60 ألف مغربي يفرّون إلى سبتة.. فساد ومخدرات وتجسس تفضح الوجه الآخر لنظام المخزن المغربي!
بوابة الجزائر الإخبارية: ما بين 50 و60 ألف شخص عبروا من المغرب إلى سبتة الاسبانية خلال نحو 48 ساعة، في أكبر انهيار تشهده الحدود الإسبانية المغربية، بينما تحدثت التقارير عن غرق 57 شخصًا وعودة أكثر من 48 ألفًا إلى المغرب بعدما اصطدموا باكتظاظ المدينة وغياب الغذاء والمأوى وإغلاق الطريق نحو البر الإسباني.

لم تكن سبتة أمام تدفق محدود لمهاجرين قادمين من مناطق نزاع بعيدة، وإنما أمام نزوح جماعي غالبيته من الشباب والقاصرين المغاربة. وفي يوم واحد، تحولت مدينة لا يتجاوز عدد سكانها 84 ألف نسمة إلى ساحة طوارئ، وانتشر الجيش وقوات الأمن، وامتلأت الشوارع والحدائق، بينما انهارت مراكز الاستقبال أمام كتلة بشرية قاربت ثلاثة أرباع سكان المدينة.
قدمت السلطات الإسبانية انتشار الإشاعات حول حكم قضائي يمنع الإعادة الفورية في البحر، ونشاط شبكات التهريب، والظروف الجوية المناسبة بوصفها عوامل ساهمت في تسريع التدفق. غير أن الإشاعة لا تدفع 60 ألف شخص إلى الحدود خلال ساعات ما لم تجد مجتمعًا واسعًا جاهزًا أصلًا للمغادرة، ومقتنعًا بأن مستقبله خارج المغرب أكثر احتمالًا من بقائه داخله.
لقد تكفلت سبتة خلال يومين بهدم سنوات من الدعاية التي بنتها الرباط حول «الاستقرار» و«المغرب الصاعد». فالدولة التي تقدم نفسها قوة صناعية وجسرًا بين إفريقيا وأوروبا شاهدت عشرات الآلاف من مواطنيها يتسابقون نحو شريط ساحلي ضيق، ويخاطر بعضهم بالغرق من أجل دخول مدينة مكتظة لا تملك لهم عملًا ولا سكنًا ولا طريقًا مباشرًا إلى أوروبا.
الهروب الجماعي يسقط واجهة «المغرب الصاعد»
لا يختار عشرات الآلاف البحر لأنهم انبهروا بمقطع على مواقع التواصل فقط. ويصعب تقديم ما حدث باعتباره انفعالًا جماعيًا عابرًا. بعدما أظهرت تقارير ميدانية أن بعض الشبان استعدوا مسبقًا للسباحة واشتروا المعدات الواقية وتبادلوا معلومات عن المسارات البحرية ونقاط العبور.
ويحمل وصول هذا العدد رسالة اقتصادية لا يمكن طمسها بخطابات النمو. فالمهاجر لا يصوت في صندوق انتخابي، لكنه يصدر حكمه على الاقتصاد عندما يقطع مئات الكيلومترات ويقفز إلى البحر. وقد كان حكم عشرات الآلاف من المغاربة واضحًا: فرص العمل المتاحة، ومستوى الأجور، والخدمات العامة، وإمكان الترقي الاجتماعي لم تعد كافية لإقناعهم بالبقاء.
وتؤكد الأرقام الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط أن هذه النتيجة لم تصنعها “دعاية معادية”. فقد بلغ معدل البطالة 13% خلال 2025، وارتفع إلى 16.4% داخل المدن، بينما وصل إلى 37.2% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، وإلى 20.5% بين النساء. كما يوجد نحو شاب واحد من كل ثلاثة في الفئة العمرية بين 15 و29 عامًا خارج التعليم والعمل والتكوين.
تعني هذه المؤشرات أن جزءًا كبيرًا من الجيل الذي تحتفي الرباط باسمه بالمصانع والموانئ والملاعب لا يجد موقعًا داخل الاقتصاد الذي تعرضه السلطة. فالنمو بلغ 4.9% خلال 2025، لكن البطالة الشبابية واصلت الارتفاع، بما يكشف ضعف انتقال الثروة من الحسابات الوطنية إلى الوظائف والدخول.
بهذه المعادلة، تتحول المشروعات الكبرى إلى واجهة لا تكفي لحماية الاستقرار الاجتماعي. فالسيارة التي تغادر المصنع ترفع الصادرات، لكنها لا تعالج وحدها بطالة خريج جامعي. والمطار الجديد يخدم السياحة والاستثمار، لكنه لا يوقف نزوح شاب فقد الأمل في وظيفة. أما الملاعب التي تبتلع المليارات، فلا تستطيع تعويض مستشفى ضعيف أو مدرسة تنتج شهادات من دون مسارات مهنية.

