بوابة الجزائر الاخبارية: كشفت وثائق أمنية فرنسية وتقارير إعلامية أوروبية متطابقة عن صورة مقلقة للمغرب باعتباره إحدى أبرز الوجهات التي يلجأ إليها مطلوبون دوليون متورطون في قضايا الاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود، في معطيات أعادت إلى الواجهة التساؤلات بشأن فعالية التعاون القضائي والأمني الذي تروج له الرباط مع العواصم الغربية.
وبحسب مذكرة سرية صادرة عن المكتب المركزي لمكافحة الجريمة المنظمة بفرنسا، تصدر المغرب قائمة الدول التي يُشتبه في احتضانها لفارّين مطلوبين من قبل العدالة الفرنسية، متقدما على عدة دول تعتبرها باريس تقليديا ملاذا للمطلوبين دوليا.
وكشفت إذاعة “RTL” الفرنسية أن الوثيقة المؤرخة في 4 ماي 2026، والتي تحمل عنوان “أبرز الدول الملاذ للفارّين المطلوبين من طرف العدالة الفرنسية”، تشير إلى وجود 218 مطلوبا فرنسيا يعتقد أنهم يتحركون أو يقيمون بالمغرب، وتوضح ذات المذكرة، أن هذا التصنيف استند إلى تحليل أكثر من 3600 نشرة حمراء متداولة عبر منصة الإنتربول الدولية I24/7، مع دراسة دقيقة لمسارات الهروب والوجهات المفضلة لدى المطلوبين للفرار من الملاحقات القضائية.

وترى السلطات الفرنسية، وفق مضمون الوثيقة، أن التحولات التي شهدتها شبكات الجريمة المنظمة خلال السنوات الأخيرة سمحت لعدد من كبار المجرمين بإدارة أنشطتهم غير القانونية من خارج فرنسا “في هدوء شبه كامل”، معتبرة أن توقيف هؤلاء الفارّين بات يمثل “رهانا استراتيجيا” في مواجهة تصاعد شبكات الاتجار بالمخدرات والجريمة العابرة للحدود.
وتكشف الأرقام الواردة في المذكرة عن طبيعة الجرائم المرتبطة بالمطلوبين الموجودين في المغرب، حيث ترتبط 49 بالمائة من الملفات بقضايا المخدرات، فيما تتعلق 27 بالمائة منها بجرائم الجريمة المنظمة، إضافة إلى 11 بالمائة تخص قضايا اقتصادية ومالية، وهو ما يعكس، وفق مراقبين، طبيعة الشبكات الإجرامية الناشطة انطلاقا من الأراضي المغربية أو المتخذة منها نقطة عبور وتحرك.

وضمت قائمة الوجهات التي تعتبرها باريس ملاذا للمطلوبين أيضا كلا من كيان الاحتلال الإسرائيلي بـ87 مطلوبا، وتونس بـ59، والإمارات العربية المتحدة بـ48 مطلوبا، إلى جانب تركيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسنغال.
كما لفتت الوثيقة إلى أن الإمارات وكيان الاحتلال الإسرائيلي يمثلان وجهتين رئيسيتين للمطلوبين في قضايا الجرائم المالية وتبييض الأموال، حيث تشكل هذه القضايا 38 بالمائة من الملفات المرتبطة بالإمارات، وتصل إلى 91 بالمائة بالنسبة للكيان الصهيوني.

وفي موازاة هذه المعطيات الفرنسية، فجّرت تقارير إعلامية نرويجية بدورها فضيحة جديدة سلطت الضوء على تحول المغرب إلى مأوى آمن لشخصيات مطلوبة دوليا في ملفات المخدرات وغسل الأموال، يتقدمهم زكريا رحالي، المطلوب للعدالة النرويجية منذ سنة 2017، والمتهم بالارتباط بإحدى أكبر شبكات الاتجار بالمخدرات في تاريخ النرويج.
وكشفت وسائل إعلام نرويجية أن رحالي، المدان بالسجن خمس سنوات ونصف بعد تورطه في استيراد عشرات الكيلوغرامات من الحشيش والضلوع في عمليات مالية مشبوهة، تمكن من الفرار إلى المغرب قبل تنفيذ الحكم، ليستقر لاحقا بمدينة طنجة، حيث يواصل، بحسب التحقيقات، إدارة شبكة دولية تنشط بين أوروبا وشمال المغرب.

وتشير التحقيقات النرويجية إلى أن رحالي متورط في تهريب نحو 250 كيلوغراما من الكوكايين و5.7 أطنان من القنب الهندي بين 2020 و2022، فيما قدرت الشرطة النرويجية عائدات الشبكة بحوالي 500 مليون كرونة سنويا، أي ما يفوق 64 مليون يورو، لترتفع القيمة الإجمالية للعائدات إلى نحو 230 مليون يورو منذ سنة 2020.
وأكدت الشرطة النرويجية أن رحالي يعد العقل المدبر لشبكة “كريبوس” الإجرامية، التي تضم أفرادا من عائلته وترتبط بعصابات دولية متخصصة في الاتجار بالمخدرات وغسل الأموال، فيما أثارت القضية مخاوف متزايدة داخل أوروبا بشأن تحول شمال المغرب إلى منصة استراتيجية لعبور المخدرات نحو القارة الأوروبية.

وتضع هذه التقارير المتلاحقة الرواية الرسمية التي يسوقها المخزن حول “الشراكة الأمنية” و”محاربة الجريمة المنظمة” تحت مجهر التشكيك، خاصة مع تكرار ظهور أسماء مطلوبة دوليا وهي تتحرك بحرية فوق التراب المغربي، في وقت تتحدث فيه تقارير أوروبية عن تراخٍ واضح في ملاحقة بعض الشبكات ذات الامتدادات المالية والنفوذ المحلي.
ورغم أن الرباط وباريس ترتبطان باتفاقيات تعاون قضائي وأمني، خصوصا في ملفات المخدرات والإرهاب والجريمة المالية، إلا أن المعطيات الواردة في الوثائق الفرنسية والتقارير الأوروبية تكشف، وفق متابعين، وجود فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.




















