية في خانة التجاوزات الدبلوماسية العابرة، بل وجب التعامل معها كعصابة منظمة مارقة تستهدف الأمن القومي الأوروبي والقيم الديمقراطية من الداخل.

إن الشراكة المزعومة مع هذا الكيان الإستبدادي أصبحت عبئاً أخلاقياً وأمنياً يهدد سيادة دول الإتحاد، ويحول العواصم الأوروبية إلى ساحات مفتوحة لتمرير أجندات مشبوهة، على رأسها الخدمة المطلقة والمباشرة للمصالح الإسرائيلية في المنطقة على حساب الإستقرار الإقليمي.
لقد تواترت الأدلة والقرائن التي تثبت ضلوع هذا الشرذمة الفاقدة للشرعية في عمليات إختراق واسعة وممنهجة للمؤسسات الأوروبية.
فضيحة التجسس عبر برمجية ( بيغاسوس ) لم تكن مجرد خرق تكنولوجي، بل إعتداءً مباشراً على سيادة الدول وإستهدافاً لهواتف قادة ومسؤولين أوروبيين.
تلا ذلك زلزال ( المغرب غيت ) الذي كشف كيف تُدار آلة الرشوة وشراء الذمم داخل ردهات البرلمان الأوروبي لتوجيه القرارات وصياغة سياسات تخدم مصالح هذه المافيا القائمة في الرباط. هذا التغلغل الفسادي يوضح أن المخزن العميل لا يرى في أوروبا شريكاً، بل ساحة للإختراق والإبتزاز المالي والسياسي، مستغلاً ثغرات المنظومة لتبييض صورته الحقوقية القاتمة.
الخطورة الأكبر تكمن في توظيف أوراق الضغط الإنسانية كأدوات للإبتزاز السياسي؛ إذ يواصل هذا الكيان اللاشرعي إستخدام ملف الهجرة غير النظامية كصاعق تفجير بوجه الحدود الأوروبية كلما أراد تحصيل مكاسب دبلوماسية أو إنتزاع إعترافات بجرائمه التوسعية، فالمأساة الإنسانية الأخيرة في باب سبتة، والتي خلفت مجزرة مروعة راح ضحيتها عشرات المفقودين و 141 شهداء من أبناء الشعب المغربي المقهور لحدود يوم أمس الأربعاء، تعكس الوجه الحقيقي لآلة القمع المخزنية، حيث إتضح أن هذه الكارثة جرت بتدبير مباشر وتواطؤ أمني لخدمة تحالفات صهيونية تهدف إلى إعادة ترتيب أوراق النفوذ في شمال إفريقيا والمتوسط، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تزايدت المؤشرات والشكوك العميقة حول صلات إستخباراتية بملفات حساسة وأحداث عنف هزت العمق الأوروبي، مما يرفع منسوب الخطر إلى مستويات غير مسبوقة.
لم يتأخر الرد الأوروبي الصادم الذي أكد فشل هذه المناورات الدنيئة؛ إذ شكّل الإجتماع الأخير لوزراء داخلية الإتحاد الأوروبي صفعة مدوية لآلة الإبتزاز المخزنية، بعدما أعلن الوزراء مساندتهم الكاملة والقوية لحكومة ( سانشيز ) في مواجهة هذا التغول، وهنا يمكن القول إن السحر قد إنقلب على الساحر، لتخرج عصابة المخزن بزعامة المدعو محمد السادس خائبة خاوية الوفاض، بعد أن تيقن القادة الأوروبيون أنهم أمام مافيا تستخدم أرواح المهاجرين وقوداً لمعاركها السياسية الخاسرة، وهو ما عرّى حقيقة هذا النظام اللقيط وجعله أكثر عزلة وإنكشافاً من أي وقت مضى.
سقوط قناع الشريك الموثوق!
بناءً على هذه المعطيات الصادمة، يسقط قناع ( الشريك الموثوق ) عن هذه العصابة الخارجة عن القانون، وإن إستمرار الحكومات الأوروبية في غض الطرف عن هذه الجرائم، بدعوى الواقعية السياسية والمصالح المشتركة، لم يعد تواطؤاً سياسياً فحسب، بل هو مشاركة فعلية في الجريمة تستوجب المحاسبة الفورية عبر آليات المساءلة والمحاكمات داخل دول الإتحاد، لذا نرى أنه يجب على برلمانات الدول الأعضاء تفعيل لجان التحقيق لقطع دابر التمويلات والإتفاقيات التي تغذي آلة القمع والفساد وتمنح غطاءً زائفاً لسلطة فاقدة للأهلية والمشروعية الشعبية.
إن التراخي الأوروبي في هذا الصدد يمثل طعنة في خاصرة قيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي التي تأسس عليها الإتحاد، إذ كيف يمكن للإتحاد الأوروبي أن يرفع شعارات الدفاع عن الحريات وبناء دولة الحق والقانون، وفي الوقت نفسه يبرم الصفقات الأمنية والإقتصادية مع مافيا تستعبد شعبها وتخترق جيرانها؟ لقد حان الوقت لمراجعة جذرية وشاملة للعلاقات مع هذا الكيان، والإنتقال من مربع الإدانات الخجولة إلى مربع العقوبات الصارمة والعزل السياسي؛ فأي تأخير إضافي يعني فتح الباب لمزيد من الإختراقات الأمنية والسياسية التي ستدفع الشعوب الأوروبية والمغاربية ثمنها باهظاً من أمنها وإستقرارها وقيمها الإنسانية.
وفي هذا السياق، تبرز الحقيقة العارية لمن يريد أن يرى الصورة على حقيقتها في الداخل المغربي؛ وهي صورة تتناقض تماماً مع الأكاذيب والبروباغندا الزائفة التي تسوقها عصابة المخزن لتبييض جرائمها، حيث أن ما وقع على تخوم الحدود الجنوبية للإتحاد الأوروبي، وتحديداً عند بوابات مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، يكشف بالدليل القاطع الأسباب العميقة التي أدت إلى هذه الكوارث الإنسانية المتكررة، والمتمثلة في الجمع بين سياسة الإفقار الممنهج والتنكيل بالشعب المغربي المقهور، وتوظيف دماء الأبرياء كأوراق ضغط سياسي ومالي، لذا مقول أنه قد حان الوقت لتدرك العواصم الأوروبية أن إستمرار الشراكة مع هذه المافيا ليس فقط طعنة لقيم حقوق الإنسان، بل هو تهديد مباشر لحدود الإتحاد وأمنه، مما يجعل مراجعة هذه العلاقات وعزل هذا النظام الإستبدادي ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل.
















