بوابة الجزائر الإخبارية: تتحرك الجزائر لاستعادة العمق الساحلي من بوابة مختلفة هذه المرة. فبعد مرحلة طغت فيها الملفات الأمنية والخلافات السياسية على العلاقة مع عدد من عواصم المنطقة، تتقدم اليوم مقاربة تقوم على تحويل الجوار الجغرافي إلى شبكة مصالح اقتصادية مترابطة، تمتد من الطاقة والكهرباء والطرق إلى التجارة والاستثمار، وتضع الاستقرار باعتباره شرطًا للإنتاج والعبور والوصول إلى أسواق إفريقيا الغربية. وفي هذا السياق تحديدًا تكتسب الدعوة التي وجهها الوزير الأول سيفي غريب إلى نظيره المالي، الجنرال عبد الله مايغا، لزيارة الجزائر معناها الحقيقي: باماكو تعود تدريجيًا إلى دائرة التعاون مع الجزائر بعد شهر واحد فقط من استئناف العلاقات الدبلوماسية وفتح المجال الجوي بين البلدين.
وبحسب بيان مصالح الوزير الأول الوارد في المعطيات المقدمة، أجرى غريب، بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، اتصالًا هاتفيًا في 9 أوت 2026 مع رئيس الحكومة الانتقالية المالية، جدد خلاله الطرفان التأكيد على روابط الجوار والتضامن بين الشعبين، وعلى الرغبة في إعطاء دفع جديد للعلاقات الثنائية وإعادة تنشيط التعاون في عدة قطاعات، قبل أن يوجه الوزير الأول دعوة رسمية إلى مايغا للقيام بزيارة عمل إلى الجزائر. كما تناول الاتصال قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك، مع التأكيد على الطموح إلى جعل الساحل مجالًا للتعاون والتبادل والتنمية المشتركة في بيئة أكثر أمنًا واستقرارًا.

ولا يأتي الاتصال بعد فترة عادية في العلاقات الجزائرية–المالية. ففي 10 جويلية 2026، قررت باماكو إعادة سفيرها إلى الجزائر وفتح مجالها الجوي مجددًا أمام الطائرات القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها، وفي اليوم نفسه أمر الرئيس عبد المجيد تبون بعودة السفير الجزائري كمال رتيب إلى باماكو، منهياً بذلك مرحلة توتر دبلوماسي استمرت أكثر من عام. وقد قدمت الخارجية الجزائرية القرار باعتباره عودة للعلاقة إلى «مسارها التاريخي الطبيعي» القائم على الاحترام المتبادل وخدمة مصالح الشعبين والمنطقة الساحلية الصحراوية.
وتكتسب سرعة الانتقال من عودة السفراء في 10 جويلية إلى اتصال رئيسي الحكومتين في 9 أوت أهمية خاصة. فالفاصل لا يتجاوز شهرًا تقريبًا، ما يعني أن الطرفين لم يكتفيا بإدارة فك الاشتباك الدبلوماسي، بل شرعا مباشرة في البحث عن مضمون سياسي واقتصادي للمرحلة الجديدة. وهنا تصبح دعوة رئيس الحكومة المالية إلى الجزائر أكثر من مجاملة بروتوكولية؛ فهي تنقل التطبيع من مستوى إعادة القنوات الدبلوماسية إلى مستوى إعداد جدول تعاون يمكن أن يشمل التجارة والطاقة والنقل والخدمات والاستثمار والأمن الحدودي.
الأهم أن هذه الحركة لا تحدث في فراغ إقليمي. فالجزائر عززت خلال الأشهر الأخيرة علاقاتها مع النيجر عبر مشاريع ملموسة، وفتحت مسارات تعاون اقتصادي وطاقوي مع بوركينا فاسو، بينما دفعت علاقتها مع موريتانيا إلى مستوى أكثر كثافة في التجارة والنقل والربط الحدودي. وبذلك تأتي باماكو في لحظة تحاول فيها الجزائر تحويل محيطها الجنوبي من حزام مخاطر إلى حزام مصالح، بحيث تصبح كلفة عدم الاستقرار مرتفعة على جميع الأطراف لأن مشاريع الطاقة والطرق والتجارة والحدود تعتمد بعضها على بعض.
