بوابة الجزائر الإخبارية: 8.5 مليارات يورو من المبادلات التجارية خلال 2025 تفسر لماذا عادت مدريد إلى الجزائر، ولماذا فشل المخزن في تحويل التنازل الإسباني بشأن الصحراء الغربية سنة 2022 إلى حق دائم في الاعتراض على العلاقات الجزائرية–الإسبانية.

فزيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر يوم 20 جويلية 2026 لم تكن مجاملة دبلوماسية، بل إعلانًا عن استعادة شراكة اقتصادية تشمل الغاز والصناعة والمياه والسكك الحديدية والهندسة والدفاع والتكنولوجيا، مع الاتفاق على عقد أول قمة حكومية رفيعة المستوى منذ ثماني سنوات خلال أكتوبر المقبل.
وفي اليوم نفسه، حاول نحو 200 شخص الوصول سباحةً من السواحل المغربية إلى سبتة، في واقعة أعادت إلى الواجهة ورقة الهجرة التي ارتبطت سابقًا بأزمات الرباط مع مدريد. غير أن المعطيات المتاحة لا تثبت أن محاولة العبور كانت ردًا منظمًا على زيارة سانشيز، كما أفادت مصادر إسبانية بأن البحرية المغربية تدخلت لاعتراض المشاركين، وأن عددًا منهم كان من الجنسية الجزائرية.
لكن غياب الدليل على وجود قرار مغربي وراء هذه الواقعة لا يلغي الحقيقة السياسية التي كشفتها أزمة ماي 2021: مستوى الضغط على سبتة يتوقف بدرجة كبيرة على قرار الرباط بالتدخل أو تخفيف المراقبة، ما يجعل الهجرة إحدى أكثر الأوراق حساسيةً في العلاقات المغربية–الإسبانية.
مدريد تختار مصالحها ولا تنتظر إذن الرباط
بلغت المبادلات التجارية بين الجزائر وإسبانيا نحو 8.5 مليارات يورو خلال 2025، منها قرابة 6.3 مليارات يورو تمثل الواردات الإسبانية من الجزائر، مقابل صادرات إسبانية تجاوزت ملياري يورو، مع وجود أكثر من 100 شركة إسبانية في السوق الجزائرية.
وتضع هذه الأرقام حدًا للسردية التي روجت لها دوائر قريبة من المخزن عقب أزمة 2022، ومفادها أن انحياز سانشيز إلى خطة الحكم الذاتي المغربية يعني خروج الجزائر نهائيًا من الحسابات الإسبانية.
فالاقتصاد أعاد مدريد إلى الجزائر. ووصف سانشيز الجزائر خلال زيارته بأنها «شريك استراتيجي» و«بلد صديق»، معلنًا رغبته في توسيع العلاقات إلى ما هو أبعد من الطاقة. واتفق مع الرئيس عبد المجيد تبون على إعادة تشغيل مختلف آليات التعاون والتحضير للقمة الجزائرية–الإسبانية الثامنة في إسبانيا.
كما ضم الوفد الإسباني مسؤولي «ناتورجي» و«ريبسول» و«إيناغاس» و«مويفي»، إلى جانب شركات تعمل في المياه والسكك الحديدية والهندسة والصناعات الغذائية والدفاع والطيران والتكنولوجيا.
وشاركت في اللقاءات شركات «تيكنيكاس ريونيداس» و«أكواليا» و«ساكير أغوا» و«كاف» و«إندرا» و«إيرباص»، ما يؤكد أن زيارة سانشيز استهدفت استعادة المؤسسات الإسبانية مواقعها داخل السوق الجزائرية، وليس تسوية ملف الغاز فقط. إلباييس
المصالحة الاقتصادية تُسقط وهم الاصطفاف الإسباني
اعتقد المخزن أن تغيير موقف مدريد من الصحراء الغربية في مارس 2022 سيقود إلى اصطفاف إسباني طويل الأجل ضد الجزائر، لكن ما حدث هو أن الشركات الإسبانية دفعت ثمن الأزمة، ثم ضغطت المصالح التجارية والطاقوية لإعادة العلاقات.
فقد انخفضت صادرات إسبانيا إلى الجزائر من 2.906 مليار يورو سنة 2019 إلى 332 مليونًا فقط في 2023، قبل أن ترتفع إلى 794.5 مليون يورو في 2024، ثم تقفز إلى 2.133 مليار يورو خلال 2025.
