بوابة الجزائر الإخبارية: شهادة مهنية جديدة تمنح البنوك قراءة موثقة للوضع المالي والجبائي للمؤسسة، ونظام جبائي تفضيلي لإعادة استثمار عائدات بيع الأسهم، ورسوم أخف على عمليات رأس المال وانتقال المؤسسات العائلية بين الأجيال، تشكل أبرز المقترحات التي رفعتها الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات إلى السلطات العمومية ضمن التحضير لقانون المالية لسنة 2027.
وتستهدف الحزمة المقترحة إعادة تنظيم جزء من العلاقة بين المؤسسة والإدارة الجبائية والبنوك، عبر الانتقال تدريجيًا من معالجة المخالفات والمنازعات بعد وقوعها إلى الوقاية والامتثال المسبق وتقييم المخاطر، بالتوازي مع توحيد قواعد احتساب الرسوم ورقمنة إجراءات التسجيل وتوضيح الوضع القانوني لمراقبة حسابات مؤسسات الشخص الوحيد ذات المسؤولية المحدودة «EURL».
وقال رئيس المجلس الوطني للغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات، محمد يحياوي، إن المقترحات تستند إلى الإشكالات التي يسجلها المهنيون ميدانيًا لدى المؤسسات، وإن الهدف هو رفع موثوقية المعلومات المالية، وتقليل عدم اليقين القانوني، وتسهيل وصول الشركات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، إلى التمويل.
وتأتي هذه المقترحات بعد سلسلة تغييرات جبائية دخلت حيز التنفيذ في 2026، من بينها تعميم التصريح الإلكتروني الإجباري عبر «جبايتك» على المكلفين الخاضعين للنظام الحقيقي والحقيقي المبسط لدى المصالح المجهزة بالنظام المعلوماتي، ابتداء من أول جانفي 2026، في خطوة وسعت رقمنة العلاقة بين المؤسسة والإدارة الجبائية.

«شهادة المطابقة» تدخل بين المؤسسة والبنك
أبرز المقترحات يتعلق باستحداث «شهادة المطابقة المالية والمصرفية»، وهي وثيقة مهنية يقترح أن يصدرها محافظ الحسابات بعد مراجعة مستقلة لوضع المؤسسة، لتستخدم مرجعًا لدى البنوك والإدارات عند تقييم قدرتها المالية ومستوى امتثالها.
ولا تستهدف الوثيقة، وفق التصور المقترح، استبدال القوائم المالية أو تقرير محافظ الحسابات، وإنما إضافة مستوى آخر من التحقق يركز بصورة مباشرة على العناصر التي يحتاج إليها البنك أو الإدارة قبل اتخاذ القرار.
وتشمل الشهادة شقًا ماليًا يتعلق بسلامة الحسابات وجودة النتائج والتدفقات النقدية وهيكل التمويل ومدى قدرة المؤسسة على الاستمرار، إلى جانب شق مصرفي يقيس مستوى الالتزام تجاه البنوك، والقدرة على السداد، وتركيبة المديونية والمخاطر المالية.
وتراهن الغرفة على أن يؤدي اعتماد الوثيقة إلى تقليص الفجوة المعلوماتية بين المؤسسات والبنوك، وهي إحدى العقبات التي ترفع مدة دراسة ملفات التمويل وتدفع المؤسسات المالية إلى طلب ضمانات ووثائق إضافية عندما تكون البيانات المحاسبية غير كافية لتقدير المخاطر.
ويتيح هذا التصور للبنك بناء قرار الائتمان على بيانات خضعت لمراجعة مهنية مستقلة، بينما تحصل المؤسسة المنضبطة ماليًا وجبائيًا على وثيقة يمكن أن تدعم ملفها عند طلب القرض أو التمويل الاستثماري.
وكان يحياوي قد شدد مطلع 2026 على توسيع دور محافظ الحسابات من المصادقة التقنية على الحسابات إلى الرقابة القائمة على المخاطر والامتثال، داعيًا إلى توحيد المناهج وتعزيز مسؤولية المهنة في حماية شفافية المعاملات المالية.

قانون المالية 2027 أمام مقترح لتخفيف كلفة زيادة رأس المال
المحور الثاني ينتقل مباشرة إلى جباية رأس مال الشركات.