ويقدم النيجر المثال الأوضح على هذه المقاربة الجديدة. ففي جوان 2026، افتتح الوزير الأول سيفي غريب في نيامي محطة كهرباء للتضامن الجزائري–النيجري بطاقة 40 ميغاواط، أنجزتها الجزائر لفائدة النيجر، في خطوة تجاوزت رمزية الدعم السياسي إلى توفير بنية تحتية مباشرة للاقتصاد النيجري. وجاء ذلك بالتوازي مع تكثيف التنسيق حول أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر.
وفي 4 جوان 2026، أطلقت الجزائر رسميًا أشغال المقطع الجزائري من أنبوب الغاز العابر للصحراء في أولف بأدرار، في مشروع يتجاوز طوله 4000 كيلومتر ويربط نيجيريا والنيجر بالجزائر، ما حول فكرة التكامل الساحلي من خطاب دبلوماسي إلى أصل اقتصادي يحتاج إلى استقرار طويل الأمد على امتداد مساره.
وهذا ما يجعل قراءة الخبير موسى بوكريف، الواردة في المادة المصدرية، شديدة الصلة بالتحول الحالي. فالأمن في الساحل، وفق تحليله، أصبح شرطًا مباشرًا لتحقيق الجزائر أهدافها في تنويع الاقتصاد والوصول إلى الأسواق الإفريقية، لأن مشاريع بمستوى أنبوب الغاز العابر للصحراء لا يمكن فصل جدواها عن استقرار المسارات التي تعبرها. ومن هنا تتحول الدبلوماسية الجزائرية تدريجيًا من التعامل مع الأمن باعتباره غاية مستقلة إلى استخدام الاقتصاد نفسه كأداة للاستقرار، بحيث تصبح البنية التحتية والمصالح المشتركة جزءًا من منظومة الوقاية من الأزمات.
وهذه المقاربة تجد ما يدعمها في واقع الساحل نفسه. فالبنك الدولي يصف مالي بأنه بلد غير ساحلي، هش اقتصاديًا وأمنيًا، يعتمد بدرجة مرتفعة على الزراعة والسلع الأولية ويواجه كلفة مرتفعة للواردات، بما فيها الطاقة، بينما تمثل اضطرابات طرق التموين واحدة من القيود الرئيسية على النشاط الاقتصادي. ويتوقع البنك نمو الاقتصاد المالي بنحو 5% في 2026–2027، مدفوعًا جزئيًا بالليثيوم والزراعة والاتصالات، لكن ذلك يظل مرتبطًا بتحسين الطاقة والطرق والربط والأسواق.
وفي هذه النقطة بالذات تملك الجزائر ما يمكن أن تحوله إلى عرض اقتصادي تجاه مالي. فباماكو لا تحتاج فقط إلى علاقة سياسية جيدة مع جارها الشمالي؛ إنها تحتاج إلى منافذ تموين وأسواق وممرات وربط طاقوي وخدمات لوجستية تقلل كلفة عزلتها الجغرافية. والجزائر، من جهتها، تحتاج إلى بوابات فعلية نحو أسواق غرب إفريقيا إذا أرادت تحويل الحديث عن تنويع الصادرات خارج المحروقات إلى تدفقات تجارية دائمة.
ومن هنا تصبح الجغرافيا نفسها أصلًا اقتصاديًا. فالحدود الجزائرية مع مالي لا ينبغي النظر إليها فقط بوصفها منطقة تحتاج إلى الحماية الأمنية، بل أيضًا باعتبارها نقطة اتصال محتملة بين الإنتاج الجزائري والأسواق المالية وما وراءها. وكل تحسن في العلاقات مع باماكو يقلل جزءًا من المخاطر السياسية والتنظيمية التي تعوق تحول هذه الحدود إلى ممر اقتصادي.
