بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد صفقة تصدير فول الصويا أو الذرة الأمريكية إلى الجزائر تبدأ عند الميناء أو البنك، بل قبل ذلك بأشهر، عندما تحدد المؤسسة الجزائرية احتياجاتها، وتدرجها في برنامج تقديري، وتستكمل المسار الإداري والمالي الذي يسبق تنفيذ عملية الشراء. هذا التحول دفع وزارة الزراعة الأمريكية إلى إصدار تقرير مستقل في 6 أوت 2026 لشرح القواعد الجديدة أمام الشركات الأمريكية التي باعت للجزائر منتجات زراعية بنحو 457 مليون دولار خلال 2025.

ويكشف اهتمام واشنطن بالملف حجم التغيير الذي تعرفه إدارة التجارة الخارجية الجزائرية. فخلال أقل من عام، انتقلت السلطات من مراقبة الاستيراد عند مرحلة التوطين المصرفي إلى بناء منظومة تبدأ بتقدير الحاجة، وتمر بالمنصة الرقمية والتحقق من الوضع المالي للمستورد، وتنتهي بمراقبة المطابقة عند دخول السلعة.
وتضع هذه الآلية الواردات ضمن حساب اقتصادي أوسع يقوم على معرفة ما تحتاج إليه السوق والمصانع مسبقًا، وضبط الكميات والقيم المنتظرة، ومراقبة قدرة المتعامل على التمويل، مع إعطاء وزن مختلف للمواد الأولية والتجهيزات التي تدخل في الإنتاج مقارنة بالسلع الجاهزة الموجهة مباشرة لإعادة البيع.
ومن هنا، لا يقرأ تقرير دائرة الزراعة الخارجية الأمريكية «USDA/FAS» السوق الجزائرية باعتبارها أقل انفتاحًا على التجارة، وإنما باعتبارها سوقًا تغيرت قواعد الدخول إليها، وبات نجاح الصفقة فيها مرتبطًا بمدى استعداد المستورد المحلي قبل وصول البضاعة.
الجزائر تنتقل من مراقبة الفاتورة إلى إدارة الحاجة
تعود أولى حلقات النظام الجديد إلى ديسمبر 2025، عندما أطلقت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات منصة خاصة بالبرامج التقديرية لاستيراد المواد الأولية خلال النصف الأول من 2026.
ويكمن التحول الاقتصادي في أن المؤسسة لم تعد تحدد مشترياتها الخارجية بمعزل عن برنامج زمني لنشاطها. فأصبح عليها تقدير ما تحتاج إليه خلال أشهر، وربط المواد والكميات بعملية الإنتاج، قبل الانتقال إلى إجراءات الاستيراد.
وفي 17 فيفري 2026، طلبت الوزارة من المؤسسات التي تستورد المواد الأولية والتجهيزات الضرورية لنشاطها إيداع برامجها قبل 26 فيفري.
وبحلول 22 مارس، توسع النظام ليشمل مستوردي المنتجات الموجهة لإعادة البيع على حالتها، قبل أن تنتقل الملفات المصادق عليها خلال أفريل إلى مرحلة الفواتير الشكلية وتحديد الموردين والقيم المتوقعة.
بهذه الخطوات، أصبحت السلطات تمتلك بيانات عن جزء من فاتورة الاستيراد قبل تنفيذها، بدل انتظار فتح الاعتماد أو وصول البضاعة لمعرفة حجم الطلب الخارجي.
وتسمح البيانات المسبقة بقراءة احتياجات الاقتصاد على أساس القطاعات والمواد والكميات، ومقارنة حجم الاستيراد المتوقع بالطاقة الإنتاجية والمخزون والطلب المحلي.
كما تساعد على الفصل بين سلعة تدخل مصنعًا وتتحول إلى منتج محلي، وبين منتج نهائي يدخل السوق دون إضافة صناعية جديدة.
البنوك تتحول إلى خط دفاع مالي
في 19 ماي 2026، انتقل التنظيم إلى مستوى آخر، بعدما أصدر بنك الجزائر التعليمة رقم 05-2026 الخاصة بمتطلبات «المساحة المالية» لعمليات استيراد السلع الموجهة لإعادة البيع على حالتها.

وأصبحت قدرة المستورد على تمويل العملية جزءًا من قرار تنفيذها.
