بقلم: محمد قنديل – مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: ليست فضيحة تسريب بيانات عشرات الآلاف من عناصر الأجهزة الأمنية والإستخباراتية المغربية مجرد قرصنة عابرة، بل إنها في تقديري، « فضيحة الحموشي – غيت »؛ لحظة إنكشاف أمني وسياسي تهز صورة المنظومة التي جعلت من عبد اللطيف الحموشي أحد رموزها.
ومن موقعي كمعارض جمهوري لا يعترف بشرعية الملكية ولا بمنظومة المخزن، أقرأها كضربة سياسية لمنظومة بنت نفوذها على السرية والمراقبة والخوف، لا كخلل تقني معزول.
لقد عاش المخزن طويلاً على أسطورة « الدولة القوية »؛ أجهزة لا تنام، عيون في كل مكان، ومعلومات لا تفلت منها، لكن الجهاز الذي بنى هيبته على مراقبة الآخرين يجد نفسه اليوم تحت المجهر، فهذه ليست مفارقة تقنية؛ إنها صفعة لمنظومة جعلت من الأمن أداة للهيبة، ومن الغموض حصانة، ومن الخوف وسيلة حكم.

والضربة الأقسى أن الإنكشاف لم يبقَ داخل المغرب، فلقد بدأت الشرارة مع El Confidencial، ثم إلتقطتها وسائل إسبانية أخرى، من El Mundo وOnda Cero إلى La Sexta وAntena 3، وامتدت إلى الإعلام الكتالوني والأوروبي.

من Ara إلى Swissinfo وAfrik.com، أي أن ما حاول المخزن أن يبقيه في دائرة أمنية مغلقة خرج إلى فضاء إعلامي أوروبي واسع، والأخطر أن إغناسيو ثيمبريرو تحدث في Onda Cero عن صحة ما نشرته Jabaroot، وفق تقييمه، وعن تهديد جديد بوثائق مرتبطة بـ Pegasus ووصف إحتمال ظهورها بأنه « متفجر ».

وهنا تتحول الفضيحة من مشكلة داخلية إلى إحراج أوروبي مدوٍّ للمخزن، فالتغطية الإسبانية والكتالونية والفرنسية والدولية لا تنظر إلى الملف كواقعة تقنية هامشية، بل تضعه في سياق الأمن والهجرة والعلاقات المغربية – الإسبانية، والمغربية – الأوروبية وملف التجسس.
الدولة التي تريد أن تُعامل في مدريد وباريس كشريك أمني موثوق تجد أن صورة جهازها الأمني أصبحت مادة للنقاش العام خارج حدودها، والمشكلة ليست في الأسماء وحدها، بل فيما قد تكشفه الوثائق عن بنية الأجهزة وعلاقة الأمن بالقرار السياسي.