الجزائر تنتقل من «أمن الحدود» إلى «اقتصاد الحدود»
هذا التحول لا يلغي الشق الأمني، بل يعيد تعريفه. فسنوات عدم الاستقرار في الساحل أثبتت أن المقاربة العسكرية وحدها لا تنتج اقتصادًا ولا تمنع هشاشة الدول من إعادة إنتاج الأزمات. ولذلك تظهر في سياسة الجزائر الحالية محاولة للجمع بين الاستقرار وبين المصالح المادية: كهرباء للنيجر، أنبوب غاز يربط ثلاث دول، طرق عابرة للصحراء، مناطق تجارية، ربط بالألياف البصرية، وتسهيلات لتدفق السلع والخدمات.
ويأتي هذا في وقت تعمل فيه الجزائر على تحويل الطريق العابر للصحراء نفسه من مشروع نقل إلى ممر اقتصادي. وفي جوان 2026، اختتمت في الجزائر الدورة الـ77 للجنة ربط الطريق العابر للصحراء بتوصيات تستهدف دفع المشروع نحو وظيفة اقتصادية أكبر في حركة التجارة الإقليمية، بمشاركة الجزائر والنيجر ونيجيريا وتشاد ودول أخرى.
أما على الجبهة الغربية، فقد أصبحت موريتانيا نموذجًا آخر لربط الدبلوماسية بالتجارة. ففي أفريل 2026، بحث البلدان اتفاقًا تجاريًا تفضيليًا يشمل 20 منتجًا ذا أولوية، بينما تتقدم أشغال المنطقة الحرة في تندوف لتعزيز المبادلات، وأطلقت من المنطقة نفسها في أفريل عملية تصدير 33 شاحنة محملة بمنتجات جزائرية نحو السوق الموريتانية. ثم ارتفع عدد الاتفاقات الموقعة بين المتعاملين الجزائريين والموريتانيين خلال معرض المنتجات والخدمات الجزائرية في نواكشوط إلى 52 اتفاقًا في ماي.
وبالتالي، فإن العودة إلى باماكو تأتي بينما تختبر الجزائر عمليًا نموذجًا يقوم على ربط الجوار بمصالح اقتصادية يصعب فكها عند كل توتر سياسي. فكل طريق يُفتح، وكل مشروع كهربائي يُنجز، وكل شحنة تعبر الحدود، وكل اتفاق تجاري يُوقع، تجعل العودة إلى القطيعة أكثر كلفة على الأطراف.
وهذا البعد مهم في حالة مالي تحديدًا. فالعلاقة بين البلدين ليست علاقة عاصمتين بعيدتين يمكن تجميدها لسنوات من دون أثر مباشر، بل علاقة بين دولتين تتقاسمان حدودًا طويلة ومنطقة صحراوية تتداخل فيها التجارة والسكان وحركة الأشخاص ومخاطر الجماعات المسلحة والتهريب. ولهذا فإن استقرار العلاقة الجزائرية–المالية جزء من معادلة الأمن القومي الجزائري بقدر ما هو جزء من سياسة الجزائر الإفريقية.
كما أن باماكو نفسها تدخل هذه المرحلة ضمن إطار إقليمي جديد، بعد تأسيس تحالف دول الساحل ثم كونفدرالية تجمع مالي والنيجر وبوركينا فاسو. ويشير البنك الدولي إلى أن الدول الثلاث تعمل على إنشاء أدوات مالية وأمنية مشتركة، بينها بنك كونفدرالي للاستثمار والتنمية برأسمال 500 مليار فرنك إفريقي، وهو ما يعكس بحثها عن قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي والتمويلي.
بالنسبة إلى الجزائر، يفرض هذا الواقع التعامل مع دول الساحل بوصفها كتلة سياسية جديدة من دون التخلي عن العلاقات الثنائية التي تمنحها مرونة أكبر. وهنا يمكن فهم التحركات المتوازية تجاه النيجر وبوركينا فاسو ثم مالي. فالجزائر لا تحتاج إلى الدخول في منافسة خطابية مع التحالف الجديد بقدر ما تحتاج إلى جعل تعاون أعضائه معها ذا منفعة اقتصادية مباشرة.
