بوابة الجزائر الإخبارية: أكثر من ستة أضعاف ارتفعت الصادرات الإسبانية إلى الجزائر خلال عامين، من 332 مليون يورو في 2023 إلى 2.133 مليار يورو في 2025، في تعافٍ تجاري سريع تزامن مع إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون المكونة من 15 مادة، وزيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر في 20 جويلية 2026.

وتمنح الجزائر هذا التعافي إطارًا مؤسساتيًا يربط استعادة المبادلات بالاستثمار المنتج والشركات المختلطة والتكوين ونقل التكنولوجيا. كما تتيح المعاهدة متابعة المشروعات والنزاعات الاقتصادية ضمن اجتماعات حكومية منتظمة، بدل ترك العلاقات تحت تأثير الاتصالات الظرفية أو الصفقات المنفردة.
كلفة الأزمة أعادت الجزائر إلى صدارة حسابات مدريد
أظهرت الأزمة الدبلوماسية التي بدأت سنة 2022 حجم الخسارة التي تتحملها الشركات الإسبانية عند تراجع حضورها في السوق الجزائرية. فقد انخفضت صادرات إسبانيا من 2.906 مليار يورو في 2019 إلى 332 مليونًا فقط في 2023، قبل أن تبدأ مرحلة التعافي.
وارتفعت الصادرات إلى 794.5 مليون يورو خلال 2024، ثم قفزت إلى 2.133 مليار يورو في 2025. وفي المقابل، بلغت واردات إسبانيا من الجزائر 6.296 مليارات يورو، ليتجاوز حجم المبادلات الثنائية 8.4 مليارات يورو.
واستمر الاتجاه خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، مع صادرات إسبانية بقيمة 803.6 ملايين يورو وواردات من الجزائر بلغت 4.240 مليارات يورو. وتظهر هذه الأرقام أن مدريد تستعيد تدريجيًا سوقًا مهمة لشركاتها، بينما تملك الجزائر قدرة أكبر على توجيه هذه العودة نحو القطاعات التي تخدم أولوياتها الصناعية.
المعاهدة تحول المصالحة إلى برنامج اقتصادي
وقعت الجزائر وإسبانيا معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون في مدريد يوم 8 أكتوبر 2002، ودخلت حيز التنفيذ في 30 أكتوبر 2003. وأعاد الرئيس عبد المجيد تبون تفعيلها في 26 مارس 2026، خلال استقباله وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس. حسب بيان إعادة تفعيل المعاهدة
وتضع المادة الأولى آلية سياسية لمتابعة العلاقات، من خلال اجتماع سنوي رفيع المستوى بين الحكومتين، واجتماع سنوي لوزيري الخارجية، ومشاورات دورية بين مسؤولي الوزارات والمؤسسات.
وتنص المواد الاقتصادية على تنشيط الاستثمارات المتبادلة، وتوسيع العلاقات بين القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتشجيع المشروعات المشتركة والشركات المختلطة. كما تشمل مجالات الطاقة والأشغال العمومية والسكن والنقل والاتصالات والصيد البحري والبيئة وإدارة الموارد الطبيعية.
وتُلزم برامج التعاون بإدراج تبادل الخبرات والتكوين المهني ونقل التكنولوجيا والمعلومات الاقتصادية والعلمية والتقنية. أما المادة العاشرة، فتؤسس للتعاون القضائي في القضايا المدنية والتجارية والجزائية والإدارية، ودراسة التشريعات المؤثرة في المؤسسات والاستثمارات. حسب النص الكامل للمعاهدة
أربعة محاور تحكم العودة الاقتصادية الإسبانية
تمنح بنود المعاهدة الجزائر أدوات لتوجيه الاستثمارات الإسبانية نحو أربعة محاور رئيسية: إقامة وحدات إنتاج محلية، ورفع نسبة الإدماج الصناعي، وتكوين الكفاءات الجزائرية، وإشراك المؤسسات الوطنية في المناولة وسلاسل التوريد.
وتأتي هذه الأولويات في وقت تبحث فيه مدريد عن توسيع حضور شركاتها في مشروعات المياه وتحلية مياه البحر والسكك الحديدية والبنية التحتية والصناعات الغذائية والهندسة والطاقات المتجددة والدفاع.
وتواجه المؤسسات الإسبانية منافسة متزايدة من شركات ألمانية وإيطالية وصينية وتركية. ويمنح تعدد العروض الجزائر قدرة على المقارنة بينها وفق قيمة التمويل، ونوعية التكنولوجيا، وعدد الوظائف، ونسبة التصنيع المحلي، والقدرة على توجيه الإنتاج نحو التصدير.
كما تستطيع الجزائر استخدام الصفقات العمومية والمشروعات الكبرى لبناء قاعدة إنتاج محلية، بدل اقتصار عائدها على إنجاز المنشأة. ويشمل ذلك تصنيع أجزاء من التجهيزات، وتكوين فرق الصيانة، ونقل المعرفة الهندسية، وإبرام عقود مع مؤسسات جزائرية صغيرة ومتوسطة.