وتكشف هذه الأرقام أن السوق الجزائرية لم تكن قابلة للتعويض بسهولة، وأن محاولة إدارة السياسة الإسبانية في المغرب العربي بمنطق إرضاء الرباط وحدها ألحقت أضرارًا مباشرة بالمصدرين والمؤسسات الإسبانية.
وفي المقابل، حافظت الجزائر على عقود إمداد الغاز خلال الأزمة، ولم تستخدم الطاقة لخرق التزاماتها التجارية. واعترفت مصادر في رئاسة الحكومة الإسبانية بأن الجزائر بقيت موردًا موثوقًا حتى في أصعب مراحل الخلاف.
وتوفر الجزائر نحو ثلث واردات إسبانيا من الغاز، بينما تبحث مدريد استغلال قدرة إضافية تقارب 10% في أنبوب «ميدغاز»، إلى جانب إمكان مضاعفة مشتريات الغاز الطبيعي المسال. وتظل هذه الأهداف مرتبطة بمفاوضات تجارية تحدد الكميات والأسعار ومدد التوريد.
وبذلك، لم تعد معادلة مدريد تقوم على الاختيار بين الجزائر والمغرب. فإسبانيا تريد التعاون مع الرباط في الهجرة والتجارة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الجزائر في الطاقة والاستثمار والأمن المتوسطي والسوق الإفريقية. وهذا تحديدًا ما لم تنجح دبلوماسية المخزن في منعه.
200 محاولة عبور تكشف هشاشة الحدود
حاول نحو 200 شخص العبور سباحةً من المغرب إلى سبتة خلال احتفالات إسبانيا بالفوز بكأس العالم، وتركزت المحاولات في منطقة تاراخال، مع تسجيل حالات محدودة قرب بنزو.
وأفادت صحيفة «إلفارو دي سبتة» بأن البحرية المغربية دفعت بثلاثة قوارب واعترضت المشاركين داخل المياه المغربية، بينما عملت وحدات الحرس المدني الإسباني على مراقبة الجهة المقابلة. كما أوضحت أن كثيرًا من المشاركين كانوا من الجنسية الجزائرية.
وتمنع هذه التفاصيل مهنيًا وصف الحادثة بأنها «غزو مغربي» أو تأكيد أنها أمرت بها أجهزة المخزن ردًا على زيارة سانشيز؛ فلا يوجد حتى الآن دليل منشور يثبت هذا الربط، كما أن القوات المغربية تدخلت هذه المرة لمنع العبور.
لكن الواقعة تكشف مجددًا مقدار اعتماد إسبانيا على قرار المغرب بتشديد المراقبة. وقالت الصحيفة الإسبانية إن العامل الحاسم في مستوى الضغط على سبتة هو تدخل المغرب، مضيفةً أن الرباط تملك عمليًا قدرة كبيرة على التحكم في حجم محاولات الوصول إلى الحدود.
وازدادت هذه الحساسية خلال 2026؛ إذ سجلت سبتة 2826 دخولًا غير نظامي عبر المسارات البرية بين مطلع السنة و15 جويلية، مقابل 1133 حالة خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة قدرها 149%.
ويعني ذلك أن ورقة الحدود لم تختف رغم تحسن العلاقات المغربية–الإسبانية، وأن مدريد لا تزال تتحمل تكاليف أمنية وإنسانية ومالية مرتبطة بدرجة التعاون التي يقررها الجانب المغربي.
أزمة 2021 صنعت سابقة لا تستطيع الرباط محوها
تعود الشكوك الإسبانية إلى ماي 2021، عندما دخل ما بين ثمانية وعشرة آلاف شخص إلى سبتة خلال نحو 36 إلى 48 ساعة، وسط تخفيف واضح للمراقبة المغربية، بالتزامن مع الأزمة التي اندلعت بعد استقبال إسبانيا الأمين العام لجبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج.
وأفادت التغطيات الإسبانية حينها بأن الآلاف عبروا الحدود من دون اعتراض فعلي من الجانب المغربي. كما تحدث سانشيز لاحقًا عن دخول عشرة آلاف مهاجر مغربي خلال 48 ساعة «ردًا على عمل إنساني قامت به الحكومة الإسبانية»، في إشارة إلى علاج غالي. رئاسة الحكومة الإسبانية
ومنذ تلك الأزمة، أصبحت الهجرة جزءًا من حسابات مدريد عند التعامل مع الرباط. فالتعاون المغربي قادر على خفض التدفقات، بينما يؤدي تخفيف المراقبة إلى نقل الضغط سريعًا إلى سبتة ومليلية وجزر الكناري.