وتقترح الغرفة مراجعة حقوق التسجيل المفروضة على عمليات زيادة رأس المال، سواء تمت عن طريق المساهمات النقدية أو العينية، مع منح معاملة أخف لإدماج الاحتياطات والأرباح المرحلة في رأس المال.
وتكتسب المسألة أثرًا اقتصاديًا مباشرًا، لأن تحويل الأرباح المحتجزة إلى رأس مال دائم يقوي الهيكل المالي للمؤسسة ويخفض اعتمادها على الاقتراض، إلا أن الغرفة ترى أن إخضاع بعض هذه العمليات للرسوم قد يقلل الحافز على إعادة رسملة الشركات.
ويفرض النظام الحالي حقوق تسجيل على مجموعة من العمليات المرتبطة بحياة الشركة. وتوضح المديرية العامة للضرائب أن عقود تأسيس الشركات تخضع، بالنسبة للحصص العادية، لرسم نسبته 0.5% من مجموع المساهمات، مع حدود دنيا وحالات خاصة بالشركات ذات الأسهم، فيما تخضع بعض عمليات رأس المال لقواعد تختلف وفق طبيعة العملية والأصول المستخدمة.
وتقترح الغرفة، في المقابل، أن تعامل عملية إدماج الاحتياطات والأرباح المرحلة معاملة مختلفة لأنها لا تجلب أموالًا جديدة من خارج الشركة، وإنما تعيد تصنيف موارد موجودة داخل ميزانيتها.

1500 دينار حاليًا لتخفيض رأس المال بسبب الخسائر
يمتد مقترح الإصلاح إلى عمليات تخفيض رأس المال.
فالمنظومة الجبائية الحالية تميز بالفعل بين التخفيض الناتج عن الخسائر والتخفيض الذي يتضمن توزيع قيمة مالية على الشركاء. وتشير المديرية العامة للضرائب إلى أن تخفيض رأس المال بسبب خسائر، دون رد أموال إلى الشركاء، يخضع لرسم ثابت يبلغ 1500 دينار، بينما يترتب على التخفيض المصحوب بتوزيع أصول أو قيم على الشركاء رسم قسمة نسبته 1.5%.
وتقترح الغرفة تثبيت هذا الفصل بصورة أوضح في النصوص والممارسات التطبيقية، مع تحديد وعاء الرسم في الحالات المركبة حتى لا تختلف قراءة العملية من إدارة إلى أخرى.
وتكتسب المسألة أهمية لدى الشركات التي تعيد هيكلة ميزانياتها بعد تراكم خسائر، لأن تخفيض رأس المال في هذه الحالة يمثل إجراءً محاسبيًا لإعادة ضبط المركز المالي، ولا يؤدي إلى إثراء المساهمين.
حافز جديد لمن يبيع أسهمه ويعيد الأموال إلى شركة منتجة
أحد المقترحات الأكثر ارتباطًا بالاستثمار يتعلق بفوائض القيمة الناتجة عن بيع الأسهم والحصص الاجتماعية.
وتطالب الغرفة بدراسة نظام جبائي تفضيلي عندما يعيد البائع استثمار حصيلة التنازل في مؤسسة ناشطة داخل الاقتصاد، بما يسمح بتدوير رأس المال من مشروع إلى آخر بدل خروجه من الدورة الاستثمارية.
ويعتمد المقترح على ربط الميزة الضريبية بسلوك اقتصادي محدد هو إعادة الاستثمار، ما قد يشجع مالك الحصة على توجيه العائد إلى شركة قائمة أو مشروع جديد بدل تحويله إلى أصول غير منتجة.
وتظهر القواعد الجبائية الحالية أهمية هذا الملف. فالمديرية العامة للضرائب تشير، في بعض حالات الأشخاص المعنويين غير المقيمين، إلى اقتطاع بنسبة 20% على فوائض القيمة الناتجة عن التنازل عن الأسهم والحصص الاجتماعية، مع اختلاف المعالجة بحسب صفة المتنازل والنظام الجبائي والاتفاقيات المطبقة.
ولا تقترح الغرفة إلغاء الضريبة على بيع الحصص بصورة عامة، وإنما ربط تخفيف محتمل بإعادة ضخ العائد في النشاط المنتج وفق شروط وآجال يفترض أن يحددها النص القانوني.

