مقال رأي بقلم محمد قنديل: مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل

بوابة الجزائر الإخبارية: يأتي مشروع تعديل المسطرة الجنائية الأخير في المغرب ليرفع القناع بشكل نهائي عن طبيعة النظام القائم، مؤكداً أننا لا نعيش في دولة مؤسسات بل في ضيعة خاصة تدار من داخل دهاليز القصر بالريموت كونترول.
إن المواد 3 و7 من هذا المشروع المشؤوم ليست مجرد بنود قانونية تقنية، بل هي { فرمانات سلطانية } صيغت بدقة في المطبخ الأسود للمخزن بهدف تحصين المفسدين وقطع الطريق على أي محاولة شعبية لفتح ملفات الفساد، هذه الهندسة التشريعية تؤكد أن كل ما يسمى { البرلمان } أو { الحكومة } في المغرب ليسوا سوى أدوات كومبارس لتمرير أجندات القصر، الذي تحول إلى حارس أمين لمصالح الأوليغارشية المتوحشة والكيانات الإمبريالية والصهيونية التي تنهب مقدرات الشعب المغربي.
إن حصر حق التبليغ عن الفساد في جهات رسمية معينة بظهائر ملكية هو قمة الوقاحة السياسية؛ إذ كيف للمفسد أن يحاكم نفسه؟ وكيف لمؤسسات تسبح بحمد { الفاسد الأول } أن ترفع تقارير ضد حاشيته وأخطبوطه المالي الذي يمتص دماء المغاربة؟
إن الخطابات المسرحية التي يلقيها محمد السادس حول { المحاسبة } لم تعد تنطلي إلا على السذج أو المنتفعين، فهي مجرد { بروبغندا } بائسة موجهة للإستهلاك الخارجي لذر الرماد في عيون المنظمات الدولية والقوى الإستعمارية كفرنسا وأمريكا والكيان الصهيوني اللقيط، في حين أن الواقع التشريعي يثبت أن النظام يرتعد من فكرة { الرقابة الشعبية }.
إن إستهداف الجمعيات الحقوقية ومنعها من مقاضاة لصوص المال العام في المادة 7 هو إعلان صريح عن { تأميم الفساد } وجعله حكراً على العائلة والبطانة المقربة.

لقد تحول { المخزن } تحت قيادة المدعوا محمد السادس إلى { كيان وظيفي } بإمتياز، لا يهمه سوى حماية ثرواته المهربة وتأمين مصالح صندوق النقد الدولي والشركات العابرة للقارات، مقابل الحفاظ على كرسيه المهتز، وأن هذا التعديل المغلف بالقانون هو { صك أمان } لعصابة المفسدين، بحيث يمنحهم الضوء الأخضر لمواصلة النهب الممنهج دون خوف من ملاحقة أو فضح، ما دام الولاء للقصر هو المعيار الوحيد للبقاء.
إن هذا الإصرار على تحصين { الفساد المشرعن } ليس مجرد نزوة سياسية، بل هو ضرورة حيوية لإستمرار النموذج الإقتصادي الذي يرعاه القصر، والقائم على { الريع السيادي } وإحتكار القطاعات الإستراتيجية عبر هولدينغات العائلة وحاشيتها.

فمن خلال خنق المبادرات المدنية في تتبع لصوص المال العام، يضمن النظام بقاء { الأوليغارشية المخزنية } فوق القانون، مما يتيح لها السيطرة على الصفقات العمومية الكبرى وتوجيهها لخدمة التحالف المصلحي بين القصر والشركات العابرة للقارات. إننا أمام { نظام وظيفي } يحول موارد البلاد إلى غنائم تُقسّم في الدوائر الضيقة، بينما تُستخدم الترسانة القانونية، وعلى رأسها المسطرة الجنائية، كجهاز مناعة يحمي هذا الأخطبوط المالي من أي إختراق حقوقي قد يكشف تضارب المصالح الصارخ بين دور { الملك الحكم } ودور { الملك التاجر }.
وعلاوة على ذلك، يندرج هذا التضييق التشريعي ضمن إملاءات القوى الإمبريالية والنيوليبرالية المتوحشة، التي تفضل التعامل مع أنظمة إستبدادية { مستقرة } تضمن لها نهب الثروات الوطنية بعيداً عن ضجيج المحاسبة الديمقراطية، فصندوق النقد الدولي والقوى الإستعمارية الحديثة يجدون في محمد السادس { الوكيل الحصري } الذي يسهل تغلغل رؤوس الأموال الأجنبية مقابل التغاضي عن جرائم الفساد الهيكلي في الداخل.
إن تقييد التبليغ عن الفساد هو في العمق { رسالة طمأنة } للمستثمرين الفاسدين وللوبيات الإستعمارية بأن { المخزن } قادر على ضبط المشهد وحماية { العصابة المشتركة } من أي إزعاج قانوني، وبذلك تصبح مقتضيات المسطرة الجنائية الجديدة بمثابة حزام أمان لنظام يبيع السيادة الوطنية بالمزاد العلني، ويقايض حقوق الشعب المغربي بالبقاء في سدة الحكم تحت حماية المظلة الإمبريالية-الصهيونية.
إن الحقيقة الصادمة التي يجب أن يواجهها الجميع هي أن رأس النظام هو نفسه مهندس هذه البنية الفاسدة، فهو الذي يجمع بين السلطة والثروة في يد واحدة، وهو الذي يشرع لنفسه ولعائلته حصانة مطلقة تجعلهم فوق أي مساءلة.

تقييد التبليغ عن جرائم الفساد يعكس رعباً وجودياً من إنفجار ملفات قد تصل شراراتها إلى { العربة الملكية المهترئة } وتكشف زيف شعارات { العهد الجديد }.
إننا أمام نظام يبيع السيادة الوطنية للقوى الإمبريالية مقابل حماية فساده الداخلي، مستخدماً القانون كأداة قمعية لتصفية ما تبقى من أصوات حرة تحاول كسر جدار الصمت.
إن المسطرة الجنائية الجديدة ليست سوى مسمار آخر في نعش العدالة الزائفة، وتأكيد على أن التغيير في المغرب لن يمر عبر مؤسسات مفرغة من مضمونها، بل عبر مواجهة حقيقية مع منظومة الإستبداد التي جعلت من المغرب { جنة للمفسدين } وجحيماً للشرفاء والمستضعفين.
إن المخرج من هذا النفق المظلم لا يكمن في ترجيح كفة { إصلاح } منظومة هي في الأصل ولدت ميتة وتابعة، بل في القطيعة الشاملة والنهائية مع بنية الإستبداد المخزني التي تجعل من القصر محوراً لكل فساد.

إن البديل التاريخي لمواجهة هذا { الكيان الوظيفي العميل }، هو النضال الشعبي الواعي من أجل إقامة نظام جمهوري ديمقراطي يستمد شرعيته من السيادة الشعبية لا من الأساطير أو الظهائر، نظام يقطع دابر التبعية للقوى الإمبريالية، ويعيد الثروات المنهوبة للشعب، ويؤسس لعدالة حقيقية تضع الجميع تحت المقصلة القانونية دون إستثناء { مقدس }.
إن كسر قيود المسطرة الجنائية المخزنية يبدأ بكسر قيود العقول التي تأبى رؤية الحقيقة.. فلا محاربة للفساد في ظل ملكية تحميه، ولا كرامة للمغاربة إلا بهدم أركان هذا المعبد الفاسد وتشييد جمهورية المواطنين الأحرار.















