مقال رأي بقلم محمد قنديل – مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: لا تأتي المقررة الأممية المعنية بالتعذيب إلى المغرب في زيارة بروتوكولية إلى دولة عادية، بل تدخل إلى فضاء سياسي ما يزال مثقلاً بذاكرة مفتوحة من الإنتهاكات، حيث تحوّل التعذيب إلى ملف مزمن، والقمع إلى أداة إدارة، والإفلات من العقاب إلى قاعدة غير مكتوبة تحكم علاقة الدولة بمواطنيها، في نظام ظلّ لعقود يراكم التقارير الدولية السوداء بدل أن يراكم الإصلاحات الحقيقية.

من المفترض أنه ما بين 8 و19 جوان، سيستقبل المغرب المقررة الأممية المعنية بالتعذيب في زيارة تشمل الرباط والعيون بالصحراء الغربية، وبغض النظر عن البيانات الرسمية التي ستتحدث عن الإصلاحات والمؤسسات والإستراتيجيات والإلتزامات الدولية، يبقى السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بإلحاح هو ماذا ستقول السلطة الحاكمة للمقررة الأممية بشأن أكثر من ربع قرن من الإتهامات الحقوقية المتراكمة المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة والتضييق على الحريات وتكميم الأفواه؟

فمنذ إجلاس المدعو محمد السادس الكرسي سنة 1999، حرصت الآلة الدعائية المخزنية الرسمية على تسويق صورة المغرب بإعتباره إستثناءً ديمقراطيًا في المنطقة، غير أن عشرات التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية وصحفيين مستقلين ومحامين ونشطاء رسمت صورة مختلفة تمامًا، صورة بلد لا يزال فيه المعارضون والمنتقدون يدفعون أثمانًا باهظة بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية والحقوقية.

فماذا ستقول سلطة المخزن للمقررة الأممية عن النشطاء الذين أكدوا تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة أثناء الإعتقال أو التحقيق؟ وماذا ستقول عن الصحفيين والمدونين الذين يعتبر المدافعون عنهم أنهم تعرضوا لمحاكمات ذات خلفيات سياسية؟ وكيف ستفسر إستمرار شكاوى عائلات معتقلين يؤكدون تعرض أبنائهم لمعاملة مهينة أو لظروف إحتجاز قاسية؟ وهل ستكتفي كالعادة بنفي كل شيء وإتهام الضحايا بالكذب أو العمالة أو خدمة أجندات خارجية؟ وماذا سيكون جوابها عن حالات القتل الممنهج تحت التعذيب للعشرات من الضحايا؟

الأمر هنا لا يتعلق بحوادث معزولة أو أخطاء فردية كما تحاول الرواية الرسمية تصويره، بل نحن أمام ملف ثقيل يمتد على مدى أكثر من خمسة وعشرين عامًا، تخللته موجات متعاقبة من التضييق على الأصوات المستقلة، فكلما إرتفع سقف المطالب الإجتماعية أو السياسية، إرتفعت معه وتيرة الإعتقالات والمتابعات والمحاكمات التي يراها كثير من الحقوقيين ذات طابع إنتقامي أكثر من كونها تطبيقًا محايدًا للقانون.
ثم هناك السؤال الأكثر إزعاجًا.. ماذا ستقول الدولة البوليسية بشأن الإتهامات المتعلقة بالتعذيب النفسي؟ فالتعذيب لا يقتصر على الضرب أو الإيذاء الجسدي، فهناك الترهيب المستمر، والمراقبة، والإستدعاءات المتكررة، والضغوط على العائلات، والتشهير الإعلامي، وتحويل حياة المعارض إلى سلسلة لا تنتهي من المضايقات…. هذه الممارسات، وفق كثير من المدافعين عن حقوق الإنسان، أصبحت جزءًا من منظومة متكاملة هدفها إخضاع المجتمع وإقناع المواطنين بأن كلفة الإعتراض أكبر من قدرتهم على تحملها.
أما في الصحراء الغربية، فإن الأسئلة تصبح أكثر حدة وحساسية، فهناك تقارير وشهادات متواصلة تتحدث عن إنتهاكات تطال ناشطين صحراويين يطالبون بحق تقرير المصير أو ينتقدون سياسات سلطة الإحتلال المغربية في الإقليم، وسيكون من الصعب على أي جهة رسمية أن تقنع المقررة الأممية بأن كل هذه الشهادات والتقارير والنداءات الدولية مجرد أوهام أو إفتراءات.
إن زيارة عاصمة الصحراء الغربية ليست مجرد محطة بروتوكولية هي الأخرى، بل إختبار حقيقي لقدرة الدولة المغربية على مواجهة الأسئلة التي ظلت تحاول الهروب منها لعقود.