المؤسسات العائلية.. تخفيض رسوم الانتقال مقابل استمرار النشاط
ويقترح الملف مسارًا خاصًا للمؤسسات العائلية، عبر تخفيف حقوق انتقال الملكية عند الوفاة أو الهبة عندما تنتقل الحصص داخل الأسرة ويستمر النشاط.
وتقوم الفكرة على اشتراط الاحتفاظ بالحصص لفترة محددة ومواصلة تشغيل المؤسسة، مقابل منح معاملة جبائية تفضيلية وإمكان تقسيط الحقوق المستحقة.
ويستهدف الإجراء مشكلة تظهر عند انتقال المؤسسات بين جيل وآخر، عندما يجد الورثة أنفسهم أمام حقوق ومصاريف مستحقة في الوقت نفسه الذي تحتاج فيه المؤسسة إلى السيولة لتمويل النشاط والأجور والمخزون والاستثمار.
وتقترح الغرفة كذلك اعتماد تقييم مهني مستقل للحصص لتحديد قيمتها عند الانتقال، بما يحد من النزاع بين الورثة والإدارة الجبائية حول الوعاء المستعمل في احتساب حقوق التسجيل.
وتخضع الأسهم والحصص الاجتماعية حاليًا، في حالات الميراث التي ينظمها القانون الجزائري، لأحكام حقوق الانتقال بسبب الوفاة، وهو ما يجعل اقتراح نظام خاص بالمؤسسة العائلية تغييرًا ذا أثر مباشر على عملية انتقال الملكية الاقتصادية بين الأجيال.
منع تفكك الشركات عند وفاة المؤسس
اقتصاديًا، يستهدف المقترح حماية الأصل المنتج نفسه.
فالمؤسسة العائلية قد تمتلك مصنعًا وعقودًا وعمالًا وعلامة تجارية وشبكة موردين، بينما يؤدي الضغط المالي المصاحب لتسوية التركة إلى بيع جزء من الأصول أو الحصص لتوفير السيولة.
وتسعى الصيغة المقترحة إلى الفصل بين انتقال الملكية وتصفية النشاط، بحيث يسمح بتوارث الشركة مع إبقائها منتجة، على أن تسقط المزايا إذا بيعت الحصص أو توقف النشاط قبل انقضاء المدة التي يحددها القانون.
ويحول هذا الشرط التخفيض الجبائي من امتياز عائلي مجرد إلى حافز مشروط بالمحافظة على المؤسسة ومناصب العمل ورأس المال المستثمر.
«EURL» تعود إلى قانون المالية بعد إشكال عمره أكثر من 15 سنة
ملف آخر تعيده الغرفة إلى الواجهة يتعلق بمراقبة حسابات مؤسسات الشخص الوحيد ذات المسؤولية المحدودة «EURL».
ويرى أصحاب المقترح أن تعدد النصوص بين القانون التجاري وأحكام قانوني المالية لسنتي 2010 و2011، وعدم صدور النص التنظيمي المشار إليه في المادة 66 من قانون المالية لسنة 2011، أدى إلى قراءات مختلفة بشأن نطاق إلزام هذه المؤسسات بتعيين محافظ حسابات.
وتطالب الغرفة بإدراج حكم صريح في قانون المالية 2027 يحدد الوضع النهائي لهذه المؤسسات وينهي تضارب التأويل بين الإدارات والمهنيين والبنوك.
ويحمل المقترح بعدًا عمليًا، لأن عدم وضوح الالتزام لا يؤثر على تكاليف المؤسسة فقط، بل على الوثائق التي تطلبها الجهات البنكية أو المتعاملون عند دراسة الحسابات أو إبرام العقود.
وبذلك يحاول مشروع الإصلاح معالجة ملف قانوني يعود إلى أكثر من عقد ونصف بدل استمرار التعامل معه عن طريق الاجتهادات والتفسيرات المتفرقة.

استشارة جبائية مسبقة قبل تنفيذ عمليات رأس المال
وتقترح الغرفة كذلك تعميم الاستشارة الجبائية المسبقة الملزمة في العمليات المتعلقة برأس المال.
ويسمح هذا النظام للشركة بالحصول على موقف مكتوب من الإدارة بشأن المعالجة الجبائية لعملية معقدة قبل تنفيذها، بدل إتمام الصفقة ثم اكتشاف اختلاف في تفسير الضريبة أو وعائها أثناء الرقابة اللاحقة.