وهذا النموذج لا يمثل شراكة متوازنة بقدر ما يكشف علاقة تقوم جزئيًا على اعتماد إسبانيا على المغرب في حراسة الحدود، وهي ورقة يمكن أن تتحول إلى أداة تفاوض عند اندلاع الخلافات السياسية.
20 مليار دولار للمونديال وبطالة الشباب عند 37.2%
يأتي التوسع في مشروعات كأس العالم 2030 ضمن محاولة المغرب تعزيز صورته الدولية واستقطاب السياح والاستثمارات. ووفق رويترز، تعتزم الرباط توجيه أكثر من 190 مليار درهم، أي نحو 20 مليار دولار، إلى منشآت النقل والملاعب والتجهيزات الحضرية المرتبطة ببرامج البنية التحتية والتحضير للبطولة.
كما يستهدف المغرب إضافة 60 ألف سرير فندقي، ورفع عدد السياح من قرابة 20 مليونًا في 2025 إلى 26 مليونًا بحلول 2030. ويمكن لهذه الاستثمارات دعم النقل والسياحة والتشغيل إذا جرى تنفيذها بكفاءة وتوزيع عوائدها على مختلف المناطق. رويترز
غير أن هذه المشروعات الضخمة تتزامن مع اختلالات اجتماعية لا تستطيع الدعاية الرسمية إخفاءها. فقد بلغ معدل البطالة في المغرب 13% خلال 2025، بينما ارتفعت بطالة الشباب بين 15 و24 سنة إلى 37.2%، ووصلت بين حاملي الشهادات إلى 19.1% وبين النساء إلى 20.5%، وفق المندوبية السامية للتخطيط. المندوبية السامية للتخطيط
كما قدر صندوق النقد الدولي دين الحكومة المركزية بنحو 67.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2025. ورغم توقع نمو الاقتصاد المغربي، حذر الصندوق من استمرار تحديات تشغيل الشباب وارتفاع المحتوى المستورد في مشروعات البنية التحتية، بما يوسع عجز الحساب الجاري.
وتكشف هذه الأرقام الفجوة بين صورة القوة الصاعدة التي يسوقها المخزن، وبين اقتصاد لا يزال عاجزًا عن توفير وظائف كافية للشباب وحاملي الشهادات. فالملاعب والقطارات والفنادق قد تدعم النمو، لكنها لا تعوض غياب سياسة تشغيل قادرة على إدماج جيل كامل في الاقتصاد المنتج.
الخسارة الحقيقية للمخزن وقعت في الجزائر
ليست محاولة عبور 200 شخص إلى سبتة هي التطور الأهم في العلاقات المغاربية–الإسبانية، ولا يوجد دليل يسمح بتحويلها إلى رد مغربي منظم على زيارة سانشيز.
الخسارة الفعلية للمخزن تتمثل في فشل رهانه على احتكار القرار الإسباني في المنطقة. فقد عاد سانشيز إلى الجزائر، وأعاد تفعيل الشراكة السياسية، واتفق على قمة حكومية في أكتوبر، وفتح الباب أمام الشركات الإسبانية، وبدأ التحضير لزيادة إمدادات الغاز.
كما أثبتت مدريد أنها تستطيع دعم الطرح المغربي في الصحراء الغربية، ثم تعود في الوقت نفسه إلى بناء علاقة استراتيجية مع الجزائر. وهذا يعني أن التنازل السياسي الذي حصلت عليه الرباط سنة 2022 لم يتحول إلى فيتو على المصالح الإسبانية.
وتملك الجزائر ما يجعل عودة مدريد منطقية: غاز موثوق، وسوق تتجاوز 47 مليون مستهلك، ومشروعات واسعة في المياه والسكك الحديدية والصناعة والمناجم، وموقع يربط أوروبا بإفريقيا.
أما المخزن، فتظل إحدى أبرز أوراقه تجاه إسبانيا مرتبطة بمراقبة الحدود؛ ورقة مؤثرة، لكنها لا تستطيع إلغاء 8.5 مليارات يورو من التجارة، ولا منع الشركات الإسبانية من العودة إلى الجزائر، ولا إجبار مدريد على التضحية بمصالحها الطاقوية والصناعية.
فالاقتصاد حسم ما حاولت الدعاية المغربية إنكاره: إسبانيا لم تعد إلى الجزائر رغم المغرب فقط، بل عادت لأن مصالحها لا تسمح للمخزن بأن يقرر وحده من تتعامل معه مدريد في جنوب المتوسط