وفي الريف أيضًا، ما تزال آثار الحراك الشعبي وما رافقه من إعتقالات وأحكام ثقيلة حاضرة في الذاكرة الجماعية، فبالنسبة لكثير من المغاربة، لم تكن القضية مجرد إحتجاجات إجتماعية، بل لحظة كشفت حدود الخطاب الرسمي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولذلك فإن أي حديث عن سجل المملكة الحقوقي دون التطرق إلى الريف يبقى حديثًا ناقصًا ومبتورًا.
إن المعضلة الكبرى التي تواجه #عصابة_المخزن ليست في كيفية إعداد الملفات والوثائق والعروض التقديمية للمقررة الأممية، بل في كيفية الرد على واقع أصبح معروفًا لدى الرأي العام الدولي، فالعالم اليوم لم يعد يعتمد فقط على الروايات الحكومية، بل هناك منظمات حقوقية دولية، وصحافة إستقصائية، وشبكات تواصل إجتماعي، وشهادات مباشرة من ضحايا وأسر ومحامين وناشطين… لذلك لم يعد من السهل إخفاء الحقائق خلف الشعارات أو البيانات الرسمية.
لقد أمضى نظام المخزن أكثر من ربع قرن وهو يقدم نفسه كشريك موثوق للغرب في ملفات الأمن والهجرة والإستقرار الإقليمي، وحظي بسبب ذلك بدعم سياسي ودبلوماسي واسع من قوى دولية كبرى، غير أن هذا الدعم الخارجي لم يكن يومًا شهادة براءة في مجال حقوق الإنسان، فالتاريخ مليء بأنظمة تمتعت بدعم دولي قوي، لكنها واجهت في النهاية أسئلة لا يمكن إسكاتها إلى الأبد.
ويبقى السؤال الأكثر إحراجًا.. هل ستنجح السلطة المغربية في تحويل هذه الزيارة الأممية إلى مجرد محطة بروتوكولية أخرى، كما يتهمها منتقدوها بأنها نجحت سابقًا في تحييد الإنتقادات الدولية عبر توظيف ثقلها الدبلوماسي ومصالح شركائها السياسيين والإقتصاديين؟ وهل ستتمكن من إقناع المقررة الأممية بالتغاضي عن الملف الحقوقي المتراكم، أم أن هذه المرة ستكون الأسئلة الحقوقية أكبر من أن تُحتوى بالخطابات الرسمية وحملات العلاقات العامة؟
إن كثيرًا من المعارضين والحقوقيين يرون أن الدعم الذي حظي به النظام المغربي من قوى غربية مؤثرة لم يكن يومًا إنعكاسًا لوضع حقوق الإنسان داخل البلاد، بقدر ما كان مرتبطًا بحسابات المصالح الإستراتيجية والإقتصادية والأمنية، ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المقررة الأممية لا يكمن فقط في الإستماع إلى الرواية الرسمية، بل في الإنصات أيضًا إلى أصوات الضحايا وعائلاتهم والمنظمات الحقوقية المستقلة، حتى لا تتحول الزيارة إلى مجرد شهادة جديدة تضاف إلى أرشيف الصمت الدولي تجاه واحدة من أكثر القضايا الحقوقية إثارة للجدل في العالم.
إن الزيارة الحالية للمقررة الأممية للتعذيب تضع السلطة المخزنية المغربية أمام مرآة يصعب كسرها، فإما أن تواجه الإنتقادات الحقوقية بقدر من الشفافية والجدية والمسؤولية وهذا مستبعد جدا، وإما أن تستمر في سياسة الإنكار التي لم تنتج خلال العقود الماضية سوى المزيد من الشكوك وفقدان الثقة.
فالتقارير الحقوقية لا تختفي بالبيانات الرسمية، والضحايا لا يختفون من الذاكرة الجماعية بمجرد تجاهلهم، والإنتهاكات المزعومة لا تفقد خطورتها لأن أصحاب النفوذ يرفضون الإعتراف بها.
السؤال الذي ينتظر المغاربة والضحايا والمدافعون عن حقوق الإنسان معرفة جوابه ليس ماذا ستقول السلطة للمقررة الأممية، بل ماذا ستفعل؟ لأن ربع قرن من الإتهامات والإنتهاكات الموثقة والشهادات المتراكمة لا يحتاج إلى حملات علاقات عامة جديدة، بل يحتاج إلى حقيقة وعدالة ومحاسبة، وما لم يحدث ذلك، ستظل كل الزيارات الدولية مناسبة لإعادة طرح السؤال ذاته.. كيف يمكن لدولة تتحدث بإستمرار عن الإصلاح أن تظل متهمة، بعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا، بالوقوع في الممارسات نفسها التي تدّعي أنها تجاوزتها؟




