وقد ظهرت ملامح هذا النهج مع بوركينا فاسو في فيفري 2026، حين بحث وزيرا المحروقات والطاقة الجزائريان في واغادوغو تطوير التعاون مع الجانب البوركينابي في الطاقة والمناجم، بما يوسع علاقة الجزائر بالساحل إلى قطاعات اقتصادية وتقنية تتجاوز التنسيق السياسي التقليدي.
بهذا المعنى، تصبح دعوة مايغا إلى الجزائر جزءًا من هندسة أوسع، لا حلقة بروتوكولية منفصلة. فإذا انتقل التقارب الجزائري–المالي إلى اتفاقات عملية في التجارة والطاقة والنقل والخدمات، فإن الجزائر تكون قد أعادت إدخال مالي في شبكة مصالح تمتد من موريتانيا غربًا إلى النيجر وتشاد شرقًا، مع امتداد نحو نيجيريا في الجنوب.
لماذا تحتاج مالي إلى الجزائر اقتصاديًا؟
تفسر الجغرافيا جانبًا كبيرًا من الإجابة. مالي دولة حبيسة بلا منفذ بحري، وأي سلعة تستوردها أو تصدرها تعتمد على ممرات تمر عبر دول أخرى. ولهذا فإن كلفة النقل والأمن وإغلاق المحاور البرية تتحول بسرعة إلى كلفة على الغذاء والطاقة والإنتاج والتضخم.
وكان البنك الدولي قد خصص في 2025 نحو 219.8 مليون دولار لتحسين قدرة شبكة الطرق المالية، خصوصًا ممر باماكو–داكار، مؤكدًا الأهمية الاستراتيجية للممرات الخارجية بالنسبة إلى اتصال الاقتصاد المالي بالأسواق.
ومن هنا يمكن للجزائر أن تقدم مسارًا مكملًا، خاصة بالنسبة إلى شمال مالي والمناطق القريبة من الحدود الجزائرية. ولا يعني ذلك أن الجزائر ستعوض الموانئ الأطلسية التي يعتمد عليها مالي، وإنما أن زيادة عدد قنوات التموين تمنح باماكو هامشًا أكبر في إدارة المخاطر، وتمنح المنتجات والخدمات الجزائرية منفذًا إضافيًا إلى سوق إفريقية تحتاج إلى الطاقة والدواء ومواد البناء والمنتجات الغذائية والخدمات التقنية.
وهذه بالضبط النقطة التي ركز عليها بوكريف في تحليله، عندما اعتبر أن التقارب مع الجزائر يمنح مالي «بديلًا استراتيجيًا» في التموين، وفي المقابل يفتح للجزائر الطريق نحو أسواق أخرى في غرب إفريقيا. فالاقتصاد هنا يعمل في اتجاهين: مالي تبحث عن تخفيض هشاشتها اللوجستية، والجزائر تبحث عن عمق تجاري جديد لصادراتها.
لكن القيمة الأكبر للجزائر لا تتوقف عند بيع السلع. فإذا بقيت العلاقة في حدود الصادرات الجزائرية نحو مالي، فستكون مجرد علاقة تجارية محدودة. أما إذا امتدت إلى النقل والخدمات والبنوك والطاقة والاتصالات والاستثمار، فإن باماكو يمكن أن تتحول إلى حلقة داخل ممر اقتصادي جزائري نحو غرب إفريقيا.
وهذا يتوافق مع التوجه الذي بدأ يتبلور في مشاريع الجزائر القارية. فأنبوب الغاز العابر للصحراء ليس مجرد مشروع لبيع الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر الجزائر، بل بنية تجعل الجزائر نقطة وصول شمالية لممر طاقوي إفريقي. والطريق العابر للصحراء ليس مجرد طريق بري، بل يمكن أن يصبح منصة لحركة السلع. والمنطقة الحرة في تندوف لا تستهدف السوق الموريتانية وحدها، بل تضع تندوف كمنصة للتصدير نحو غرب إفريقيا، وهو الشعار الذي اختير بالفعل لمعرض المنتجات الجزائرية في أفريل 2026.