ويعني ذلك أن وجود المورد والفاتورة والطلب التجاري لا يكفي وحده، إذ تدخل البنوك في تقييم قدرة المؤسسة على تحمل الالتزام المالي الناتج عن الاستيراد.
ويمنح هذا الإجراء المنظومة بعدًا ماليًا يتكامل مع التخطيط التجاري. فالبرنامج التقديري يجيب عن سؤال يتعلق بما تريد المؤسسة استيراده، بينما يجيب التقييم البنكي عن قدرتها على تمويل العملية.
وتزداد أهمية هذه الآلية في تجارة السلع النهائية، التي تستخدم العملة الأجنبية دون أن تدخل في دورة إنتاج محلية، خلافًا للمعدات والمواد الأولية التي يمكن أن ترفع القدرة الصناعية أو تتحول إلى سلع منتجة داخل الجزائر.
ومن هذه الزاوية، تظهر السياسة الجديدة كأداة لإدارة نوعية الواردات إلى جانب قيمتها.
النصف الثاني من 2026 يكرس النموذج
أظهرت دورة السداسي الثاني أن البرامج التقديرية لم تكن إجراءً مؤقتًا.
ففي 23 جوان، أعادت وزارة التجارة الخارجية فتح المنصة أمام المؤسسات لإيداع احتياجاتها المتوقعة خلال النصف الثاني من 2026، وحددت 31 جويلية آخر أجل لاستكمال العملية.
وبعد أقل من أسبوعين، أصدر وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات كمال رزيق تعليمات بالشروع الفوري في دراسة الملفات والتأشير عليها عند استكمال الإجراءات.
ويكشف هذا التطور عن انتقال النقاش من إنشاء الرقابة إلى سرعة تنفيذها.
فالمشكلة الاقتصادية لا تتمثل فقط في معرفة كمية المواد التي ستدخل البلاد، وإنما في ضمان عدم تأخر المادة الأولية أو قطعة التجهيز التي يحتاج إليها مصنع لاستمرار الإنتاج.
ولهذا خصصت الوزارة في 7 جويلية ورشة لشرح المنصة وآليات «الرواق الأخضر» الموجه إلى بعض المؤسسات العمومية المستفيدة من تراخيص خاصة في عمليات التجهيز والتسيير.
ويقدم هذا المسار نموذجًا مزدوجًا، يقوم على تشديد التخطيط بالنسبة إلى التدفقات الخارجية، مع توفير قنوات أسرع للحالات التي قد يؤدي تعطيلها إلى توقف الإنتاج أو الخدمات.

الخدمات تدخل حساب فاتورة الخارج
شهد 1 أوت 2026 توسعًا آخر في الرقابة الرقمية مع دخول منصة مخصصة لاستيراد الخدمات حيز العمل.
وتشمل التجارة الخارجية للخدمات العقود الهندسية والتقنية والبرمجيات والدراسات والخبرات والصيانة وحقوق الاستخدام وغيرها من العمليات التي يترتب عنها دفع مبالغ إلى الخارج.
وإدراج هذه التدفقات داخل منظومة رقمية يوسع نطاق المعلومات المتاحة للسلطات حول الطلب على العملة الأجنبية.
وبذلك، امتدت إعادة التنظيم خلال الفترة من ديسمبر 2025 إلى أوت 2026 من المواد الأولية إلى التجهيزات والسلع الجاهزة، ثم إلى الخدمات.
وهذا التوسع هو أحد الأسباب التي تجعل القواعد الجديدة محل متابعة من الدول التي تبيع منتجاتها وخدماتها إلى الجزائر.
48 ساعة للصادرات.. الاتجاه الآخر للسياسة التجارية
في الوقت الذي شددت فيه الجزائر التخطيط المسبق للواردات، تحرك بنك الجزائر في الاتجاه المعاكس بالنسبة إلى الصادرات.
ففي نهاية جويلية 2026، حدد البنك أجلًا أقصاه 48 ساعة للبنوك من أجل توطين عمليات تصدير السلع والخدمات عند تقديم ملف كامل.
وتشكل الخطوتان معًا جزءًا من سياسة تجارية تقوم على إدارة أكثر صرامة لما يدخل السوق، وتسريع ما يخرج منها.
