بوابة الجزائر الإخبارية: تسعى الجزائر تحويل زيارة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى ألمانيا إلى مسار استثماري يركز على الإنتاج المحلي، ونقل التكنولوجيا، ورفع نسبة الإدماج الصناعي، بدل الاكتفاء بتوسيع المبادلات التجارية أو زيادة صادرات الطاقة. وتضع المباحثات الألمانية الاقتصاد والطاقة والمواد الخام في صدارة الملفات، ما يمنح الجزائر فرصة لربط احتياجات الشركات الألمانية بمشروعات تحويل وتصنيع تُنجز داخل البلاد.

ويتركز المطلب الاقتصادي الجزائري على جذب شركات ألمانية تمتلك التكنولوجيا ورأس المال والخبرة الصناعية إلى قطاعات الآلات والتجهيزات، والصناعات الدوائية، والطاقة، والرقمنة الصناعية، وتحويل المواد الأولية. ويقوم هذا التوجه على إنشاء وحدات إنتاج ومراكز هندسة وصيانة وتكوين، مع إشراك المؤسسات الجزائرية في المناولة والتوريد.
وتنتظر الجزائر من المنتدى الاقتصادي الجزائري الألماني، المقرر عقده يوم 17 جويلية 2026 في بيت الاقتصاد الألماني ببرلين، الانتقال من عرض فرص الاستثمار إلى تحديد مشروعات قابلة للتنفيذ. ويتزامن المنتدى مع الدورة السادسة للجنة الاقتصادية الجزائرية الألمانية المشتركة، وهي الآلية المخصصة لمعالجة ملفات الاستثمار والعراقيل التي تواجه الشركات والتعاون بين مؤسسات البلدين.
الصناعة المحلية بدل استيراد التجهيزات
تريد الجزائر أن تتجه الشركات الألمانية من بيع المعدات إلى تصنيعها أو تجميع مكوناتها داخل السوق الوطنية، خصوصًا في الآلات الصناعية والتجهيزات الكهربائية وأنظمة التحكم والأتمتة ومعدات الطاقة.
ويتيح هذا المسار تقليص فاتورة الاستيراد، وتوفير خدمات الصيانة محليًا، وتكوين موردين جزائريين، ورفع قدرة المؤسسات الوطنية على إنتاج قطع الغيار والمكونات بدل استيرادها طوال مدة تشغيل المشروعات.

كما يمكن توجيه جزء من الإنتاج المشترك إلى الأسواق الإفريقية، مستفيدًا من موقع الجزائر وشبكات النقل والمشروعات الاقتصادية التي تربطها بدول القارة. وبذلك تصبح الجزائر قاعدة إنتاج وتصدير للشركات الألمانية، بدل أن تبقى سوقًا نهائية لمنتجاتها.
وتدعم التحركات الأخيرة هذا الاتجاه. فقد بحث وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، في 23 جوان 2026 مع وفد من شركة «سيمنس إنرجي» فرص توسيع التعاون في الطاقة والانتقال الطاقوي، بعد مباحثات سابقة تناولت الهيدروجين الأخضر والمناجم وتحلية مياه البحر.
وبالنسبة إلى الجزائر، يتمثل الرهان في تحويل هذا التعاون إلى مشروعات تشمل تصنيع بعض التجهيزات، وتطوير خدمات هندسية محلية، وتكوين التقنيين، وإدماج المؤسسات الجزائرية في عمليات الصيانة والتحديث.
الصناعة الدوائية نموذج للشراكة المطلوبة
يمثل قطاع الصناعات الدوائية أحد أوضح المجالات التي يمكن أن تنتقل فيها العلاقة الجزائرية الألمانية إلى الإنتاج المحلي.
ووقّع مجمع «صيدال» في 8 جوان 2026 اتفاق تعاون مع شركة «بوهرينغر إنغلهايم» الألمانية لتصنيع وإنتاج علاج مبتكر ضد التليف الرئوي داخل الجزائر. ويعكس الاتفاق النموذج الذي تبحث عنه الجزائر: تصنيع محلي لمنتج ذي قيمة تكنولوجية مرتفعة بدل استيراده جاهزًا.
كما أعلنت شركة «باير» الألمانية، خلال لقاء مع وزير الصناعة الصيدلانية في 21 جوان 2026، رغبتها في تعزيز وجودها في السوق الجزائرية وتوسيع تعاونها مع المتعاملين الوطنيين.