المخزن يبني الواجهة ويترك الشباب للبحر
جاءت ذروة العبور بالتزامن مع عيد العرش، في وقت يركز فيه الخطاب الرسمي على الاستقرار والاستثمارات وصناعة السيارات والبنية التحتية والموقع الإقليمي للمغرب. إلا أن الصور القادمة من سبتة قدمت تقريرًا مضادًا لا يحتاج إلى تعليق: عشرات الآلاف يفرون في يوم الاحتفال نفسه، وقاصرون يسبحون نحو أوروبا، وعائلات تبحث عن أبنائها، ومدينة إسبانية تطلب النجدة.
واعترف الخطاب الملكي سابقًا بوجود “مغرب بسرعتين”، غير أن موجة سبتة أظهرت أن الفارق بين السرعتين لم يعد مسألة تنموية قابلة للتأجيل. فالمغرب الأول يستفيد من الشركات الكبرى والمشروعات والعقار والتصدير، بينما يعيش المغرب الثاني البطالة والعمل الناقص والجفاف وضعف الخدمات، ثم يتحول جزء من أبنائه إلى مهاجرين غير نظاميين.
يصرف المخزن موارد ضخمة على إدارة الصورة الخارجية، وعلى استضافة التظاهرات وتوسيع النفوذ السياسي. بينما تبقى سوق العمل عاجزة عن استيعاب أكثر من ثلث الشباب. وعندما يتحول البحر إلى الخيار الأكثر وضوحًا أمام القاصر، يصبح الاحتفاء بالاستقرار محاولة لتجميل أزمة لم تعد قابلة للإخفاء.
الفساد يأكل صدقية المؤسسات
لا تنفصل أزمة الثقة عن الفساد وضعف المساءلة. فقد حصل المغرب على 39 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025. وحل في المرتبة 91 من بين 182 دولة، وهو ترتيب يضع خطاب «الحوكمة الحديثة» أمام واقع مؤسساتي أكثر هشاشة مما تعرضه الحملات الرسمية.
وذهبت منظمة الشفافية الدولية أبعد من الرقم، حين ربطت استمرار الفساد في المغرب بتقلص المجال المدني وإضعاف قدرة الصحفيين والجمعيات والمبلغين على التحقيق في اختلاس الأموال وتجاوزات المنتخبين والموظفين. وأشارت إلى أن هذا الوضع كان ضمن العوامل التي غذت احتجاجات شبابية واسعة ضد الحكومة.
وفي بلد يعتقد فيه 53% من المشاركين في أحدث مقياس متاح أن الفساد ازداد، ويقول 31% من مستخدمي الخدمات العامة إنهم دفعوا رشوة. يصبح فقدان الثقة نتيجة منطقية وليست مؤامرة خارجية. فالشاب الذي يرى المناصب والصفقات والامتيازات تتحرك عبر العلاقات لا الكفاءة، يفقد تدريجيًا إيمانه بأن التعليم والعمل كافيان لبناء مستقبله.
ولا يحتاج الفساد إلى أن يسرق المال مباشرة من جيب المواطن حتى يدفعه إلى الهجرة. يكفي أن يرفع كلفة الاستثمار، ويغلق فرص التشغيل، ويمنح أصحاب النفوذ أفضلية في الصفقات والعقار والتراخيص، ثم يترك الفئات الأضعف أمام خدمات متدهورة وأسعار مرتفعة.
المخدرات.. اقتصاد ظل يلتصق بصورة المملكة
إلى جانب الاقتصاد الرسمي الذي تعرضه الرباط في المؤتمرات، يتحرك اقتصاد موازٍ ضخم يرتبط بإنتاج وتهريب القنب الهندي وغسل العائدات والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
وتؤكد الوكالة الأوروبية للمخدرات أن المغرب ما يزال أكبر مورد لراتنج القنب إلى السوق الأوروبية، بينما تمثل إسبانيا بوابة الدخول الرئيسية لهذه الشحنات بسبب القرب الجغرافي. كما تشير «يوروبول» إلى استمرار تهريب القنب المغربي إلى الاتحاد الأوروبي إلى جانب سلع غير مشروعة أخرى والمهاجرين.
ولا يتعلق الأمر بشحنات متفرقة، بل بسوق إجرامية أوروبية تقدر قيمتها بنحو 12 مليار يورو سنويًا. وتغذي شبكات متخصصة في المخدرات وغسل الأموال وتهريب البشر. كما أكد تقرير المخدرات العالمي لعام 2026 أن المضبوطات في شمال إفريقيا، ولا سيما المغرب، تجاوزت نظيرتها في غرب ووسط أوروبا خلال 2024، نتيجة ارتفاع ضبط راتنج القنب داخل المغرب.