وهنا يتضح معنى وصف الجزائر بأنها «Hub» اقتصاديًا وجيوسياسيًا، كما جاء في تحليل بوكريف. فمفهوم المركز الإقليمي لا يصنعه الموقع على الخريطة وحده، بل عدد التدفقات التي تمر عبره: طاقة، سلع، طرق، ألياف بصرية، خدمات، تمويل، استثمارات واتصالات سياسية.
والجزائر تمتلك نقطة البداية في معظم هذه العناصر: سوقًا تتجاوز 47 مليون نسمة، قاعدة صناعية وطاقة، منافذ متوسطية، شبكة غاز مرتبطة بأوروبا، أكبر مساحة في إفريقيا، وحدودًا مع ست دول إفريقية إلى جانب تونس وليبيا. لكن تحويل هذه المزايا إلى نفوذ اقتصادي يتطلب إزالة الاختناقات على الجانب الآخر من الحدود، وهو ما يجعل الاستقرار في مالي والنيجر وبقية الساحل مصلحة اقتصادية جزائرية مباشرة.
وتزداد أهمية هذا التحول بالنظر إلى أن الاقتصاد الجزائري نفسه يبحث عن منافذ جديدة للصادرات خارج المحروقات. فكل توسع صناعي في الحديد والصلب والإسمنت والدواء والمنتجات الغذائية والكهربائية يحتاج إلى أسواق، بينما تملك دول الساحل فجوات كبيرة في الإنتاج والبنية التحتية. وهنا تصبح المسافة الجغرافية القصيرة نسبيًا ميزة تنافسية إذا توفر النقل والتمويل والإجراءات الحدودية المستقرة.
لكن هذه المعادلة تحتاج أيضًا إلى إدارة دقيقة. فالتطبيع السياسي مع مالي لا يمحو تلقائيًا آثار الخلافات السابقة، كما أن الأمن في شمال مالي يبقى هشًا وتظل الجماعات المسلحة وطرق التهريب وعدم استقرار الممرات عوامل يمكن أن ترفع كلفة أي مشروع تجاري. ويشير البنك الدولي في تقييمه الحديث إلى استمرار المخاطر الأمنية على طرق التموين في مالي وتأثيرها على الاقتصاد والخدمات.
ولهذا فإن التحول من الأمن إلى الاقتصاد لا يعني تخلي الجزائر عن المقاربة الأمنية، بل جعل الاقتصاد جزءًا منها. فالمحطة الكهربائية في النيجر تحتاج إلى أمن، والغاز العابر للصحراء يحتاج إلى أمن، والطريق التجاري يحتاج إلى أمن، لكن وجود هذه المشاريع نفسها يخلق مصالح محلية في حماية الاستقرار، ويمنح العلاقات بين الدول قيمة تتجاوز البيانات السياسية.
وهذا ما يجعل اتصال غريب–مايغا مهمًا في توقيته. فالعلاقة الثنائية خرجت في 10 جويلية من مرحلة تجميد السفراء والمجالات الجوية، وبعد شهر بدأت تتجه نحو زيارة عمل وحوار حول التعاون والتنمية في الساحل. وإذا تحولت الزيارة المرتقبة إلى اتفاقات أو آليات تنفيذ، ستكون الجزائر قد انتقلت في علاقتها مع مالي من إدارة الأزمة إلى بناء ما بعد الأزمة.
والتحول يستحق المتابعة لأن مالي ليست الحلقة نفسها مثل النيجر. فالنيجر مرتبط مباشرة بالجزائر في أنبوب الغاز العابر للصحراء وبمشاريع كهرباء وتعاون طاقوي، بينما يمكن أن يكون وزن مالي أكبر في فتح الممر نحو غرب إفريقيا وتعزيز الاستقرار على الحدود الجنوبية الغربية للجزائر.