وتريد الجزائر أن يترجم هذا الاهتمام إلى إنتاج الأدوية والمواد الصيدلانية محليًا، وتكوين الباحثين والتقنيين، وربط الشركات بمخابر الجامعات، وتطوير القدرة على التصدير نحو الأسواق الإفريقية.
ويمنح توطين الصناعة الدوائية الجزائر مكاسب مباشرة تشمل خفض الواردات، وتأمين الإمدادات، وتطوير الخبرة المحلية، وإنتاج أدوية ذات قيمة مضافة أعلى.
تحويل المواد الخام داخل الجزائر
يدل إدراج المواد الخام ضمن المباحثات الاقتصادية على اهتمام الصناعة الألمانية بالحصول على إمدادات مستقرة وقريبة. وتريد الجزائر توجيه هذا الاهتمام نحو الاستثمار في معالجة الموارد وتحويلها محليًا، بدل تصديرها في صورتها الخام.
ويشمل ذلك إقامة وحدات للمعالجة والإثراء وإنتاج المواد نصف المصنعة، خاصة في الصناعات المعدنية والكيميائية والأسمدة ومدخلات الصناعات الطاقوية.
ويحقق هذا النموذج للجزائر عائدات أكبر من بيع المواد الخام، ويوفر وظائف صناعية، ويخلق طلبًا على النقل والخدمات والهندسة والصيانة، كما يسمح بإدماج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل الإنتاج.
التكنولوجيا لتحديث قطاع الطاقة
لا تنحصر أهداف الجزائر في رفع صادرات الطاقة إلى ألمانيا، بل تشمل الحصول على التكنولوجيا اللازمة لتحسين كفاءة المنشآت وتقليل الفاقد ورقمنة عمليات الإنتاج والنقل.
وتحتاج الجزائر إلى أنظمة قياس وتحكم ومراقبة رقمية، ومعدات لتحديث الشبكات والمنشآت، وحلول للكشف عن الأعطال والتسربات، إضافة إلى نقل الخبرة إلى المهندسين والتقنيين الجزائريين.
ويتيح إدماج الشركات المحلية في هذه الخدمات إنشاء سوق وطنية للهندسة الطاقوية والصيانة والبرمجيات الصناعية، بدل الاعتماد المستمر على شركات ومكاتب أجنبية.
كما تبحث الجزائر عن شراكة ألمانية تربط الطاقات المتجددة بالتصنيع المحلي، عبر إنتاج بعض مكونات المنشآت الشمسية والتجهيزات الكهربائية وأنظمة التخزين والتحكم.
الاستثمار المنتج معيار نجاح الزيارة
تتحدث التوقعات الجزائرية عن إمكان توقيع أكثر من 30 اتفاقية ومذكرة تفاهم في عدة قطاعات، إلا أن الجانب الألماني لم يعلن حتى الآن حصيلة نهائية بهذا الحجم. لذلك سيبقى المعيار الاقتصادي مرتبطًا بنوعية المشروعات التي ستنتقل إلى التنفيذ، لا بعدد الوثائق الموقعة.
وتحتاج الاتفاقات المرتقبة إلى تحديد قيمة الاستثمار، وموقع المشروع، والشركات المنفذة، ونسبة الإدماج المحلي، وعدد الوظائف، وبرامج التكوين، وآجال دخول الوحدات مرحلة الإنتاج.
وتريد الجزائر من ألمانيا استثمارًا ينشئ مصانع وقدرات إنتاجية، لا تمويلًا تقنيًا محدودًا أو عقودًا لتوريد المعدات فقط. كما تستهدف نقل التكنولوجيا إلى المؤسسات والجامعات ومراكز البحث، وربط التكوين المهني مباشرة باحتياجات المشروعات الجديدة.
وبذلك، تتمحور الأهداف الاقتصادية الجزائرية حول توطين الصناعة، وتطوير الصناعات الدوائية، وتحويل المواد الخام، ورقمنة قطاع الطاقة، وتكوين الكفاءات، وإدماج المؤسسات الوطنية في سلاسل القيمة.
وسيُقاس نجاح زيارة الرئيس تبون بحجم الاستثمار الألماني الذي يصل إلى الجزائر، ونسبة المكونات التي ستنتج محليًا، وعدد الوظائف والكفاءات التي ستنشأ، وقدرة المشروعات المشتركة على التصدير خارج السوق الوطنية.











