بوابة الجزائر الاخبارية: في فضيحة جديدة تلقي بظلال ثقيلة على صورة الشركات المرتبطة بالنفوذ الاقتصادي الإماراتي، كشف تحقيق استقصائي دولي واسع النطاق عن ممارسات وصفت بالاستغلالية داخل شركة VFS Global التي تتخذ من دبي مقرا لها، والمتخصصة في إدارة خدمات التأشيرات لصالح عشرات الحكومات الأوروبية والغربية.
التحقيق أظهر كيف تحولت حاجة ملايين المواطنين في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط إلى السفر والتنقل إلى مصدر أرباح هائلة، في نموذج تجاري قائم على استنزاف طالبي التأشيرات وفرض أعباء مالية إضافية عليهم.

وقد كشف التحقيق الذي استمر عاما كاملا وأشرفت عليه مؤسسة “لايت هاوس ريبورتس” بالتعاون مع 14 مؤسسة إعلامية دولية، صورة مغايرة تماما لما تحاول الشركة تسويقه عن نفسها باعتبارها مجرد وسيط إداري محايد.
فبحسب الوثائق والشهادات التي تم جمعها، تحولت الشركة إلى آلة مالية ضخمة تستفيد من هشاشة أوضاع الملايين من أصحاب الجوازات محدودة الامتيازات، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للمرور عبر مراكزها أملا في الحصول على تأشيرة تسمح لهم بالدراسة أو العمل أو العلاج أو السياحة.

وتعد الشركة، التي ترتبط بمستثمرين بينهم أفراد من العائلة الحاكمة في دبي، واحدة من أكبر مؤسسات التعهيد في العالم، حيث تدير خدمات التأشيرات لصالح 71 حكومة، غير أن التحقيق كشف أن جانبا كبيرا من أرباحها لا يأتي من الخدمة الأساسية، بل من منظومة معقدة من الخدمات الإضافية مرتفعة التكلفة التي يجري تسويقها بشكل مكثف للمتقدمين.
وبدل أن تكون تلك الخدمات اختيارية كما يعلن عنها، تحدث آلاف المتعاملين عن تعرضهم لضغوط مباشرة أو غير مباشرة لدفع رسوم إضافية مقابل خدمات مثل الرسائل النصية والبريد السريع وصالات كبار الشخصيات وغيرها.
وفي كثير من الحالات، وجد المتقدمون أنفسهم أمام واقع يفرض عليهم دفع مبالغ إضافية لتجنب العراقيل أو تسريع الإجراءات، ما حول عملية طلب التأشيرة إلى رحلة استنزاف مالي لا تنتهي.الأخطر من ذلك أن التحقيق كشف عن نظام حوافز داخل الشركة يدفع الموظفين إلى التعامل مع طالبي التأشيرات كزبائن لمبيعات تجارية لا كمراجعين للحصول على خدمة إدارية.

فالموظفون يتقاضون رواتب أساسية متواضعة، بينما ترتبط مكافآتهم بتحقيق أهداف شهرية في بيع الخدمات الإضافية، وهو ما خلق بيئة تشجع على الضغط والإقناع المفرط وحتى التضليل من أجل رفع المبيعات وتعظيم الأرباح.وتظهر الأرقام المالية حجم المكاسب التي حققتها الشركة من هذه السياسة، إذ تضاعفت أرباحها أربع مرات بين عامي 2017 و2024، بينما سجلت بعض فروعها هوامش ربح بلغت نحو 70 بالمائة قبل الضرائب من الخدمات الإضافية وحدها. وهي أرقام تعكس، بحسب منتقدين، حجم الاستفادة من سوق قائم على حاجة الناس أكثر مما يقوم على تقديم خدمة حقيقية.
ولم تتوقف الاتهامات عند حدود الاستغلال التجاري، إذ توصل التحقيق إلى شبهات أكثر خطورة تتعلق بالرشوة والابتزاز. فقد أظهرت تسجيلات سرية موظفا في أحد مراكز الشركة بجمهورية الكونغو الديمقراطية وهو يتحدث عن إمكانية ضمان الحصول على التأشيرة مقابل مبالغ مالية إضافية تتجاوز الرسوم الرسمية، في مشهد يثير تساؤلات جدية حول نزاهة الإجراءات التي تديرها الشركة في عدد من الدول.

كما كشف التحقيق عن ثغرات وانتهاكات متكررة مرتبطة بحماية البيانات الشخصية لملايين المتقدمين، وهي معطيات اعتبرها خبراء في المجال انتهاكات جسيمة لقواعد حماية البيانات المعمول بها في أوروبا، خاصة بالنظر إلى حساسية المعلومات التي يتم جمعها من طالبي التأشيرات.وتشير الوثائق الداخلية إلى أن عددا من الحكومات الأوروبية كان على علم بهذه الاختلالات منذ سنوات، غير أن ردود فعلها بقيت محدودة ولم ترتق إلى مستوى حجم التجاوزات المسجلة.
وهو ما فتح الباب أمام انتقادات متزايدة لسياسة تفويض مهام سيادية حساسة إلى شركات خاصة هدفها الأساسي تحقيق الأرباح.واعتمد التحقيق على مئات الوثائق الرسمية وتقارير التفتيش والرقابة الصادرة في 22 دولة ضمن فضاء شنغن، إضافة إلى مقابلات مع موظفين حاليين وسابقين وبيانات مالية داخلية، ليخلص إلى صورة مقلقة لشركة تدير واحدة من أكثر الخدمات حساسية في العالم، بينما تتعامل مع ملايين طالبي التأشيرات باعتبارهم سوقا استهلاكية قابلة للاستغلال.











