“محور الإنفصاليين” كلمة السر في أبوظبي.. هل تكبح السعودية جموح الإمارات؟

بوابة الجزائر الإخبارية:يبدو أن التنافس بين السعودية والإمارات الذي ظل لسنوات خلف الستار، خرج إلى العلن خلال تطورات الأوضاع على الساحة اليمنية، الأسبوع الماضي بشكل غير مسبوق،وهو ما يعكس تطور حجم التوتر المتصاعد بين البلدين بشأن النفوذ في اليمن،مع تحول أبوظبي إلى راعية للحركات الانفصالية فهل تكبح السعودية جموحها؟

وفي أول مواجهة عسكرية مباشرة، شنت السعودية غارات جوية استهدفت في 30 ديسمبر مدينة المكلا اليمنية، قالت الرياض إنها طالت شحنة أسلحة متجهة إلى ميليشيا الانتقالي الجنوبي اليمني الذي يسعى إلى إقامة كيان مستقل جنوب البلاد، ونُسبت إلى الإمارات، وهو ما نفته أبوظبي معتبرة أن الشحنة مخصصة لقواتها الأمنية، وسط تشكيك سعودي في هذا التبرير،ما أعقبه إرضاخ الإمارات بسحب قواتها من الأراضي اليمنية.

جذور الأزمة بين البلدين ومحور الإنفصاليين الإماراتي!

يرى خبراء أن جذور الخلاف بين السعودية والإمارات تعود إلى تباين جوهري في مقاربة السياسة الخارجية، إذ أبرزت التطورات الإقليمية الأخيرة، وفق كريستيان كوتس أولريخسن، المختص بشؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس، في حديثه ل”دويتشه فيله” الألمانية،نشره موقع الإمارات71، أن السعودية والإمارات اتخذتا مواقف متباينة في عدد من النزاعات الإقليمية،بحيث أن الرياض لا تُبدي رغبة في مغامرات عسكرية جديدة، على عكس ما يُنظر إليه كاستعداد إماراتي للمخاطرة ودعم جماعات مسلحة لتعزيز النفوذ.

من جانبه، أشار ه. أ. هيلير، من المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية (RUSI) في لندن، في تحليل واسع الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن السعودية، بوصفها قوة إقليمية كبرى، باتت تركّز بدرجة أكبر على تحقيق الاستقرار، وتعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي، ودفع عجلة التنمية الداخلية، فضلًا عن العمل من خلال الأطر والمؤسسات الدولية القائمة، مثل الأمم المتحدة.

وفقا لموقع الإمارات71، يصف أندرياس كريغ، المحاضر الأول في كلية دراسات الأمن بجامعة كينغز كوليدج لندن، النهج الإماراتي بأنه سعي ممنهج إلى بناء ما يسميه “محور الانفصاليين”، حيث دعمت أبوظبي فاعلين مسلحين من غير الدول في مناطق عدة، مثل ليبيا والسودان والصومال واليمن، بهدف توسيع نفوذها من دون الاضطرار إلى التعامل المباشر مع الحكومات المركزية وتواصل الإمارات نفي هذه الاتهامات بشكل متكرر.

ويشرح كريغ، في حديثه لـ “دويتشه فيله”، أن “محور الانفصاليين الإماراتي مترابط ومرن في آن واحد”، مضيفًا أنه أكثر قدرة على الصمود مقارنة بالنهج السعودي القائم على مركزية الدولة، “لأنه لا يعتمد على عاصمة واحدة أو قناة واحدة أو اتفاق رسمي واحد”.

ويوضح،وفق ذات المصدر، أن هذا المحور يقوم على شبكة متداخلة تشمل التمويل، والخدمات اللوجستية، والطيران، والموانئ، والتضخيم الإعلامي، والضغط السياسي، وصفقات الشراء، وكلها تعمل ضمن فضاء النفوذ الإماراتي.

كما يشير كريغ إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الأنشطة يجري “تحت الماء”، من خلال وسطاء، وتجار، وشركات واجهة، وشبكات شحن وطيران، وتدفقات نقدية معقدة ودورات سلعية غير مباشرة.

ومن خلال هذه الشبكات متعددة المستويات، تمكنت الإمارات من تعزيز نفوذها، وتأمين وصولها إلى ممرات بحرية استراتيجية، وموانئ حيوية، ومراكز طاقة ذات أهمية إقليمية ودولية.

ويقول كريغ بأن هذا النهج أسهم في خلق “نظام إقليمي بديل”، تفرض فيه أبوظبي شروطها عبر التحكم في العقد والممرات، بدلًا من المعاهدات الرسمية، وهو ما يؤدي إلى تهميش الفاعلين التقليديين من أصحاب الثقل، عبر سحب أدوات النفوذ من أيديهم.

التصعيد إلى أين؟حرب باردة تلوح في الأفق!

في أعقاب أحداث الأسبوع الماضي، تصاعد التوتر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تبادل مواطنون ومعلقون من الجانبين انتقادات حادة. إذ وجّه محللون سعوديون اتهامات للإمارات بـ“تمزيق الدول والمجتمعات”، وذهب آخرون إلى تشبيهها بـ“الأخ الصغير المتمرّد”، بينما ردّ معلقون إماراتيون بانتقاد ما اعتبروه تصرّف السعودية كـ“الأخ الأكبر الذي يرى نفسه متفوّقًا على الجميع”.

اعتبر كوتس أولريخسن في تقرير”دويتشه فيله”: “تحرك السعوديون بحزم في اليمن لحماية مصالحهم، وربما كانت هذه من المرات الأولى التي تواجه فيها الإمارات رد فعل قوي نتيجة دعمها جماعات غير حكومية”.

https://twitter.com/i/status/2009196885232267498

ويرى المتحدث ذاته أنه لا توجد رغبة حقيقية لدى الطرفين في قطيعة شاملة أو دائمة، مرجحًا أن يواصل كل طرف التمسك بمساره السياسي الخاص.

وفي السياق ذاته، يقول أندرياس كريغ أنه رغم سحب الإمارات لقواتها الخاصة من اليمن، فإنها لن تنسحب بالكامل من المشهد، موضحًا: “الأحداث الأخيرة ستدفع أبوظبي إلى تقليص الظهور العلني، وتشديد الإجراءات الأمنية، وإدارة تداعيات ردود الفعل، لكن المنطق الأساسي للسياسة لن يتغير”.

ويخلص كريغ إلى أن هذا السلوك نمط متكرر، قائلًا: “عندما تواجه الإمارات مقاومة، فإنها تميل إلى تعديل الشكل الخارجي للسياسة، بدل التخلي عن جوهرها.

حققت الإمارات، حسب كريغ، مكاسب ملموسة من خلال هذا النهج، إلا أن العامل الحاسم يتمثل في الكلفة المرتبطة بالسمعة والمشروعية السياسية، فالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، على سبيل المثال، عرّضها لانتقادات واسعة، خاصة في ظل اتهام هذه القوات بارتكاب مجازر وانتهاكات جسيمة.

وفق التقرير،يرى كريغ أن السودان يشكل اختبار ضغط حقيقيًا لسياسة “محور الانفصاليين” الإماراتية، مشيرًا إلى أن كلفة الاستمرار في هذا النموذج آخذة في الارتفاع، وقدرة الإنكار تتراجع، وردود الفعل العكسية تتزايد، بما في ذلك من داخل منطقة الخليج نفسها.

و في نهاية المطاف، الطرف القادر على تحويل النفوذ إلى شرعية واستقرار مستدام سيكون هو الطرف الذي يفوز فعليًا في هذه الحرب الباردة،يختم كريغ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار