محمد قنديل : مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية : منذ سنوات طويلة، يحاول الخطاب الرسمي في المغرب تقديم كل أزمة بإعتبارها حادثًا منفصلًا عن بنية الحكم نفسها، فإذا إنهار التعليم، فالمسؤول هو الوزير، وإذا تدهورت الصحة، فالمسؤول هي المحكومة، وإذا تفشى الفساد، فالمشكلة في بعض الموظفين أو المنتخبين، وإذا إنفجرت الأوضاع الإجتماعية، فالمسؤولية تقع على الظروف الدولية أو الأزمات الخارجية، لكن الحقيقة التي يحاول النظام الهروب منها هي أن جميع هذه الأزمات تتقاطع عند نقطة واحدة.. طبيعة السلطة السياسية التي حكمت البلاد لعقود طويلة واحتكرت القرار والثروة والنفوذ.

إن الملكية في المغرب لا يمكنها أن تقدم نفسها كحَكَم محايد فوق المؤسسات عندما تكون في الوقت نفسه المركز الفعلي للسلطة، فمن يملك النفوذ الأكبر لا يمكنه التنصل من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن النتائج التي أنتجها هذا النفوذ، وإذا كانت الحكومات المتعاقبة قد فشلت، فمن الذي أشرف على تعيينها وتوجيهها ورسم حدود حركتها؟ وإذا كانت المؤسسات عاجزة، فمن الذي أبقى على بنية سياسية تجعل القرار الحقيقي بعيدًا عن الرقابة الشعبية المباشرة؟
لقد جرى تسويق صورة مفادها أن الملكية هي صمام الأمان الوحيد للبلاد، لكن الواقع يطرح سؤالًا بسيطًا.. إذا كانت هذه المؤسسة تمسك بمفاتيح السلطة الأساسية منذ عقود، فلماذا تتفاقم الأزمات بدل أن تتراجع؟ ولماذا يتسع الفقر والتفاوت الإجتماعي؟ ولماذا تستمر الهجرة الجماعية للشباب؟ ولماذا تتكرر الإحتجاجات في مختلف المناطق؟ ولماذا تتآكل الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؟
إن المشكلة ليست في شخص أو حكومة أو حزب بعينه، بل في نموذج حكم كامل قام على تركيز السلطة بدل توزيعها، وعلى إنتاج الولاء بدل ترسيخ المواطنة، وعلى حماية التوازنات التقليدية بدل بناء دولة المؤسسات الحديثة، ولهذا السبب ظل الفساد يتكاثر جيلاً بعد جيل، فالفساد لا يعيش فقط بفضل الفاسدين، بل يعيش أيضًا بفضل البيئة السياسية التي توفر له الحماية وتمنع المحاسبة الحقيقية.
لقد تحول الفساد في نظر قطاعات واسعة من المغاربة من ظاهرة إستثنائية إلى جزء من المشهد اليومي، بحيث لم يعد السؤال هل يوجد فساد؟ بل أصبح السؤال لماذا لا تتم محاسبة المسؤولين عنه بالقدر نفسه الذي تتم به ملاحقة أصحاب الرأي والمعارضين؟ ولماذا تبدو منظومة المحاسبة قوية أمام الضعفاء وضعيفة أمام أصحاب النفوذ؟
إن أي نظام سياسي يُقاس بقدرته على تحقيق الكرامة والعدالة والحرية لمواطنيه، وعندما يشعر المواطن أن صوته لا يغير شيئًا، وأن الإنتخابات لا تغير شيئًا، وأن المؤسسات لا تحميه، وأن القانون لا يطبق على الجميع بالمعيار نفسه، فإن الأزمة تصبح أعمق من مجرد خلاف سياسي، إنها أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع.
واليوم يقف المغرب أمام مفترق طرق تاريخي، فإما الإستمرار في إعادة إنتاج النموذج نفسه مع ما يحمله من إحتقان وتفاوت وإحباط، وإما فتح نقاش وطني صريح حول طبيعة النظام السياسي الذي يحتاجه المغاربة في القرن الحادي والعشرين، نقاش لا تُفرض فيه الخطوط الحمراء على الإرادة الشعبية، ولا تُختزل فيه الدولة في مؤسسة واحدة أو عائلة واحدة أو دائرة نفوذ واحدة.
لقد أثبتت التجارب أن الأزمات الكبرى لا تُحل بالإنتظار، ولا بالتكيف مع الواقع المفروض، ولا بالتعويل على إصلاحات شكلية تعيد إنتاج المشكلات نفسها بأسماء جديدة، لذلك فإن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق الشعب المغربي بكل فئاته، من أجل بناء وعي جماعي بأن التغيير الجذري أصبح ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل، ومن منظور أنصار المشروع الجمهوري، فإن السبيل إلى ذلك لا يمر عبر العنف أو الفوضى أو الإنتقام، بل عبر قوة الإرادة الشعبية المنظمة، والنضال المدني السلمي، والعصيان المدني الحضاري، والتمسك بحق المواطنين في التعبير والإحتجاج والضغط السلمي من أجل فرض التحول الديمقراطي المنشود.
إن مؤسسات الدولة ملك للشعب وليست ملكاً لأي نظام سياسي عابر، وممتلكات المواطنين وأمنهم وحقوقهم يجب أن تبقى مصونة ومحترمة في كل الظروف، ولأن المعركة الحقيقية ليست ضد الوطن، بل من أجل وطن يتسع لجميع أبنائه، وطن تكون فيه السيادة للشعب، والمساءلة فوق الجميع، والحرية حقاً لا إمتيازاً، والكرامة قاعدة لا إستثناء، وعندما يدرك المغاربة أن مستقبلهم لن يصنعه أحد نيابة عنهم، وأن التغيير يبدأ من الوعي ثم من الفعل المدني السلمي المنظم، فإن الطريق نحو بناء دولة المواطنة والعدالة يصبح ممكناً مهما بدت العقبات كبيرة ومهما طال زمن الإنتظار.
إن الجمهوريين المغاربة لا يعارضون الملكية لأنها ملكية فقط، بل لأنهم يرون أن السيادة يجب أن تكون للشعب وحده، وأن جميع المسؤولين يجب أن يخضعوا للمساءلة الشعبية والقانونية على قدم المساواة، وأن الشرعية الحقيقية لا تُستمد من الوراثة بل من الإرادة الحرة للمواطنين، ولذلك فإن مطلب الجمهورية بالنسبة لهم ليس مجرد تغيير في الشكل الدستوري، بل مشروع لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة الكاملة.
لقد آن الأوان لتسمية الأمور بأسمائها، فالأزمة المغربية ليست أزمة تدبير فقط، وليست أزمة حكومة فقط، وليست أزمة نخبة فقط، إنها أزمة نظام سياسي بلغ حدوده التاريخية وأصبح عاجزًا عن إقناع أعداد متزايدة من المواطنين بقدرته على تقديم مستقبل أفضل، وكلما تأخر الإعتراف بهذه الحقيقة، إزدادت كلفة المرحلة المقبلة على الجميع.
ختاما، يبقى القرار النهائي بيد الشعب المغربي نفسه، فهو وحده صاحب الحق في تحديد شكل الدولة التي يريدها، والنظام السياسي الذي يراه مناسبًا، والمستقبل الذي يطمح إليه، أما الخوف، فقد كان دائمًا السلاح الأخير للأنظمة المتعبة، والتاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تتخلى إلى الأبد عن حقها في الحرية والكرامة والسيادة على مصيرها.




