إفريقيا تمنح الشراكة سوقًا ثالثة
تسمح المعاهدة للجزائر وإسبانيا بتنفيذ برامج ومشروعات مشتركة في دول ثالثة، وهو بند يفتح المجال أمام تحالفات اقتصادية في إفريقيا.
ويمكن للمؤسسات الجزائرية توفير المعرفة بالأسواق الإفريقية والامتداد اللوجستي عبر الطريق العابر للصحراء والمعابر الحدودية، فيما تقدم الشركات الإسبانية الخبرة الهندسية والتجهيزات والتمويل والعلاقات التجارية الأوروبية.
ويمنح هذا النموذج الجزائر فرصة للتحول إلى قاعدة لانطلاق شركات مشتركة نحو الساحل وغرب إفريقيا، خصوصًا في المياه والطاقة الشمسية والبناء والصناعات الغذائية والنقل والتجهيزات الكهربائية.
وتنسجم هذه المقاربة مع موقف الوزير والدبلوماسي الجزائري السابق عبد العزيز رحابي، الذي أكد أن العلاقة المبنية منذ خمسة عقود على تأمين الغاز تحتاج إلى إدماج الجزائر داخل سلسلة القيمة حتى المستهلك النهائي، خصوصًا في الهيدروجين الأخضر والمواد الأولية الحيوية.
تسلسل دبلوماسي أعاد بناء الثقة
مرت عودة العلاقات بعدة محطات بدأت بتعيين عبد الفتاح دغموم سفيرًا للجزائر في مدريد في ديسمبر 2023، ثم استئناف المبادلات التجارية وتوسيع الاتصالات السياسية خلال 2025.
وفي 7 فيفري 2026، أجرى وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف محادثات في مدريد، أعقبتها زيارة ألباريس إلى الجزائر في 26 مارس وإعلان إعادة تفعيل المعاهدة.
وتعزز المسار باختيار إسبانيا ضيف شرف الطبعة الـ57 لمعرض الجزائر الدولي، المنظم بين 22 و27 جوان 2026. وسمح المعرض بإعادة الاتصال بين المتعاملين واستعراض فرص الشراكة في الصناعة والزراعة والطاقة والتجهيزات والخدمات.
كما وقع مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري والكونفدرالية الإسبانية لمنظمات الأعمال مذكرة تفاهم لتطوير التعاون بين المؤسسات ودعم المشروعات الصناعية المشتركة.
وجاءت زيارة سانشيز في 20 جويلية لتتوج هذا المسار، وتفتح التحضير للدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى الجزائري–الإسباني المقرر عقدها في أكتوبر 2026، وهي المحطة التي يُنتظر أن تحدد برامج التنفيذ والقطاعات والمشروعات ذات الأولوية.
الطاقة ورقة تفاوض لفتح قطاعات جديدة
رافق سانشيز إلى الجزائر مسؤولو أربع مجموعات طاقوية كبرى هي «ناتورجي» و«ريبسول» و«مويفي» و«إيناغاس». وتؤكد تركيبة الوفد الوزن المستمر للغاز، الذي توفر الجزائر منه قرابة ثلث احتياجات إسبانيا المستوردة.
وحافظت سوناطراك على التزاماتها التعاقدية خلال الأزمة الدبلوماسية، ما عزز صورة الجزائر موردًا موثوقًا. وتستخدم الجزائر هذا الاستقرار لدفع التعاون نحو الخدمات الهندسية والطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر وتخزين الكهرباء وخفض انبعاثات الميثان.
كما يمنح القرب الجغرافي فرصة لإنشاء سلاسل إنتاج قصيرة بين الضفتين، تعتمد على الطاقة والقاعدة الصناعية الجزائرية والتكنولوجيا الإسبانية، مع توجيه جزء من المنتجات المصنعة نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية.
اجتماع أكتوبر يختبر جدية العودة الإسبانية
تنشط أكثر من 100 شركة إسبانية في الجزائر، بينما تبحث مدريد عن معالجة ملفات ومستحقات مرتبطة بمشروعات سابقة. وتتيح المعاهدة نقل هذه القضايا إلى قنوات قانونية ومؤسساتية، بما يحفظ العقود والتشريعات الجزائرية ويمنع تحول الملفات العالقة إلى مصدر دائم للتوتر.
وسيقاس نجاح التقارب بعدد المشروعات الصناعية التي تدخل التنفيذ، وحجم التمويل، ونسبة الإدماج، وفرص العمل والتكوين، وقدرة المؤسسات الجزائرية على المشاركة في سلسلة القيمة.
وتدخل إسبانيا المرحلة الجديدة وهي تدرك كلفة فقدان السوق الجزائرية، فيما تدخل الجزائر المفاوضات ببدائل أوروبية وآسيوية متعددة. وتمنح هذه المعادلة الجزائر فرصة لتأسيس علاقة أكثر توازنًا تقوم على الاستقرار السياسي والاستثمار طويل الأجل والتصنيع ونقل التكنولوجيا.