وتكشف العمليات الأمنية الأوروبية تداخلًا متزايدًا بين المخدرات والهجرة. ففي 2025، فككت “يوروبول” شبكة تنشط بين المغرب وإسبانيا جمعت تهريب المهاجرين بالمخدرات، واستخدمت قاصرين في قيادة القوارب لتقليل مخاطر كشف المنظمين.
لا تجعل هذه الوقائع جميع المغاربة مسؤولين عن المخدرات، لكنها تحمل السلطة مسؤولية استمرار اقتصاد غير مشروع بهذا الحجم على أراضيها وبالقرب من حدود تخضع لمراقبة أمنية كثيفة. كما تطرح سؤالًا حول قدرة الشبكات على نقل الأطنان والأموال والأشخاص، بينما يقدم المخزن نفسه شريكًا لا غنى عنه لأمن أوروبا.
بيغاسوس يحول «الاستقرار» إلى دولة مراقبة
ترتبط صورة المخزن أيضًا بفضيحة برنامج التجسس «بيغاسوس»، التي تجاوزت استهداف معارضين وصحفيين مغاربة إلى شبهات مراقبة شخصيات أوروبية رفيعة.
وقد أعلن البرلمان الأوروبي وجود «مؤشرات قوية» على تجسس حكومتي المغرب ورواندا على مواطنين أوروبيين بارزين، بينهم مسؤولون رفيعو المستوى، وطالب بتحقيقات شاملة وتشديد الرقابة على تصدير برامج التجسس. ويظل هذا التوصيف نتيجة تحقيق برلماني أوروبي، لا حكمًا قضائيًا نهائيًا ضد الرباط.
كما وثقت منظمة العفو الدولية، منذ سنوات، استهداف مدافعين مغاربة عن حقوق الإنسان بمحاولات اختراق مرتبطة ببرنامج “بيغاسوس”. بما في ذلك الصحفي والمؤرخ المعطي منجب والمحامي عبد الصادق البوشتاوي.
ويكشف هذا الملف طبيعة الأولويات الأمنية للمخزن. فالتكنولوجيا المتقدمة تُستخدم لمراقبة الصحفي والمعارض. بينما تعجز الدولة عن قراءة التحول الاجتماعي الذي دفع عشرات الآلاف إلى التجمع قرب سبتة. وقدرة النظام على تعقب هاتف ناشط تبدو أكبر من قدرته على منح شاب وظيفة تمنعه من الهجرة.
إنها دولة تراقب المجتمع بدل أن تستمع إليه، وتدير الأزمات أمنيًا بدل معالجة أسبابها، ثم تتفاجأ عندما يتحول البحر إلى منفذ جماعي.
حارس أوروبا الذي لا يملك حدوده
قدمت مدريد علاقتها مع الرباط منذ 2022 باعتبارها ضمانة لأمن الحدود الأوروبية، خصوصًا بعد دعم الحكومة الإسبانية مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية. غير أن أحداث سبتة أعادت طرح السؤال الذي حاولت إسبانيا تجاهله: هل يمكن بناء أمن الحدود الأوروبية على تعاون يبقى مستوى فعاليته مرتبطًا بالقرار السياسي المغربي؟
خلال أزمة ماي 2021، دخل نحو عشرة آلاف شخص إلى سبتة بعدما تراخت الرقابة المغربية في سياق خلاف دبلوماسي حول استقبال إبراهيم غالي للعلاج. وفي موجة 2026، لا توجد أدلة رسمية تثبت أن الرباط فتحت الحدود عمدًا، كما أكدت الحكومتان استمرار التنسيق. إلا أن حجم التدفق وسهولة وصول عشرات الآلاف إلى المنطقة الحدودية أعادا الشكوك نفسها إلى النقاش الإسباني والأوروبي.
وصف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز التدفق بأنه انتهاك للسلامة الترابية لإسبانيا، وأعلن تعبئة الموارد وتسريع الإعادات بالتنسيق مع المغرب، بينما انتقدت سلطات سبتة تأخر الاستجابة المركزية.
بهذا المعنى، لم يعد المغرب يؤدي دور الحارس الموثوق، وإنما أصبح مصدر الخطر الذي يَعِد باحتوائه. فهو يحصل على موقع تفاوضي متقدم بسبب قدرته على ضبط الهجرة، ثم تثبت كل أزمة أن هذا الضبط قابل للانهيار خلال ساعات.