إذا كانت القوائم تضم أسماء وأرقام تعريف وبيانات وظيفية، فنحن أمام إنكشاف لبنية الجهاز الأمني، لا مجرد ملف مسروق، وهذا ما يجعل الأمر أقرب إلى زلزال إستخباراتي م نه إلى فضيحة رقمية.
والأشد قسوة أن التسريب وقع في لحظة حساسة للعلاقات المغربية – الإسبانية، وأن مزاعم المجموعة وصلت إلى الإعلام الإسباني والأوروبي، هنا لم تعد المعركة داخل جدران الرباط؛ لقد أصبحت أمام الرأي العام الأوروبي.
وهنا يظهر إسم عبد اللطيف الحموشي بوصفه أحد رموز المأزق، لا بوصفه متهماً شخصياً بالإختراق.
في دولة ديمقراطية، تسريب بهذا الحجم يفتح فوراً باب المسؤولية السياسية والتحقيق المستقل والمحاسبة، أما في منظومة المخزن، فإن الأجهزة الأمنية تتحرك داخل بنية شديدة الإرتباط بالقصر، ولذلك يصبح السؤال سياسياً بإمتياز.. من يحكم؟ من يراقب؟ ومن يحاسب؟ولهذا لا يمكن فصل الملف عن بنية السلطة غير المنتخبة المحيطة بالقصر، حيث تتقاطع السياسة والأمن والإستخبارات، فبالنسبة للأصوات المعارضة بالخارج، هذه ليست مشكلة مؤسسة واحدة، بل أزمة #شبه_نظام يجعل القرار الأمني والسياسي بعيداً عن الرقابة الشعبية.
ولهذا فإن التسريب لا يكشف بيانات فقط؛ إنه يضرب أسطورة الغموض التي قام عليها جزء من نفوذ المخزن، فالسلطة التي إعتادت أن تعرف الكثير عن خصومها تجد نفسها الآن أمام سؤال معكوس.. من يعرف أسرارها؟وحين ينقلب إتجاه المراقبة، ويتحول الجهاز نفسه إلى موضوع للإختراق والتسريب، يتصدع جدار الخوف، والسؤال البسيط يصبح قاتلاً.. كيف تطلب المنظومة ثقة المواطنين في حماية أسرارهم بينما تتكرر عمليات كشف بياناتها الأكثر حساسية؟
ثم تأتي الضربة الأخطر.. تهديد Jabaroot بكشف وثائق مرتبطة ببرنامج Pegasus، وقد نقلت Onda Cero أن المجموعة هددت بنشر معلومات جديدة، بينما وصف ثيمبريرو إحتمال ظهور وثائق كهذه بأنه « متفجر »، وإذا ظهرت وثائق موثوقة، فقد تنتقل القضية من تسريب بيانات إلى ملف تجسس دولي.
هذه ليست بطولة للقرصنة، ولا دعوة إلى تعريض أي شخص للخطر، لكن إدانة القرصنة لا تعني حماية عصابة المخزن من المساءلة، فالمطلوب هو التحقق، والتوثيق، والتحقيق المستقل، وكشف الحقيقة، لا دفنها تحت شعار « إستهداف المغرب ».
وهنا تبدأ مسؤولية معارضة الخارج، وهنا تحديداً يجب أن نتوقف عن لعب دور المتفرج، فهذه الفضيحة تصب في مصلحتنا السياسية لأنها تضرب الرواية الأمنية الرسمية وتفتح نافذة نادرة لطرح أسئلة ظلت مغلقة داخل المغرب.
علينا أن نوثق، نتحقق، نترجم، نخاطب الإعلام الأوروبي والبرلمانات والمنظمات الحقوقية، وأن نحول كل متابعة صحفية أوروبية إلى مادة ضغط ومساءلة، إذ لا يكفي أن نصفق للفضيحة؛ علينا أن نحسن إستثمارها سياسياً وحقوقياً لصالح الشعب.
نحن صوت أربعين مليون مغربي محاصر في أجمل « زريبة » أو « ضيعة » في العالم، وإذا كان الداخل محكوماً بالخوف والرقابة وتضييق مساحات التعبير، فإن معارضة الخارج تصبح الحصن الأخير القادر على حمل صوت الشعب إلى فضاء لا تستطيع الأجهزة الأمنية إغلاقه.
مسؤوليتنا ليست التنفيس عن الغضب، بل تحويل الإنكشاف إلى قضية رأي عام أوروبية ودولية، وجعل أوروبا تسمع ما يريد القصر المخزني أن يبقيه صامتاً.
أخطر ما كشفته هذه الفضيحة ليس فقط أسماء أو أرقاماً، بل هشاشة قلعة كان كيان المخزن يقدمها بإعتبارها منيعة، قلعة صنعت من السرية سلطة، ومن الخوف نظاماً، ومن الغموض حصانة، وإذا كانت هذه التسريبات هي الشق الأول من الباب، فإن ما قد يأتي بعدها، وخصوصاً في ملف Pegasus، قد يكون أكثر إيلاماًف.

لهذا فإن « فضيحة الحموشي – غيت » ليست خبراً أمنياً عابراً، بل فرصة سياسية لا يجوز لمعارضة الخارج أن تهدرها، فإما أن نحولها إلى ملف دولي موثق يضغط من أجل الحقيقة والمساءلة، وإما أن نترك ماكينة الدعاية المخزنية تعيد ترتيب الأوراق وتدفن الفضيحة تحت البيانات.
لقد وصلت القضية بالفعل إلى الصحافة الأوروبية؛ ودورنا الآن أن نمنعها من الإنطفاء، وأن نرفع كلفتها السياسية على المنظومة كلما ظهرت معلومة موثوقة جديدة.
لقد أراد المخزن أن يجعل المغاربة يخافون من ظله، واليوم صار هو نفسه يخاف ظله، والسؤال لم يعد فقط.. من فتح الباب؟ بل كم بقي خلفه؟






