بوابة الجزائر الإخبارية: ساد ما يشبه صمت القبور في جانب واسع من الإعلام الفرنسي أمام قضية تحرير الرعية الألماني بفضل الجزائر، في مشهد يطرح أكثر من سؤال حول المعايير التي تتحكم في اختيار الأخبار الجزائرية داخل غرف التحرير الفرنسية. فالمنابر التي لا تحتاج سوى تصريح عابر أو خلاف دبلوماسي محدود لتحويل الجزائر إلى ملف مفتوح على مدار الساعة، لم تجد في نجاح جزائري ذي بعد أمني وإنساني ودبلوماسي ما يستحق الزخم نفسه، بل إن الخبر لم يحظ حتى بالمعالجة العادية التي ترافق عادة عمليات تحرير الرعايا الأوروبيين عندما تكون دولة أخرى صاحبة الوساطة أو الإنجاز.

المسألة هنا لا تتعلق بمطالبة الصحافة الفرنسية بمدح الجزائر أو الاحتفاء بها. المطلوب أبسط من ذلك بكثير، وهو تطبيق المعيار التحريري نفسه. فعملية تنتهي بتحرير مواطن أوروبي، وتكشف قدرة دولة متوسطية وإفريقية محورية مثل الجزائر على التحرك في ملف أمني حساس والوصول إلى نتيجة، تحمل في ذاتها قيمة خبرية مستقلة عن طبيعة العلاقة بين الجزائر وباريس. وعندما تمر واقعة كهذه ببرودة، بينما تتحول ملفات أقل وزنًا إلى عناوين وتحليلات وبرامج نقاش بمجرد أن تسمح بتقديم الجزائر في سياق أزمة أو اتهام، يصبح الصمت نفسه جزءًا من الخبر.
وهنا تحديدًا تظهر الانتقائية التي طبعت جانبًا من التغطية الفرنسية للجزائر خلال السنوات الأخيرة. فعندما تتوتر العلاقات بين البلدين، تتحول أدق التفاصيل إلى مادة للتحليل. وعندما يتعلق الأمر بالتأشيرات أو المواقف الدبلوماسية أو تصريحات المسؤولين الجزائريين أو أي ملف يمكن أن يوضع تحت عنوان «الأزمة مع الجزائر»، تتسع صفحات الصحف والاستوديوهات فجأة لعشرات المعلقين والخبراء. أما حين تقدم الجزائر صورة دولة تمتلك أدوات للتحرك والوساطة والاتصال الأمني والقدرة على الوصول إلى نتائج ملموسة، ينخفض مستوى الحماس التحريري بصورة لافتة.

ولا يحتاج هذا التفاوت إلى نظرية مؤامرة لتفسيره، بقدر ما يكشف عن مشكلة أعمق في الطريقة التي تعود بها جزء من الإعلام الفرنسي على النظر إلى الجزائر. لقد أصبح الخبر الجزائري، لدى بعض المنابر، أكثر جاذبية عندما يمكن إدخاله في سردية الأزمة والتوتر والفشل، بينما تواجه الصورة المضادة صعوبة أكبر في الوصول إلى المساحة نفسها. الجزائر التي تختلف مع باريس خبر كبير، أما الجزائر التي تنجح في ملف أمني أو إنساني خارج المظلة الفرنسية فتبدو أقل إغراءً.
وهذا ما يجعل قضية الرعية الألماني ذات دلالة تتجاوز الشخص المحرر نفسه. فالحدث يكشف في جوهره عن جزائر قادرة على التحرك عبر قنواتها الخاصة، وإدارة علاقاتها الأمنية والدبلوماسية بصورة مستقلة، وتحقيق نتيجة لمصلحة مواطن أوروبي من دون أن تكون باريس مركز العملية أو بوابتها. وتلك صورة تختلف تمامًا عن الجزائر التي اعتاد جزء من الخطاب الإعلامي الفرنسي تقديمها لجمهوره.
كما تكتسب الواقعة وزنًا إضافيًا بالنظر إلى تطور العلاقات الجزائرية–الألمانية خلال السنوات الأخيرة. فبرلين أصبحت شريكًا متزايد الأهمية للجزائر في ملفات الطاقة والصناعة والأمن والتكنولوجيا، في سياق توجه جزائري أوسع نحو تنويع علاقاته الأوروبية وعدم حصرها في المحور الفرنسي التقليدي. ومن هنا، فإن نجاح الجزائر في ملف يخص مواطنًا ألمانيًا لا يحمل بعدًا إنسانيًا وأمنيًا فقط، وإنما يضيف عنصر ثقة جديدًا إلى علاقة تتوسع أصلًا على عدة مستويات.