تصدير الأزمات بدل حلها
تستثمر الرباط جانبًا كبيرًا من خطابها السياسي في الخصومة مع الجزائر، وتقدم التوتر الإقليمي وسيلة لحشد الداخل وصرف الانتباه عن البطالة والفساد والفوارق الاجتماعية. لكن أزمة سبتة أظهرت أن الجزائر ليست مصدر المعضلة التي تدفع الشباب المغربي إلى البحر.
لم يجبر أي طرف خارجي 60 ألف مغربي على التحرك نحو الحدود. ولم تصنع الجزائر بطالة الشباب البالغة 37.2%، ولم تمنح شبكات الفساد امتيازاتها، ولم تحول المغرب إلى أكبر مصدر لراتنج القنب نحو أوروبا، ولم تضع هواتف الصحفيين والمعارضين تحت تهديد برامج التجسس.
توجد هذه الأزمات داخل بنية الحكم نفسها، في اقتصاد يوزع الفرص بصورة غير متكافئة، ومؤسسات ضعيفة أمام النفوذ، وسياسة أمنية تحاصر الاحتجاج، ونظام يستهلك طاقته في إدارة الصورة والخصومات بدل ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع.
وحين تتراكم الأزمات، يلجأ المخزن إلى تصديرها سياسيًا أو حدوديًا. تتوجه الدعاية نحو الجزائر، ويتحول المهاجر إلى ملف تفاوض مع أوروبا، بينما يبقى الشاب المغربي آخر من يستفيد من هذه المناورات.
سبتة تكشف أزمة نظام
لا تمثل موجة سبتة فضيحة للشعب المغربي، بل شهادة قاسية ضد المنظومة التي تحكمه. فهؤلاء المهاجرون ضحايا البطالة والتفاوت وفقدان الثقة، وليسوا سبب الأزمة.
أما المخزن، فقد وجد نفسه أمام حصيلة سنوات من التناقضات. اقتصاد رسمي يحتفي بالنمو، واقتصاد ظل تغذيه المخدرات والتهريب. مؤسسات تتحدث عن الشفافية، وترتيب متأخر في مكافحة الفساد. خطاب يروج للاستقرار، وآلاف القاصرين والشباب يندفعون نحو البحر. أجهزة تملك تقنيات التجسس، ودولة تعجز عن الاحتفاظ بأبنائها.
قد تنجح الرباط في إعادة عشرات الآلاف من سبتة، وقد تعزز الدوريات وتغلق الشواطئ، لكنها ستعيدهم إلى البطالة والاحتقان نفسيهما. وستظل كل فرصة جديدة للعبور قابلة لإنتاج موجة أخرى، ما دامت الأسباب التي فجرت الموجة الحالية قائمة.
فالحدود تمنع الجسد من المغادرة، لكنها لا تعيد الثقة. والقوة الأمنية توقف السباح، لكنها لا توفر وظيفة. والدعاية تستطيع تلميع صورة المخزن في الخارج، إلا أنها تنهار عندما يختار عشرات الآلاف الفرار في اليوم الذي يحتفل فيه النظام بنفسه.

«7 غشت».. موعد رقمي غامض يكشف اتساع الاحتقان
بالتوازي مع انفجار موجة العبور نحو سبتة، بدأت منشورات متفرقة تتداول موعد 7 غشت بوصفه تاريخًا محتملًا للتعبير عن الغضب الاجتماعي. غير أن هذه الدعوات لم تتحول حتى الآن إلى حركة معلنة ذات قيادة أو برنامج أو جهات منظمة معروفة، ولا تتوافر معطيات مستقلة تسمح بتقديمها باعتبارها «ثورة» قائمة أو انتفاضة مؤكدة.
ومع ذلك، فإن قابلية مثل هذه الشعارات للانتشار تكشف مستوى الاحتقان الذي راكمته البطالة والفوارق الاجتماعية وتراجع الثقة في المؤسسات. فبعد احتجاجات الشباب خلال 2025، ثم اندفاع عشرات الآلاف نحو سبتة، باتت شبكات التواصل قادرة على تحويل موعد غير واضح المصدر إلى موضوع سياسي وأمني، وهو ما يعكس هشاشة الاستقرار الذي يروجه المخزن أكثر مما يثبت وجود تنظيم ثوري فعلي.
وتكمن خطورة المشهد بالنسبة إلى السلطة في أن أزمة سبتة لم تعد حادثة حدودية معزولة، بل أصبحت وقودًا رقميًا لخطاب يحمّل منظومة الحكم مسؤولية الفساد والبطالة وسوء توزيع الثروة. غير أن الدقة الصحفية تقتضي انتظار ظهور دعوة موثقة، وهوية الجهات المنظمة، وحجم التفاعل الميداني، قبل اعتماد تسمية «ثورة 7 غشت» في العنوان أو تقديمها بوصفها حدثًا واقعًا