وهي معادلة تتماشى مع التوجه نحو تقليص الاستيراد غير المنتج، وحماية تموين المؤسسات بالمدخلات الضرورية، ورفع الصادرات خارج المحروقات.
وبالتالي، لا يمكن قراءة القواعد الجديدة بمعزل عن سياسة إعادة هيكلة الميزان التجاري التي تتبناها الجزائر.

لماذا تراقب وزارة الزراعة الأمريكية الجزائر؟
تكمن الإجابة في حجم السوق.
فقد بلغت الصادرات الزراعية الأمريكية إلى الجزائر 456.99 مليون دولار خلال 2025، ما جعل الجزائر السوق رقم 44 للمنتجات الزراعية الأمريكية عالميًا.
وبلغ متوسط المبيعات الأمريكية خلال ثلاث سنوات نحو 374.98 مليون دولار، بينما سجلت الصادرات معدل نمو مركبًا بنسبة 5.2% بين 2016 و2025.
ويجعل هذا الحجم أي تغيير في الإجراءات الجزائرية ذا تأثير مباشر على المصدرين الأمريكيين وشركات الشحن والمشترين والممولين.
كما أن التجارة الزراعية بين البلدين ليست موزعة بالتساوي بين عشرات السلع، بل تتركز في مجموعة محدودة من المنتجات ذات القيم المرتفعة.
245 مليون دولار من فول الصويا وحده
احتل فول الصويا صدارة المنتجات الزراعية الأمريكية المصدرة إلى الجزائر خلال 2025 بقيمة 245.51 مليون دولار، وبكمية بلغت 577726 طنًا.
ويمثل المنتج وحده نحو 54% من إجمالي الصادرات الزراعية الأمريكية إلى الجزائر.
وجاءت المكسرات في المركز الثاني بقيمة 56.68 مليون دولار، تلتها الذرة بـ53.84 مليون دولار.
وبذلك استحوذت السلع الثلاث على نحو 78% من إجمالي التجارة الزراعية الأمريكية الموجهة إلى الجزائر.
كما شملت القائمة منتجات الألبان بقيمة 24.98 مليون دولار، وكسب فول الصويا بـ21.39 مليون دولار، والقمح بـ19.91 مليون دولار، وزيت فول الصويا بـ9.78 ملايين دولار، وبذور الزراعة بـ9.01 ملايين دولار.
وتكشف تركيبة التجارة سبب حساسية التنظيم الجديد.
فجانب مهم من الواردات الأمريكية لا يذهب مباشرة إلى رفوف المتاجر، بل يدخل في سلاسل إنتاج محلية، خاصة الأعلاف والدواجن وبعض الصناعات الغذائية.
ويعني ذلك أن انتظام الاستيراد يؤثر في تكلفة الإنتاج المحلي والأسعار وتوفر المواد في السوق.
استيراد يغذي الإنتاج واستيراد ينتهي عند المستهلك
تمنح القواعد الجديدة الدولة قدرة أكبر على التمييز بين النوعين.
فاستيراد الذرة أو كسب الصويا يمكن أن يدعم إنتاج الأعلاف وتربية الدواجن، بينما تنتهي وظيفة كثير من السلع الجاهزة بمجرد إعادة بيعها للمستهلك النهائي.
ولا تعني هذه المقارنة أن النوع الثاني غير ضروري في جميع الحالات، لكنها تتيح للسلطات ترتيب الطلب على الاستيراد وفق الوظيفة الاقتصادية للسلعة.
ويكتسب الأمر أهمية أكبر في اقتصاد يسعى إلى رفع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على شراء المنتجات النهائية من الخارج.
فالعملة الأجنبية التي تمول آلة أو مادة أولية يمكن أن تنتج لاحقًا قيمة مضافة ووظائف وسلعًا محلية، وربما صادرات، بينما تختلف النتيجة الاقتصادية عندما تستخدم لشراء منتج نهائي فقط.
المصدر الأمريكي أصبح يحتاج إلى قراءة المستورد الجزائري
من أكثر التحولات أهمية بالنسبة إلى الشركات الأمريكية أن تقييم الشريك التجاري الجزائري لم يعد يقتصر على قدرته على شراء المنتج.
وأصبح المصدر يحتاج إلى معرفة ما إذا كان المستورد أدرج العملية ضمن البرنامج المطلوب، واستكمل الإجراءات التنظيمية، ويملك القدرة المالية على الوصول إلى مرحلة التوطين والدفع.