وتظهر أهمية الآلية في عمليات الاندماج، ورفع أو تخفيض رأس المال، والتنازل عن الحصص، وإعادة الهيكلة، وهي عمليات يمكن أن تتغير كلفتها بصورة كبيرة إذا اختلف تفسير النص بعد إتمامها.
ويقترن ذلك بإعداد دليل تطبيقي وطني موحد بالتنسيق بين المديرية العامة للضرائب والهيئات المهنية، يتضمن طريقة احتساب الرسوم وتقييم الحصص ومعالجة العمليات الأكثر شيوعًا.
وتخضع عمليات تأسيس الشركات وزيادة رأسمالها وتخفيضه والتنازل عن الأسهم والحصص حاليًا لالتزام التسجيل خلال شهر واحد من تاريخ العقد، وفق المديرية العامة للضرائب. كما تسمح القواعد، في حالات محددة وبطلب من الشركة ومع تقديم ضمانات، بأداء الحقوق في ثلاثة أقساط متساوية، مع تطبيق فائدة قدرها 5% على الأقساط المؤجلة.
التسجيل الإلكتروني وربط الضرائب بالسجل التجاري
تضع المقترحات الرقمنة ضمن الأدوات اللازمة لتقليص الاختلافات في التطبيق، عبر ربط إجراءات التسجيل الجبائي بمنصات المركز الوطني للسجل التجاري.
والهدف هو منع إعادة إدخال المعلومات نفسها في أكثر من إدارة، وتبادل البيانات المتعلقة بإنشاء الشركة وتعديل رأس المال والتنازل عن الحصص وتغيير الوضع القانوني بصورة إلكترونية.
ويأتي المقترح في سياق تسارع رقمنة الجباية خلال 2026. فقد أصبح التصريح عن بعد إلزاميًا بالنسبة إلى المكلفين الخاضعين للنظام الحقيقي والحقيقي المبسط المعنيين بنظام «جبايتك» منذ أول جانفي، كما نشرت المديرية العامة للضرائب في أفريل وماي 2026 النسخ المحينة من مختلف القوانين الجبائية، ومنها قانون التسجيل وقانون الإجراءات الجبائية.
8% لتسوية الأموال غير المصرح بها في 2026
وتأتي مقترحات 2027 بعد إجراءات جبائية استثنائية أقرها قانون المالية الحالي.
فقد سمح قانون المالية لسنة 2026 للأشخاص الطبيعيين والمعنويين بتسوية مبالغ غير مصرح بها عبر ضريبة وحيدة محررة بنسبة 8% في إطار إجراء استثنائي للتسوية الجبائية الطوعية، وفق المادة 93.
كما أقرت المادة 122 آلية لتطهير بعض الديون الجبائية غير المحصلة والمسجلة لدى قابضي الضرائب إلى غاية 31 ديسمبر 2025، مع استثناء الحالات المرتبطة بإدانات جزائية عن الغش الجبائي.
وتكشف المقارنة بين المسارين اختلافًا في طبيعة التدخل. فقد ركزت إجراءات 2026 على التسوية والتطهير والرقمنة، بينما تدفع مقترحات الغرفة لسنة 2027 نحو التدخل قبل النزاع، من خلال شهادة المطابقة والاستشارة المسبقة وتوحيد قواعد التقييم.
من الرقابة على الحسابات إلى إدارة مخاطر المؤسسة
ويعيد ملف قانون المالية 2027 طرح دور محافظ الحسابات داخل الاقتصاد.
فالنموذج المقترح لا يحصر مهمته في المصادقة السنوية على القوائم المالية، وإنما يجعله طرفًا في بناء الثقة بين المؤسسة والبنك والإدارة، عبر التحقق من البيانات وقياس المخاطر وتوثيق الامتثال.
وسبق لمحمد يحياوي أن دعا خلال 2025 و2026 إلى تطوير المهنة باتجاه الرقابة القائمة على المخاطر وتوحيد المناهج وتحسين جودة المعلومة المالية، معتبرًا أن المدقق يضطلع بدور في ضمان المصداقية داخل الدورة الاقتصادية.
ومن هذه الزاوية، تصبح «شهادة المطابقة المالية والمصرفية» أهم نقطة في الحزمة المقترحة، لأنها تنقل جزءًا من التحقق الذي تقوم به البنوك والإدارات بصورة منفصلة إلى وثيقة مهنية معيارية واحدة.




























