بوابة الجزائر الإخبارية: لم تكتفِ بعض ما يفترض أنها وسائل إعلامية محسوبة على الدعاية المخزنية بمحاولة التشويش على صورة الجيش الجزائري فحسب ، بل تجاوزت ذلك إلى استغلال وفاة أحد رجاله، العقيد عطاطفة يحي المعروف باسم «مصطفى»، وتحويل رحيله إلى مادة للتأويل والإيحاءات المغرضة، في سلوك يكشف إلى أي مدى يمكن أن تنحدر الدعاية حين تعجز عن مواجهة الحقائق.

وتداولت وسائل إعلام مخزنية من بينها: جريدة أصوات ونيوز بلس، بالإضافة إلى الحساب الرسمي للصحفي المصطفي العسري رواية تزعم أن العقيد عطاطفة توفي أثناء مهمة استطلاعية بمنطقة غار جبيلات، في محاولة لإعادة تقديم وفاة تعود إلى سنوات وكأنها حدثت بالأمس، وربطها بسياقات أخرى دون تقديم ما يثبت هذه الرواية.
وبحسب شهادات زملاء عرفوا العقيد عطاطفة عن قرب، فإن الرجل توفي قبل نحو ثماني سنوات إثر حادث ، وهي رواية تتطابق مع ما يعرفه رفاقه ومعارفه عن ظروف رحيله، وتضع ما تروجه تلك الصفحات أمام سؤال بسيط: لماذا إعادة نبش وفاة رجل بعد سنوات، ولماذا اختلاق سياق عسكري لها؟
العقيد عطاطفة لم يكن اسماً عابراً في حياة من عرفوه. فقد عُرف، وفق شهادات رفاقه، ضابطاً مقاتلاً وملتزماً، خدم في صفوف الفوج الثاني لهندسة القتال بمركز القيادة المتقدم بالأخضرية، وكان من أولئك العسكريين الذين ارتبطت صورتهم بالانضباط والجدية والثبات.
وكان من بين من عرفوه عن قرب رفاق سلاح ظلوا على صلة به حتى أيامه الأخيرة، ومنهم من يؤكد أن الاتصال به استمر إلى ما قبل وفاته بفترة وجيزة. لذلك فإن تحويل رحيل رجل معروف لدى زملائه إلى «قصة» مفبركة بعد سنوات لا يمثل مجرد خطأ في نقل معلومة، بل إساءة إلى ذاكرة رجل وإلى مشاعر أسرته ورفاقه.
والأكثر استفزازاً أن بعض الدعاية المخزنية تتعامل مع الموت نفسه بوصفه أداة سياسية. فلا احترام لحرمة الراحل، ولا اعتبار لمشاعر عائلته، ولا حتى حاجة إلى الحد الأدنى من التحقق الصحفي، ما دام الهدف هو صناعة رواية تخدم خطاباً سياسياً جاهزاً.
إن إعادة تدوير وفاة العقيد عطاطفة بعد نحو ثماني سنوات، وربطها بمهام عسكرية لم تثبتها تلك الصفحات، تكشف إفلاساً في أدوات الدعاية، فحين تعجز الدعاية عن صناعة انتصار في الواقع، تبدأ أحياناً في صناعة القصص من قبور الموتى.
والمفارقة أن صاحب هذه الحملة لا يحتاج إلى أكثر من العودة إلى الوقائع والتحقق من شهادات رفاق الرجل حتى يدرك أن الرواية المتداولة لا تصمد أمام أبسط قواعد العمل الصحفي.
أما العقيد عطاطفة يحي «مصطفى»، فله ما هو أبقى من منشور عابر على صفحة مجهولة: ذاكرة رفاقه، وسيرته بين من عرفوه، وسمعته كرجل عُرف بالنزاهة وحسن الخلق والانضباط.
رحم الله العقيد عطاطفة يحي، وكل من عرفوه وشهدوا له بما كان عليه.
أما الذين يستغلون موت الرجال لصناعة الدعاية، فليسوا بحاجة إلى دروس في الوطنية، بل إلى شيء أبسط بكثير: أن يتعلموا أولاً احترام الموتى، وألا يجعلوا من قبور الناس وقوداً لحروبهم الإعلامية.