وهذا بالضبط ما يجعل الصمت الفرنسي أكثر إثارة للاستغراب. فالصحافة الفرنسية التي تتابع بتفصيل كل تحول في علاقات الجزائر مع روسيا أو الصين أو إيطاليا أو تركيا، يفترض أن تجد في تنامي العلاقة مع ألمانيا مادة تستحق الاهتمام أيضًا، خاصة عندما تظهر هذه العلاقة في اختبار عملي يتعلق بحياة مواطن وأمنه. لكن حين تتحول الواقعة إلى دليل على قدرة الجزائر على التحرك بصورة مستقلة عن باريس، يبدو أن البوصلة الخبرية تصبح أقل نشاطًا.
عندما تكون الجزائر في قفص الاتهام لا تنقص المساحة
يكفي الرجوع إلى حجم التغطية التي تخصصها وسائل الإعلام الفرنسية عادة لأي أزمة مرتبطة بالجزائر لفهم حجم التناقض. عند وقوع خلاف سياسي، لا تكتفي بعض الصحف بنقل الخبر، بل تنتقل سريعًا إلى تفسير «ما الذي يجري داخل النظام الجزائري»، واستدعاء تاريخ العلاقات الثنائية، والتنبؤ بمستقبل النظام السياسي والاقتصادي والدبلوماسي في الجزائر. ويصبح كل ملف مدخلًا إلى قصة أكبر عن «الأزمة الجزائرية».
أما في الحالة المعاكسة، عندما تثبت الجزائر قدرة أو تحقق مكسبًا أو تنجح في ملف دولي، تتقلص فجأة الرغبة في التفسير.
لا أحد يسأل عندها ماذا يعني هذا النجاح بالنسبة إلى موقع الجزائر الأمني في المنطقة، أو ماذا يكشف عن قنواتها الدبلوماسية، أو لماذا تثق دولة أوروبية مثل ألمانيا في التعاون معها في ملفات حساسة، أو كيف استطاعت الجزائر الوصول إلى النتيجة، والغريب أن هذه هي الأسئلة الصحفية الحقيقية.
فإذا كان الأمن في الساحل وشمال إفريقيا يشكل أولوية بالنسبة إلى أوروبا، فإن قدرة الجزائر على التحرك في هذه البيئة ينبغي أن تكون معلومة مهمة للقارئ الفرنسي نفسه. وإذا كانت فرنسا تعتبر مكافحة الإرهاب وحماية الرعايا الأوروبيين ملفًا مركزيًا في سياستها الخارجية، فإن نجاح دولة مجاورة في عملية مرتبطة بالموضوع يجب أن يكون خبرًا حتى في غياب أي علاقة مباشرة لباريس به.
لكن يبدو أن بعض الإعلام الفرنسي أكثر اهتمامًا بالجزائر عندما تكون موضوعًا للمساءلة منه عندما تكون فاعلًا.
وهذا فارق كبير.لأن الصورة الأولى تجعل باريس مركز المشهد، فيما تكشف الثانية أن الجزائر تستطيع إنتاج القرار والنتيجة خارج الدائرة الفرنسية.
ما لا يقوله الصمت الفرنسي
قد يبدو تجاهل خبر واحد مسألة بسيطة، لكن تراكم هذا النوع من الاختيارات يصنع في النهاية صورة كاملة لدى الجمهور. فالقارئ الذي تصله أخبار الجزائر أساسًا عند وقوع الأزمات سيعتقد طبيعيًا أن البلد لا ينتج سوى الأزمات، والقارئ الذي يسمع عن الجزائر عندما تختلف مع باريس أكثر مما يسمع عنها عندما تنجح دبلوماسيًا أو أمنيًا سيبني فهمه للبلد على نصف الوقائع فقط.
وهنا تصبح الانتقائية مشكلة مهنية قبل أن تكون مشكلة جزائرية–فرنسية، فالصحافة ليست مطالبة بأن تكون مؤيدة للجزائر، كما أن الصحافة الجزائرية ليست مطالبة بأن تكون مؤيدة لفرنسا. لكنها مطالبة، عندما تزعم تقديم صورة عن دولة ما، بألا تجعل أهمية الواقعة مرتبطة بما إذا كانت تخدم سرديتها السابقة أم تربكها.
والواقعة الحالية مربكة فعلًا لخطاب اعتاد تقديم فرنسا باعتبارها الطرف الأوروبي الأكثر معرفة بالجزائر والأكثر قدرة على التعامل معها.
فالجزائر تنجح في ملف يخص ألمانيا، والعلاقة الجزائرية–الألمانية تتحرك بصورة مستقلة، والنتيجة تتحقق بعيدًا عن باريس. وفي اللحظة نفسها، يجد الإعلام الفرنسي نفسه أمام خبر لا يسمح له بالعودة بسهولة إلى القوالب المعتادة حول التوتر والخصومة والضغط الفرنسي على الجزائر.
ولهذا يبدو الصمت أسهل من إعادة النظر في السردية، لكن تجاهل الوقائع لا يلغيها، فالجزائر التي تتحرك أمنيًا في محيطها، وتتوسع علاقاتها مع قوى أوروبية أخرى، وتبني شراكات لا تمر بالضرورة عبر باريس، هي واقع قائم بصرف النظر عن حجم المساحة التي تمنحها له الصحافة الفرنسية.
بل إن الصمت في حد ذاته يكشف شيئًا آخر، وهو أن مركز الثقل في العلاقة بين الجزائر وأوروبا لم يعد يمكن اختزاله في باريس كما كان في عقود سابقة. ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وشركاء أوروبيون آخرون يطورون قنوات مباشرة مع الجزائر، وكل علاقة جديدة تقلص تدريجيًا احتكار فرنسا التاريخي لدور الوسيط الأوروبي الأكثر التصاقًا بالشأن الجزائري.
ومن هنا يأخذ تحرير الرعية الألماني معنى أوسع. فالقضية لا تتعلق بعملية معزولة فقط، وإنما بصورة دولة أوروبية تلجأ إلى الجزائر أو تستفيد من قدراتها في ملف حساس، ثم تحصل على نتيجة. وفي الدبلوماسية، مثل هذه الوقائع تتحول إلى رصيد ثقة يمكن البناء عليه في ملفات أخرى.
واللافت أن هذا النوع من المكاسب لا يحتاج إلى حملات دعائية. نجاح العملية في حد ذاته يكفي. ألمانيا تعرف من تحرك، والسلطات المعنية تعرف كيف جرى التعامل مع الملف، والنتيجة قائمة على الأرض. لذلك فإن غياب الاهتمام الفرنسي لا ينتقص من قيمة ما تحقق بقدر ما يفضح ضيق الزاوية التي ينظر منها جزء من الإعلام الفرنسي إلى الجزائر.
فالجزائر ليست مطالبة بأن تنجح بالطريقة التي تريح باريس حتى يصبح نجاحها خبرًا.
وليست مضطرة إلى المرور عبر المؤسسات الفرنسية كي يصبح تحركها مشروعًا في الصحافة الفرنسية.
ولا يفترض أن تتحول حياة رعية أوروبي إلى خبر من الدرجة الثانية فقط لأن الدولة التي ساهمت في تحريره هي الجزائر.
وهذا هو الجانب الأكثر إثارة للسخط في القضية. فالمعايير التي تجعل تحرير رعية فرنسي أو نجاح وساطة فرنسية مادة لعشرات الأخبار يجب أن تجعل تحرير مواطن ألماني عبر الجزائر خبرًا هو الآخر. وما دون ذلك يفتح الباب أمام سؤال مشروع حول ما إذا كانت المشكلة في قيمة الخبر، أم في هوية الدولة التي صنعت الخبر.
والأرجح أن الصمت الفرنسي يقول في هذا الملف أكثر مما كانت ستقوله عشرات المقالات.
إنه يكشف صعوبة قديمة في التعامل مع الجزائر عندما تظهر خارج الصورة المريحة والمألوفة في جزء من المخيال الإعلامي الفرنسي. الجزائر التي تتحرك من موقع الندية، وتبني علاقاتها من دون وصاية، وتتعاون مباشرة مع عواصم أوروبية أخرى، وتحقق نتائج بعيدًا عن الضجيج الفرنسي، تفرض سردية جديدة لا تبدو جميع غرف التحرير في باريس مستعدة لاستيعابها بالسرعة نفسها.
ومع ذلك، فإن الواقع لا ينتظر تعديل السياسة التحريرية الفرنسية.
فالجزائر تواصل توسيع شبكة شراكاتها، وتؤكد موقعها الأمني في المنطقة، وتتحرك وفق مصالحها وسيادتها، بينما تتراجع تدريجيًا فكرة أن علاقتها بأوروبا يجب أن تمر أولًا عبر فرنسا.
ولهذا فإن السؤال الذي تتركه قضية تحرير الرعية الألماني لا يتعلق بالجزائر بقدر ما يتعلق بالإعلام الفرنسي نفسه: كيف يمكن لمنابر لا تكاد تفوت تفصيلًا سلبيًا عن الجزائر أن تمر بهذه البرودة أمام خبر إيجابي وذي بعد أمني وإنساني؟
وكيف يمكن الحديث عن تغطية متوازنة عندما تتحول الجزائر إلى حدث كبير كلما كانت هناك أزمة، ثم ينخفض صوت العناوين عندما تكون صاحبة الحل؟
ليس لأن الخبر لم يحدث، وإنما لأن الاعتراف بقيمته كان سيجبر جزءًا من الإعلام الفرنسي على تقديم صورة للجزائر لا تشبه الصورة التي اعتاد تسويقها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أبسط من كل هذا الضجيج الغائب: الجزائر حققت النتيجة، والرعية الألماني استعاد حريته، وما لم ترغب بعض المنابر الفرنسية في قوله لن يتغير بمجرد الصمت عنه.