كما أن استقرار العلاقة مع باماكو يسحب عامل توتر كان يضغط على استراتيجية الجزائر الساحلية منذ 2024–2025، ويمنحها قدرة أكبر على التركيز على ملفات الاقتصاد والتجارة بدل استهلاك الجهد السياسي في إدارة القطيعة. ومع عودة السفراء وفتح الأجواء، اختفت بالفعل إحدى الكلف المباشرة للأزمة، وهي تعطيل الحركة الجوية والقنوات الدبلوماسية.
وفي الحساب الجيوسياسي، يمنح هذا التحسن الجزائر أيضًا مساحة أكبر للتعامل مع دول تحالف الساحل كل دولة على حدة، من دون الدخول في مواجهة مع الكتلة. فالتعاون المتقدم مع النيجر، والاتصالات الاقتصادية مع بوركينا فاسو، ثم عودة مالي، تعني أن التوتر الذي ظهر في 2025 لم يتحول إلى قطيعة دائمة بين الجزائر ومجمل الساحل.
وهنا ربما تكمن الدلالة الاستراتيجية الأكبر للتطور الجديد. فالجزائر لا تستعيد نفوذها في الساحل بالبيانات، وإنما تحاول إعادة تعريفه من خلال المنفعة الاقتصادية. في النيجر توجد الكهرباء والغاز، ومع موريتانيا توجد الطرق والتجارة والمنطقة الحرة، وفي المشاريع القارية يوجد ممر الغاز والطريق العابر للصحراء، أما مع مالي فتبدأ المرحلة الجديدة بإعادة فتح القناة السياسية تمهيدًا لتحديد ما يمكن وضعه فوقها من مصالح.
وعندما يقول بوكريف إن «هندسة جديدة للنفوذ الإقليمي» تتشكل ويصبح التعاون الاقتصادي إسمنتها الرئيسي، فإن التطورات الميدانية تمنح هذا الوصف أساسًا ملموسًا. فالمشهد لم يعد قائمًا على وساطة الجزائر في الأزمات الأمنية فقط، بل على محاولة جعل الجزائر مركزًا تمر عبره مصالح الجوار نفسه.
وإذا نجحت زيارة رئيس الحكومة المالية المرتقبة في تحويل التطبيع إلى برنامج اقتصادي فعلي، فإن باماكو يمكن أن تصبح قطعة أساسية في هذا البناء. فالدولة الحبيسة تحتاج إلى منافذ وبدائل، والجزائر تحتاج إلى أسواق وعمق إفريقي، بينما يحتاج الطرفان إلى حدود مستقرة لا تُستهلك في التوتر.
ومن هنا، فإن الاتصال بين سيفي غريب وعبد الله مايغا يتجاوز قيمته الدبلوماسية المباشرة. إنه اختبار لمقاربة جزائرية جديدة في الساحل تقوم على معادلة أكثر براغماتية: الاستقرار يحمي التجارة، والتجارة تخلق مصلحة في الاستقرار، والجزائر تحاول أن تكون نقطة الالتقاء بين الاثنين.
وفي حال تحولت هذه المقاربة إلى شبكة مشاريع مترابطة، فإن مكسب الجزائر لن يقاس فقط بعودة علاقاتها مع مالي إلى طبيعتها، وإنما بقدرتها على تحويل موقعها الجغرافي من حدود جنوبية تحتاج إلى الحماية إلى منصة اقتصادية تربط المتوسط بعمق غرب إفريقيا.
وهنا يتجاوز الرهان مالي وحدها. الرهان الحقيقي هو ما إذا كانت الجزائر قادرة، بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، على بناء مجال اقتصادي حول حدودها الجنوبية يجعل نيامي وباماكو وواagadougou ونواكشوط أقرب إلى الجزائر بالمصلحة كما هي قريبة منها بالجغرافيا.
وإذا اكتمل هذا المسار، لن يكون الساحل مجرد خاصرة أمنية للجزائر، بل أحد أهم امتداداتها الاقتصادية في إفريقيا.










