وتؤثر هذه العناصر في توقيت العقد وحجز السفينة وإعداد الشحنة وآجال التسليم.
وبالنسبة إلى السلع الزراعية المنقولة بكميات كبيرة، يمكن لأي تأخير إداري غير محسوب أن يرفع كلفة التخزين والنقل أو يغير مواعيد الشحن.
ولهذا يأخذ تقرير USDA شكل دليل للمصدر الأمريكي بقدر ما هو تقرير عن السياسة الجزائرية.
فواشنطن تقول للشركات عمليًا إن السوق ما تزال تستورد بمئات الملايين من الدولارات، لكن قواعد تنفيذ الصفقة أصبحت تحتاج إلى متابعة أكبر.

المؤسسات الجزائرية أمام اختبار التخطيط
لا تقع أعباء النظام على المورد الأجنبي وحده.
فالمؤسسة الجزائرية مطالبة اليوم بتحسين قدرتها على توقع احتياجاتها من المواد والتجهيزات.
ويحتاج البرنامج التقديري إلى معرفة حجم المخزون، والإنتاج المتوقع، والطلبيات، ومبيعات الأشهر المقبلة، ومواعيد وصول الشحنات.
وأي تقدير غير دقيق قد يؤدي إلى شراء كميات أكبر من الحاجة أو إلى نقص في المادة الأولية يضغط على الإنتاج.
ومن هنا، يمكن أن تدفع منظومة الاستيراد الجديدة المؤسسات إلى تطوير أنظمة المحاسبة وإدارة المخزون والتوقعات التجارية.
ويحول ذلك الاستيراد من عملية شراء ظرفية إلى جزء من التخطيط التشغيلي للمؤسسة.
الرقابة تمتد إلى الموانئ والمطارات
أضافت الجزائر في جوان 2026 حلقة أخرى إلى المنظومة، عندما بحثت قطاعات التجارة والصحة والفلاحة تعزيز آليات مراقبة مطابقة المنتجات المستوردة عبر الموانئ والمطارات والمعابر البرية.
وبذلك لا تنتهي الرقابة عند قبول الملف المالي والتجاري.
فبعد تحديد الحاجة وتسجيل البرنامج والتحقق من القدرة المالية وتنفيذ الصفقة، تخضع السلعة كذلك لمراقبة المطابقة عند الدخول.
وتتكون بذلك سلسلة جديدة لإدارة الواردات تبدأ قبل طلب الشحنة وتستمر حتى وصول المنتج إلى الحدود.

من إدارة الاستيراد إلى إدارة التجارة الخارجية
الأهمية الأساسية لتقرير وزارة الزراعة الأمريكية لا تكمن في كونه يقدم معلومات جديدة للمؤسسات الجزائرية، بل في أنه يكشف كيف بدأت الدول المصدرة نفسها تتعامل مع التغيير.
فواشنطن تراقب اليوم الإجراءات الجزائرية لأنها تريد الحفاظ على سوق تستقبل ما يقارب نصف مليار دولار من منتجاتها الزراعية.
وفي المقابل، تستخدم الجزائر الرقمنة والتخطيط والرقابة البنكية لبناء رؤية أدق عن الواردات قبل تنفيذها.
وتضع هذه السياسة ثلاثة متغيرات في ملف واحد: حاجة السوق، وقدرة المستورد، وأثر السلعة على الاقتصاد.
أما الاختبار الحقيقي، فسيكون في قدرة المنظومة على الجمع بين ضبط تدفق المنتجات النهائية وحماية احتياجات المصانع من المواد الأولية والتجهيزات، دون خلق آجال طويلة ترفع تكاليف المؤسسات.
إذا نجحت هذه المعادلة، ستنتقل الجزائر من إدارة الاستيراد بوصفه سلسلة ملفات وفواتير إلى إدارته باعتباره جزءًا من التخطيط الاقتصادي.
وهذا بالضبط ما التقطته واشنطن في تقريرها الأخير: السوق الجزائرية ما تزال مفتوحة أمام التجارة، لكن الوصول إليها أصبح يمر عبر قواعد أكثر ارتباطًا بما يحتاج إليه الاقتصاد وكيف سيمول تلك الحاجة.
































